دراسة: نقص فيتامين "ب 12" قد يحاكي أعراض الشيخوخة الطبيعية

كشفت مراجعة علمية جديدة أن نقص فيتامين "ب 12"، رغم أن الجسم يحتاج منه كميات ضئيلة للغاية لا تتجاوز بضعة ميكروجرامات يوميا، قد يؤدي إلى أعراض يساء تفسيرها على أنها جزء طبيعي من التقدم في العمر، مثل الإرهاق وضعف الذاكرة وتشوش الذهن واضطرابات التوازن.

تأتي هذه المراجعة بالتزامن مع مرور مئة عام على الاكتشاف التاريخي الذي أظهر أن تناول الكبد يعالج فقر الدم الخبيث، وهو الاكتشاف الذي قاد لاحقا إلى التعرف على فيتامين "ب 12" باعتباره العنصر المسؤول عن هذا التأثير العلاجي.

قبل نحو قرن لاحظ الباحثان جورج مينوت وويليام مورفي أن المرضى المصابين بفقر الدم الخبيث، والذي كان يعد مرضا قاتلا في ذلك الوقت، تحسنت حالتهم بصورة ملحوظة بعد اتباع نظام غذائي غني بالكبد. وقد مهد هذا الاكتشاف الطريق لعزل المركب الأحمر الموجود في الكبد، والذي عرف لاحقا باسم الكوبالامين أو فيتامين "ب 12".

ويحتاج الجسم إلى نحو ميكروجرامين فقط من هذا الفيتامين يوميا، إلا أن دوره أساسي في تكوين خلايا الدم الحمراء والحفاظ على صحة الأعصاب وإنتاج الحمض النووي.

ورغم مرور عقود على اكتشافه لا يزال نقص فيتامين "ب 12" شائعا خاصة لدى كبار السن والنباتيين والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات تقلل امتصاص الفيتامين من الجهاز الهضمي.

ويتركز فيتامين "ب 12" بصورة طبيعية في المنتجات الحيوانية مثل اللحوم والأسماك والبيض ومنتجات الألبان، لذلك قد لا يحصل النباتيون على كميات كافية منه.

كما أن التقدم في العمر قد يقلل إفراز حمض المعدة اللازم لتحرير الفيتامين من الطعام، أو قد يؤدي إلى الإصابة بالتهاب معدي مناعي يقلل إنتاج العامل الداخلي، وهو البروتين الضروري لامتصاص الفيتامين. كذلك قد تؤثر بعض جراحات السمنة، وبعض أدوية السكري أو علاج ارتجاع المريء، في كفاءة امتصاصه.

وتتطور أعراض نقص الفيتامين تدريجيا، ولذلك كثيرا ما تفسر على أنها مجرد علامات طبيعية للشيخوخة، فقد يشعر المصاب بإرهاق مستمر وضعف عام وضيق في التنفس أو يعاني من تنميل في اليدين والقدمين واضطرابات في التوازن وضعف الذاكرة أو ما يعرف بضبابية الدماغ.

ويؤكد الباحثون أن هذه الأعراض ليست خاصة بنقص فيتامين "ب 12" فقط، لذلك فإن استمرار التعب أو التنميل أو اضطرابات التوازن يستدعي تقييما طبيا بدلا من افتراض أنها نتيجة طبيعية للتقدم في العمر.

وكان الاعتقاد السائد أن الشعور بالإرهاق لدى مرضى نقص "ب 12" يرجع أساسا إلى الإصابة بفقر الدم، إذ يعجز نخاع العظم عن إنتاج خلايا دم حمراء سليمة، ويطلق بدلا منها خلايا كبيرة وغير ناضجة تقل قدرتها على نقل الأكسجين.

إلا أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن فقر الدم قد لا يكون السبب الوحيد للإرهاق، ففي جسم الإنسان يعتمد إنزيمان فقط بصورة مباشرة على فيتامين "ب 12"، أحدهما مسؤول عن تصنيع الحمض النووي، بينما يعمل الآخر داخل الميتوكوندريا، وهي العضيات التي تعرف بمحطات توليد الطاقة داخل الخلايا، حيث تساعد على تحويل الغذاء إلى طاقة قابلة للاستخدام.

وقد أثار هذا الدور اهتمام الباحثين في السنوات الأخيرة، خاصة في أبحاث الشيخوخة ووظائف العضلات، وأظهرت دراسة نشرت عام 2026 أن نقص فيتامين "ب 12" قد يخل بوظيفة الحمض النووي الموجود داخل الميتوكوندريا، ويؤدي إلى انخفاض إنتاج الطاقة في خلايا العضلات.

كما بينت دراسة أخرى أجريت على إناث فئران مسنة أن إعطاء مكملات "ب 12" أدى إلى تحسين عدد الميتوكوندريا وبنيتها ووظيفتها داخل العضلات، وهو ما يدعم فرضية أن نقص الفيتامين قد يسبب الشعور بالإرهاق حتى قبل ظهور علامات فقر الدم التقليدية.

ومع ذلك يشدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تعني أن تناول مكملات "ب 12" يمنح طاقة إضافية أو يبطئ الشيخوخة لدى الأشخاص الذين تكون مستويات الفيتامين لديهم طبيعية.

ورغم انتشار العيادات التي تروج لحقن فيتامين "ب 12" باعتبارها وسيلة لزيادة النشاط أو إنقاص الوزن أو تحسين الأداء البدني، فإن الأدلة العلمية لا تدعم هذه الادعاءات لدى الأشخاص غير المصابين بالنقص، وتظل الحقن علاجا معتمدا فقط للحالات التي يثبت فيها وجود نقص حقيقي، خاصة عندما يكون السبب ضعف الامتصاص، حيث يستخدم الهيدروكسوكوبالامين بصورة روتينية لعلاج فقر الدم الناتج عن نقص فيتامين "ب 12".

ويختتم الباحثون بأن قصة هذا الفيتامين تظل واحدة من أكثر القصص إثارة في الطب؛ فالجسم لا يحتاج منه إلا كمية متناهية الصغر، لكن نقصه قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الدم والأعصاب وإنتاج الطاقة.

كما تشير الأبحاث الحديثة إلى أن دوره لا يقتصر على الوقاية من فقر الدم، بل قد يكون عنصرا مهما في الحفاظ على كفاءة الميتوكوندريا ووظائف الخلايا مع التقدم في العمر، وهو مجال لا يزال يحمل الكثير من الأسرار التي يسعى العلماء إلى كشفها.

داليا رشوان

داليا رشوان

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فروة الرأس مرآة للصحة العامة والتقدم في العمر
سبب ظاهرة النسيان يعود إلى الهواء الملوث
عنب
فيتامين ب وحماية الدماغ
النظام الغذائي يبطيء الشيخوخة
دراسة تكشف التوقيت البيولوجي لتسارع شيخوخة جسم الانسان
الأنشطة الثقافية تبطىء الشيخوخة
الدماغ

المزيد من علوم وتكنولوجيا

مادة صلبة جديدة تحول الضوء المرئي في ضوء الشمس إلى أشعة فوق بنفسجية

نجح باحثون من جامعة كيوشو اليابانية في تطوير مادة صلبة جديدة قادرة على تحويل ضوء الشمس المرئي إلى أشعة فوق...

أستاذ بالمركز القومي للبحوث: الخوارزميات باتت تتحكم في سلوكيات المستخدمين

حذر الدكتور وليد رشاد زكي أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، من الانعكاسات الخطيرة للتكنولوجيا الحديثة على الفرد،...

دراسة: رصد محتمل لأول ثقب أسود متوسط الكتلة يمزق قزما أبيض ويلتهمه

رصد علماء الفلك حدثا كونيا قد يكون من أندر وأعنف الظواهر التي شوهدت على الإطلاق، إذ تشير الأدلة إلى أن...

دراسة: نقص فيتامين "ب 12" قد يحاكي أعراض الشيخوخة الطبيعية

كشفت مراجعة علمية جديدة أن نقص فيتامين "ب 12"، رغم أن الجسم يحتاج منه كميات ضئيلة للغاية لا تتجاوز بضعة...