press_center
بقلم: د.علي الدين هلال*لدي اعتقاد عميق بأن كثيرا من القضايا التي تشد اهتمامنا وتثير جلبة وصخبا لدي مجالسنا والرأي العام هي ليست بالضرورة قضايا المستقبل, وأن كثيرا من المعارك التي تدور في المجتمع وتبدو محتدمة وعنيفة هي معارك المنتصر فيها والمهزوم سيان.
وأن هناك قضايا أهم وأخطر تتسرب من بين أيدينا دون أن نشعر, ومن أهم هذه القضايا هي تلك المتعلقة بعقل المصريين وطريقة تفكيرهم ونظرتهم الي الحياة والمستقبل, ومكمن الخطورة أن هذه القضية ذات طابع معنوي وغير ملموس لذلك لا يشعر كثير منا بأهميتها وخطورتها.
القضية هي مزاج الشعب وروحه المعنوية وشعور المواطن المصري إزاء غيره من المصريين وإزاء الآخرين عموما ونظرته الي واقعه ومستقبله, وإيماني أن أخطر المعارك التي تدور اليوم في صمت في جميع أرجاء الوطن هي المعركة علي عقل الشعب عامة والشباب خصوصا, ولأنها معركة تدور في العقول والقلوب فإنه ليس لها مظاهر مادية مباشرة ولكن نتائجها تتراكم ببطء ثم تنفجر أمامنا بشكل يدعو الي الدهشة والانزعاج برغم أنها ظلت تتكون وتتبلور في أحشاء المجتمع لسنوات وسنوات.
ودعونا نتوقف أمام مشهدين من أخبار الأسبوع الماضي, المشهد الأول هو اجتماع الجمعية العمومية لمجلس الدولة والذي قرر عدم الموافقة علي تعيين المرأة كقاضية في المجلس بأغلبية كاسحة تصل الي أكثر من85%, فقد رفض فكرة التعيين324 عضوا بينما وافق عليها42 فقط, ومن أن سلطة حسم هذا الموضوع بمقتضي القانون ليس الجمعية العمومية وانما يختص بها المجلس الخاص لمجلس الدولة, ومع أن ما حدث يمثل مخالفة صريحة للمادة40 من الدستور التي تنص علي المساواة بين المواطنين أمام القانون بغض النظر عن النوع, فإنه يشير الي نمط من التفكير ينتهك معني المواطنة والمساواة في الحقوق بين المواطنين الرجال والنساء.
والمشهد الثاني يتعلق بنتائج استقصاء لآراء الشباب أجراه مجلس السكان التابع للأمم المتحدة علي عينة من50 ألف شاب من مختلف المحافظات والتي ورد فيها أن2% فقط من الشباب قاموا بعمل تطوعي, وأن5% من الشباب شاركوا في أي نشاط يتصل بالأسر الجامعية والأندية ومراكز الشباب, وأن16% منهم شاركوا في أي انتخابات عامة, وأن75% منهم ـ ذكور وإناث ـ يوافقون علي قيام الرجل بضرب زوجته عقابا لها, وهي مؤشرات تتطلب التوقف أمامها وتحليلها لأنها تشير الي مدي اندماج الشباب في مؤسسات المجتمع والي نمط تفكيره.
والسؤال الذي ينبغي أن نناقشه بصراحة, هو الي أي مدي تتفق هذه القيم والأفكار مع المجتمع الحديث ومع اقتصاد المعرفة ومع كل ما نتشدق به من كلمات وشعارات ترتبط بالديمقراطية والتنمية والتقدم, والإجابة بالطبع هي بالنفي, ومعني هذا أن سياسات الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في مصر يتم تنفيذها في مجتمع مازال النظام القيمي السائد فيه ليس محبذا أو مشجعا لها, بل علي العكس, فإنه يرفضها ويلفظها.. أي أن هناك عدم توافق بين حزمة الاصلاحات من ناحية وجزء من نظام القيم السائدة من ناحية أخري وهو ما يتطلب مزيدا من الاهتمام بالثقافة والتغيير الثقافي.
والحقيقة أن كل النظم السياسية والاقتصادية تجد سندها في مجموعة من القيم والمفاهيم, فالديمقراطية مثلا لايمكن رسوخها في المجتمع بدون انتشار ثقافة المواطنة والتسامح وعدم التمييز واحترام الآراء الأخري واحترام حقوق وعقائد الآخرين والامتناع عن فرض الرأي بالقوة, ونظام الاقتصاد الحر يقوم علي محورية دور الإنسان وإطلاق طاقاته وابداعاته في مناخ يتسم بالمنافسة وعدم الاحتكار, والمنافسة تقوم علي قيم المبادرة والابتكار الذاتي والحرية الاقتصادية.
والقاريء لتاريخ الفكر السياسي والاجتماعي يعلم أن تطور النظام الديمقراطي ارتبط به ومهد له عدد من الفلاسفة والأفكار الكبري كجيرمي بنثام( المنفعة الفردية) وفولتير( الحرية) وجون لوك( البرلمان والفصل بين السلطات) وجان جاك روسو( العقد الاجتماعي), وأن النظام الرأسمالي أيضا ارتبط بأفكار حركة الإصلاح الديني في أوروبا وكتابات المفكر الألماني ماكس فيبر عن الأخلاق البروتستانية والرأسمالية, وكتاب آدم سميث عن ثروة الأمم والذي أشار فيه الي نظام الأخلاق والقيم المرتبطة بالسوق.. وكل هذا في إطار تطور فكري يؤكد دور الفرد في المجتمع وعلي مكانة العقل كموجه للسلوك البشري وذلك في سياق حركة التنوير والنهضة, وانتشار التعليم الحديث, وظهور مفهوم المواطنة والدولة الحديثة.
وعندما يسعي مجتمع ما لإحداث التغيير, فمن الضروري الي جانب التشريعات المتعلقة بنظم الاقتصاد والسياسة والأحزاب أن يكون هناك اهتمام مماثل بالتغيير الثقافي والفكري, لأن الاصلاحات الاقتصادية والسياسية لا تطبق نفسها بنفسها ولا هي تعمل في فراغ أو في مختبر علمي ولكن في مجتمع وبواسطة بشر لهم أفكارهم وقيمهم التي تعلموها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية والتي يعتقدون في صحتها, فإذا شعروا بأن الاصلاح يأتي بما يخالف تلك الأفكار والقيم فإنهم سوف يرفضونها ولن يتقبلوها, وحتي اذا أصبحت قوانين ملزمة وسارية المفعول فإنهم سوف يتحايلون لعدم تنفيذها.. ولدينا عشرات من القوانين التي تعد مثالا علي ذلك.
وليس صحيحا أن قوة الدولة ـ مهما كانت استبدادية أو تسلطية ـ بلا حدود, وليس صحيحا أيضا أن الحكومات تستطيع أن تفعل ما تشاء دون احترام لمجتمعاتها وشعوبها, وأكبر دليل علي ذلك ما حدث في الاتحاد السوفيتي من قيام الثورة البولشوفية عام1917, فلمدة أكثر من70 سنة شنت الدولة حربا علي الأديان والقوميات, وقامت بتدريس الإلحاد في مناهج التعليم, وبفرض اللغة الروسية علي القوميات الأخري وتصور الكثير أن هذه الحملة نجحت في استئصال المشاعر الدينية والقومية, ولكن ذلك لم يحدث فبمجرد سقوط الاتحاد السوفيتي صعدت المشاعر القومية والدينية الي السطح وعادت بشكل قوي في مقدمة اهتمامات المجتمع.
ومعني ما تقدم أن الإصلاح لا يأتي بالفرض والتغيير لا يحدث بالتشريع وحده, وإن إعداد المجتمع وتهيئته ثقافيا وفكريا هو أمر ضروري, وحدوث التوافق والتواصل بين ثقافة المجتمع وسياسات الاصلاح هو أمر مهم لنجاحها واستقرارها في ضمير المجتمع وعقيدته, ولا يحدث هذا بدون دور تنويري للإعلام والتعليم والثقافة, خصوصا عندما يكون الاصلاح الذي نتبناه متفقا مع روح عقائدنا الدينية.
المعركة علي عقل مصر حادثة من ثلاث عقود علي الأقل وهي معركة بين الاصلاح والجمود.. وبين الاستنارة والتخلف.. وبين حقوق المواطنة وأفكار التمييز.. وبين التطلع الي مستقبل أفضل والوقوع في أسر ايديولوجيات شمولية كلية.. وبين صور عن الماضي بعضها من صنع خيالنا وبعضها الآخر يستحيل إعادته بحكم تغير الظروف والأحوال وبين الانخراط في عالم يموج بالتغيير ومستقبل جديد.
لذلك لابد أن نسعد لخبر قيام المجلس الأعلي للثقافة بالإعداد لمؤتمر عن أحوال الثقافة في مصر ولفكرة إصدار كتاب سنوي عن المجلس يرصد للتطور الثقافي, ولخبر إنشاء مجموعة عمل لدراسة القضايا الثقافية يرأسها د. إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الاسكندرية في داخل أمانة السياسات بالحزب الوطني وكلاهما أمر نرحب به ونسعي الي المزيد منه لدي كل الأحزاب وهيئات المجتمع المدني, فالصراع بين التخلف والاستنارة هو المعركة الكبري القائمة في بلادنا ونتيجتها تمثل العامل الرئيسي الذي سوف يحدد شكل مستقبل مصر.*نقلا عن صحيفة الاهرام
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هناك أشياء حدثت لنا منذ سنوات، وما زلنا نتذكر تفاصيلها جيدًا. نعرف أين كنا، ومن كان معنا، وربما نتذكر الكلمات...
على الساحل السوري، وفي موقع يعرف اليوم باسم رأس شمرا، كانت تقوم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام مدينة لم...
لم يكن الديزل هو ما يشغل العالم في حرب أوكرانيا، لكنه أصبح فجأة جزءًا من حسابات إنهائها أو استمرارها. ففي...
دراسة في التراث المصري القديم للباحثة زينب محمد عبد الرحيم باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية تقدم قراءة في كتاب "الرقص...