لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو سرد الوقائع، بل أصبح شريكاً أساسياً في بناء الوعي وصياغة الإدراك الجمعي للمجتمعات ومن بين عشرات التعريفات التي يمكن أن نصف بها الإعلام المهني الرشيد، تبرز ثلاث كلمات تختصر رسالته وأهدافه بل تكرس معايير قياس الوعي : ( نحن نَعلم ، ويُعلم عنا ، ونتعلم )
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
إنها ثلاثية متكاملة تمثل جوهر الإعلام المستدام القائم على المعرفة والإنسان والتنمية.
وتبدأ الرحلة بكلمة "نَعلم"، حيث لا يستطيع الإنسان أن يتخذ قراراً صحيحاً أو يبني موقفاً واعياً دون أن يمتلك معلومة دقيقة وصادقة لذلك تقوم الرسالة الإعلامية في جوهرها على توفير المعلومات الصحيحة من مصادرها الموثوق بها، وفق معايير مهنية واضحة تحترم الحقيقة وتلتزم بالدقة والموضوعية!
وفي عصر الإعلام الرقمي أصبحت المعلومة متاحة بضغطة زر. لكن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومة ، بل في التحقق منها واختيار الصحيح من بين سيل هائل من الأخبار والبيانات والمحتويات المتدفقة كل لحظة.
ومن هنا تبرز أهمية تحديد مصادر المعلومات قبل التعامل مع أي معلومة أو إعادة نشرها.
وليس كل من يتحدث أو يصرح يعد مصدراً موثوقاً، بل إن مكانة المصدر وخبرته ومصداقيته وسجله المهني تبقى مقدمة على ما ينقله من معلومات.
وهذا ما يعرف بمبدأ "التبين" الذي يقود إلى "التيقن"، أي البحث والتحقق والتدقيق حتى نصل إلى الحقيقة كما هي، بعيداً عن التزييف أو المبالغة أو الاجتزاء وهي أمور في اعتقادي تحتاج إلى مقدرة العقل البشري ولا يمكن الاعتماد في هذه الحالة على الذكاء الاصطناعي AI
وعندما تغيب الدقة المهنية في تداول المعلومات تنتشر الشائعات والأخبار الكاذبة، سواء بقصد أو بغير قصد، وهو ما ينسف أحد أهم أعمدة الرسالة الإعلامية وهو الصدق.
لذلك فإن المعلومة يجب أن تكون واضحة ودقيقة وصادقة حتى يكتمل المكون الأول للإعلام الجيد، وهو العلم والمعرفة.
غير أن الإعلام الناجح لا يكتفي بأن يجعل الجمهور يعلم، بل ينتقل إلى مرحلة أكثر عمقاً وتأثيراً وهي أن "يُعلم عنه". يبحث الإنسان بطبيعته عن ذاته في كل ما يقرأ أو يشاهد أو يسمع بمعنى أنه يريد أن يرى همومه وتطلعاته، وأن يجد انعكاساً لواقعه وتحدياته وأحلامه داخل الرسالة الإعلامية.
عندما يشعر المتلقي أن الإعلام يتحدث عنه ويعبر عن قضاياه ويضع اهتماماته ضمن أولوياته، يزداد ارتباطه بالوسيلة الإعلامية وتتسع مساحة الثقة بينها وبينه. إن الإعلام مرآة المجتمع تعكس نبضه وتفاعلاته وتحولاته وكلما استطاعت الوسيلة الإعلامية أن تجعل الجمهور يرى نفسه داخل محتواها ازدادت قدرتها على التأثير وصناعة الوعي العام.
إن نجاح الإعلام في التعبير عن الناس لا يقاس فقط بحجم المشاهدات أو عدد المتابعين، وإنما بقدرته على أن يكون صوتاً للمجتمع ومنصة للحوار ومساحة لفهم احتياجات المواطنين وطموحاتهم.
وهنا يتحقق المكون الثاني من معايير الجودة الإعلامية، وهو أن يدرك المتلقي أن الإعلام يهتم بقضاياه !
أما الحلقة الثالثة والأخيرة في هذه الثلاثية فهي "التعلم".
لا تكتمل المعرفة الحقيقية بمجرد الحصول على المعلومة، كما أن الاهتمام بالجمهور لا يحقق غايته إذا لم يتحول إلى قيمة مضافة تساعد الإنسان على التطور والنمو وهنا يظهر دور الإعلام في التربية الإعلامية Media literacy والتعليم المستمر.
إن الاستدامة الإعلامية لا تتحقق إلا عندما يصبح الإعلام أداة للتعلم والتثقيف وبناء القدرات وتطوير التفكير النقدي لدى جمهور المتلقين.
ومن ثم المطلوب ليس فقط أن نقدم المعلومة أو نسلط الضوء على اهتمامات الجمهور، بل أن نساعد المتلقي على استيعاب تلك المعرفة وتوظيفها في حياته اليومية، وأن تتحول المعلومات إلى خبرات و أنماط سلوك ومهارات تدفعه نحو التقدم.
ولهذا ارتبطت مسيرة الحضارة الإنسانية بالتعلم المستمر. فالإنسان حين يواجه التحديات والأزمات يبحث عن الحلول، ومن رحم الحاجة تولد الأفكار الجديدة والاختراعات و الإبداعات!
وقد أثبت التاريخ أن كثيراً من الإنجازات الكبرى كانت استجابة لمشكلات واقعية دفعت العقل البشري إلى التفكير والابتكار.
إن التعليم ليس مجرد شهادة تعلق على الجدران أو مؤهل يضاف إلى السيرة الذاتية، بل هو رسالة حضارية مستمرة تهدف إلى بناء إنسان متحضر وقادر على الإنجاز والعطاء والتجديد.
ومن هنا يصبح الإعلام شريكاً للتعليم في صناعة مجتمع المعرفة، ومساندا لكل جهد يسعى إلى الارتقاء بالإنسان وتحسين جودة حياته.
وفي النهاية، يمكن القول إن الإعلام المستدام يبدأ حين نعلم الحقيقة، ويترسخ حين يعلم عنا ويعبر عن واقعنا، ويؤتي ثماره حين نتعلم ونحول المعرفة إلى عمل وإنجاز.
إنها ثلاث كلمات بسيطة في ظاهرها، لكنها تشكل منظومة متكاملة لبناء الوعي وصناعة المستقبل: نَعلم، ويُعلم عنا، ونتعلم من منطلق العلم والإعلام والتعليم !
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أصبحت الشاشة جزءًا من الحياة اليومية: تعليم، عمل، تواصل، خدمات، وصداقة. لكنها قد تتحول، إذا غاب الوعي والمسؤولية، إلى مساحة...
في العالم القديم، لم تكن المدن تتنافس بالجيوش فقط، بل بالآلهة أيضًا، فكل مدينة كبرى أرادت أن يكون إلهها هو...
مصر لا تبحث عن بطلة جديدة.. مصر تملك بطلات، وما تحتاجه هو أن تكتشفهن قبل أن يكتشفهن العالم.
لماذا نؤجل أهم الأشياء... رغم أننا نعرف أنها قد تغيّر حياتنا؟