حذرت منظمة اليونسكو من أن احتمال حدوث موجة تسونامي يتجاوز ارتفاعها مترا واحدا في مكان ما من حوض البحر المتوسط خلال فترة 30 عاما يقترب من 100%، في وقت تشير فيه النماذج الحديثة إلى أن بعض موجات التسونامي المحلية قد تصل إلى شواطئ الريفييرا الفرنسية في أقل من عشر دقائق، أي قبل وصول التحذير الرسمي إلى الموجودين على الساحل.
ولا يعني تقدير اليونسكو أن كارثة وشيكة ستضرب فرنسا تحديدا، وإنما يشير إلى احتمال وقوع موجة بهذا الحجم في مكان ما من البحر المتوسط خلال الفترة الممتدة تقريبا حتى عام 2052.
يبدو البحر المتوسط للوهلة الأولى بعيدا عن مناطق التسونامي الكبرى في العالم، إلا أن سجله التاريخي والظروف الجيولوجية المحيطة به يكشفان عكس ذلك. فالزلازل التي تقع على الصدوع النشطة في بحر ليجوريا بالقرب من السواحل الفرنسية والإيطالية يمكن أن تولد موجات تسونامي، كما تمثل حركة الصفيحتين الأفريقية والأوراسية قبالة شمال أفريقيا مصدرا آخر للزلازل القوية، إلى جانب الانهيارات الأرضية تحت الماء التي قد تؤدي إلى موجات محلية سريعة للغاية.
لا يظهر التسونامي بالضرورة في صورة جدار هائل من المياه، فقد يبدأ بارتفاع سريع أو انحسار مفاجئ للبحر تعقبه موجات متتابعة وتيارات شديدة القوة ، وقد يتراوح ارتفاع المياه من بضعة سنتيمترات إلى عدة أمتار، بينما يمكن للتيارات السريعة أن تضغط على المنشآت الساحلية بقوى تعادل عدة أطنان لكل متر مربع. كما أن الموجة الأولى ليست بالضرورة الأكبر، وحتى موجة يبلغ ارتفاعها نحو 50 سنتيمترا قد تكون خطرة بسبب طاقتها وحركة المياه المستمرة المصاحبة لها.
تشير السجلات التاريخية إلى أن الريفييرا الفرنسية تعرضت لنحو 20 واقعة تسونامي منذ القرن السادس عشر وحتى أوائل القرن الحادي والعشرين، ووصل ارتفاع بعض الموجات إلى أكثر من مترين ، ففي فبراير 1887، تسبب زلزال في بحر ليجوريا تراوحت قوته التقديرية بين 6.5 و6.8 درجة في تسونامي أدى إلى تراجع البحر بنحو متر في أنتيب وكان، قبل أن تجتاح الشواطئ موجات اقترب ارتفاعها من مترين ، وفي أكتوبر 1979 وقع تسونامي من نوع مختلف تماما عندما انهار جزء من موقع إنشاء ميناء تجاري جديد في نيس وسقطت كتلة ضخمة في البحر، وأدى الانهيار الأرضي والموجة الناتجة عنه إلى وفاة ثمانية أشخاص، فيما أظهرت دراسة لاحقة أن المياه وصلت محليا إلى ارتفاع 3.5 متر وتوغلت لمسافة بلغت نحو 150 مترا داخل اليابسة.
كما أظهر زلزال بومرداس في الجزائر عام 2003 أن الخطر يمكن أن يأتي من الضفة الأخرى للبحر المتوسط. فقد وصلت آثاره إلى الريفييرا الفرنسية بعد نحو 75 دقيقة، وسجل انخفاض مفاجئ في مستوى البحر تراوح بين 50 سنتيمترا و1.5 متر، إلى جانب انخفاض المياه داخل بعض الموانئ وظهور دوامات وتيارات قوية وتضرر قوارب في ثمانية مرافئ ، ولا تقتصر هذه الظاهرة على الأحداث التاريخية القديمة، ففي ديسمبر 2022 أدى تدفق مواد بركانية ساخنة إلى البحر عند جزيرة سترومبولي الإيطالية إلى حدوث تسونامي صغير أدى إلى تفعيل نظام الإنذار في الجزيرة، وإن لم يسفر عن أضرار.
تكمن المشكلة الرئيسية في الريفييرا الفرنسية في قصر الفترة المتاحة للتحذير ، فقد تدير فرنسا منذ عام 2012 المركز الوطني للتحذير من التسونامي، الذي يراقب الزلازل القادرة على توليد موجات خطرة ويرسل التنبيهات الأولية إلى سلطات الطوارئ ، لكن النظام مصمم لإرسال التنبيه الأولي إلى السلطات خلال نحو 15 دقيقة من وقوع زلزال يحتمل أن يكون خطيرا، بينما قد تصل بعض موجات التسونامي المحلية إلى الساحل في أقل من عشر دقائق.
تختلف المهلة المتاحة بدرجة كبيرة بحسب مصدر الموجة، فتسونامي ينشأ قبالة شمال أفريقيا قد يستغرق أقل من 90 دقيقة للوصول إلى الريفييرا، بينما يمكن لمصدر قريب في بحر ليجوريا أن يترك وقتا أقصر بكثير ، وتعد الانهيارات الأرضية المحلية تحت الماء أكثر صعوبة، لأنها قد تولد موجات بسرعة كبيرة ومن دون أن يسبقها بالضرورة زلزال يشعر به السكان ، ولهذا بدأت السلطات والباحثون في التركيز على الإخلاء المسبق التخطيط بدل الاعتماد على الإنذار وحده.
حددت الجهات الحكومية الفرنسية وجامعة مونبلييه منطقة ساحلية محتملة للإخلاء تشمل بصورة عامة الأراضي الواقعة على ارتفاع أقل من خمسة أمتار وفي نطاق 200 متر من الشاطئ، مع امتداد المنطقة إلى 500 متر بالقرب من مصبات الأنهار ، وهذه الحدود مخصصة للتخطيط ولا تعني أن موجة مستقبلية سيبلغ ارتفاعها خمسة أمتار ، وتمتد منطقة التخطيط على نحو 1700 كيلومتر من الساحل الفرنسي على البحر المتوسط، بما في ذلك كورسيكا، وتشمل 187 مدينة وبلدة وما لا يقل عن 164 ألف مقيم ، وفي ذروة الموسم الصيفي، قد يصل عدد مستخدمي الشواطئ الذين ينبغي أخذهم في الاعتبار عند التخطيط للإخلاء إلى نحو 835 ألف شخص.
طور باحثو جامعة مونبلييه نماذج حاسوبية لتحديد أسرع طرق الإخلاء سيرا على الأقدام، مع الأخذ في الاعتبار انحدار الطرق والعوائق وسرعة المشي ونقاط الاختناق المحتملة ، وبدلا من مجرد توجيه الناس بعيدا عن البحر، تحدد الخوارزميات أسرع المسارات للوصول إلى أماكن آمنة، وقد أدرج ما يقرب من 100 موقع للاحتماء ضمن خطط الإخلاء التشغيلية في منطقة نيس ، وفي يونيو 2026، حصلت منطقة نيس كوت دازور على اعتراف اليونسكو ضمن برنامج Tsunami Ready، الذي يقيم استعداد المجتمعات الساحلية وفق 12 مؤشرا تشمل تقييم المخاطر وخرائط الإخلاء، وتوعية الجمهور وخطط الاستجابة للطوارئ ووجود وسائل موثوقة لاستقبال التحذيرات الرسمية ونشرها على مدار الساعة.
تشمل الاستعدادات أيضا وضع اللوحات الإرشادية وتنظيم تدريبات الإخلاء والأنشطة التعليمية، إلى جانب منصة تفاعلية يستطيع السكان والزوار من خلالها معرفة مناطق الإخلاء والمسارات والتعليمات قبل وقوع أي طارئ ، وتكتسب هذه المعرفة أهمية خاصة لأن انتظار التحذير الرسمي في بعض السيناريوهات قد يستهلك جزءا كبيرا من الوقت المتاح للنجاة ، وتوصي الإرشادات الأشخاص الموجودين في المناطق الساحلية المهددة بالتوجه سيرا على الأقدام إلى الداخل ونحو الأماكن المرتفعة فور صدور إنذار أو ظهور علامات طبيعية مقلقة، مثل الشعور بزلزال أو حدوث حركة مفاجئة وغير معتادة في البحر ، كما لا ينبغي العودة إلى الساحل بعد مرور الموجة الأولى، لأن الموجات التالية قد تكون أكبر وقد تستمر التيارات الخطرة لساعات.
توضح الدراسة أن الخطر الحقيقي لا يرتبط فقط بقوة التسونامي، وإنما أيضا بسرعة وصوله ، ففي المناطق التي قد تصل إليها الموجة خلال دقائق، يصبح التعرف مسبقا إلى طريق الإخلاء ومكان الاحتماء جزءا أساسيا من منظومة الحماية، لأن الوقت المناسب لتحديد كيفية الهروب هو قبل وقوع الطوارئ، وليس بعد أن يبدأ البحر في التغير.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
حقق الطب التجديدي وهندسة الأنسجة قفزة نوعية بابتكار تقنية خلوية جديدة لإعادة بناء أنسجة الأنف المتضررة والحد من التندب على...
اكتشف باحثون أستراليون أن القلب البشري يستطيع إنتاج خلايا عضلية قلبية جديدة بعد الإصابة بنوبة قلبية، في أول دليل مباشر...
يمكنك ترك هاتفك موصولاً بالشاحن دون مخاطر فورية أو كارثية كالانفجار، لأن الهواتف الذكية الحديثة مصممة بآليات حماية ذكية توقف...
كشفت دراسة دولية ضخمة عن الجذور الجينية لمرض الفيبروميالجيا، مؤكدة أن هذا الاضطراب المزمن له أساس بيولوجي واضح.