الذكاء الاصطناعي في غرف الكشف.. مساعد طبي أم جاسوس يعبث ببيانات المرضى

يبحث كثير من الأطباء عن أي وسيلة لالتقاط الأنفاس والتخلص من جبال الأوراق والمعاملات الإدارية ، ولكن يبدو أن المساعدين الرقميين الذين يعملون بالذكاء الاصطناعي قد فتحوا باباً جديداً للمخاطر داخل العيادات الأسترالية؛ مخاوف متصاعدة بشأن الخصوصية، وأخطاء قاتلة محتملة في التشخيص، وثغرات قانونية استغلتها شركات البرمجيات، دفعت الحكومة الأسترالية مؤخراً لدق ناقوس الخطر.

حذرت السلطات الصحية في أستراليا الأطباء والعاملين في القطاع الطبي من الاندفاع غير المحسوب نحو استخدام أدوات التدوين الذكية (AI Scribes) هذه الأدوات، التي تعتمد على تسجيل الجلسات العلاجية وتلخيصها تلقائياً في سجلات المرضى، باتت تحت مجهر الجهات التنظيمية التي تدرس فرض قيود صارمة لكبح جماح انتشارها السريع الذي تجاوز الحدود الآمنة.

القصة بدأت تتكشف ملامحها بعد وثائق حكومية حصلت عليها صحيفة "ذا جارديان أستراليا" بموجب قانون حرية المعلومات. الوثائق، التي أُعدت كإحاطة لمجلس الشيوخ، كشفت عن ثغرة تنظيمية مقلقة؛ إذ تبين أن العديد من الشركات تروج لتقنياتها على أنها "خارج نطاق لوائح الأجهزة الطبية"، مما سمح لها بالتسلل إلى غرف الكشف والعيادات دون الخضوع للمراجعة الصارمة التي تمر بها أي أداة طبية تقليدية.

هذا الفراغ الرقابي تزامن مع "انفجار" في معدلات الاستخدام ، وبحسب استطلاع رأي أجرته الكلية الملكية الأسترالية للأطباء العامين (RACGP)، فإن نسبة الأطباء الذين يعتمدون على هذه الأدوات قفزت من 22% في أغسطس 2024 لتصل إلى 40% مع نهاية العام الماضي ، بل إن الشركات المطورة تتفاخر بأن أنظمتها تولت معالجة مئات الملايين من الاستشارات الطبية حول العالم خلال الـ 18 شهراً الماضية فقط.

وأقرت وزارة الصحة الأسترالية بأن هذه التكنولوجيا تخفف بالفعل من عبء الإرهاق الإداري وتمنح الطبيب وقتاً أطول لمعاينة مريضه، إلا أنها وضعت يدها على الجانب المظلم للقصة؛ فالأدوات تعتمد على "النماذج اللغوية الكبيرة"، وهي تكنولوجيا معروفة بقابليتها لـ "الهلوسة" أو تحريف النصوص ، وإن أي خطأ صغيراً في تفريغ الحديث أو تلخيصه لن يفسد السجل الطبي الرقمي للدولة فحسب، بل قد يهدد حياة المريض مباشرة بسبب جرعة دواء خاطئة أو تشخيص محرف، وهو ما يضع الأطباء أنفسهم في مواجهة مباشرة مع المساءلة القانونية والمحاكم.

هناك أيضا أزمة أخرى لا تقل خطورة تتعلق بـ "أمن البيانات" ، الوزارة أشارت إلى أن وعود الشركات بحماية الخصوصية غالباً ما تكون "حبراً على ورق" وتفتقر للشفافية ، فالكثير من الأطباء لا يدركون أن تسجيلات مرضاهم الحساسة وتفاصيل أمراضهم لا تُعالج محلياً، بل تُرسل إلى خوادم سحابية خارج الحدود الأسترالية، مما يجعلها صيداً سهلاً للاختراقات السيبرانية أو إساءة الاستخدام.

إن المثير للقلق هو ما كشفت عنه منظمات حماية المستهلك؛ حيث تلقت شكاوى من مرضى تعرضوا لـ "ابتزاز مبطن" داخل بعض العيادات، وخُيّروا بين قبول تسجيل جلستهم بواسطة الذكاء الاصطناعي أو مغادرة العيادة والبحث عن طبيب آخر ، وشددت الحكومة على أن "الموافقة المستنيرة" للمريض لا تعني مجرد الضغط على زر التسجيل، بل تتطلب شرحاً وافياً ومبسطاً للمريض حول أين ستذهب بياناته، وما هي المخاطر والحدود التقنية لهذه الأدوات.

إن الوضع الحالي يضع السلطات الأسترالية أمام تحدٍ مفصلي؛ إذ تجري "إدارة السلع العلاجية" (TGA) بالتعاون مع وكالات تنظيمية أخرى مراجعة حاسمة لتحديد ما إذا كان سيتم إعادة تصنيف أدوات التدوين بالذكاء الاصطناعي كـ "أجهزة طبية رسمية"، وهذا القرار، المتوقع صدوره خلال الأشهر القليلة المقبلة، قد يقلب الطاولة على شركات البرمجيات ويجبرها على الخضوع لدفتر شروط صارم، في معركة عالمية مستمرة توازن بين إغراءات التكنولوجيا وحرمة الجسد والبيانات الطبية.

احمد عبد الرحيم

احمد عبد الرحيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الرياض تفتح أبوابها لأبحاث أخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي
تقنية ذكاء اصطناعي لعلاج مرضي الشلل
جوتيريش
ابتكار رقعة ذكية لعلاج قرح السكري بدون ألم
مخاطر خفية للهواتف الذكية تطال العين والعمود الفقرى
الصين تعتمد الذكاء الاصطناعي بجميع المراحل الدراسية
إطلاق منصة لتقليص سنوات الأبحاث الطبية الحيوية
الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة

المزيد من علوم وتكنولوجيا

الرياض تفتح أبوابها لأبحاث أخلاقيات وحوكمة الذكاء الاصطناعي

أقدمت الرياضى على خطوة ترسخ مكانة المملكة العربية السعودية كلاعب محوري في صياغة مستقبل التكنولوجيا المسؤولة، فقد أعلن المركز الدولي...

تقنية ذكاء اصطناعي لعلاج مرضي الشلل

كشفت "ميتا" عن تقنية ذكاء اصطناعي متطورة تفك رموز موجات الدماغ وتحولها إلى نصوص، ما قد تغير حياة ملايين المصابين...

الطيور تتحدث بالموسيقى

كشفت دراسة علمية حديثة أن بعض أنواع الطيور تستخدم أنماطًا موسيقية معقدة في تواصلها اليومي، في ظاهرة تُظهر تشابهًا مذهلًا...

اكتشاف نوبات الصرع قبل حدوثها عبر نظارة ذكية

طورت شركة Onsor Technologies، وهي شركة متخصصة في تطوير الأجهزة الطبية الذكية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، نظارة Nexa التي تهدف...