واشنطن تشعل جبهة تجارية جديدة بدعوى العمل القسري 

بعدما كانت الرسوم الجمركية الأمريكية تُستخدم في مواجهة اختلالات الميزان التجاري أو لحماية الصناعات المحلية، تدخل واشنطن مرحلة جديدة من سياساتها التجارية، عنوانها هذه المرة “العمل القسري”.

فقد أعلنت الإدارة الأمريكية فرض رسوم جمركية على واردات قادمة من 60 دولة وشريكاً تجارياً، معتبرة أن هذه الاقتصادات لم تتخذ إجراءات كافية لمنع دخول المنتجات المصنعة باستخدام العمل القسري إلى سلاسل التجارة العالمية، وهو ما تراه الولايات المتحدة ممارسة تمنح تلك السلع ميزة تنافسية غير عادلة على حساب المنتجين الأمريكيين.

وجاء القرار عقب تحقيقات أجراها مكتب الممثل التجاري الأمريكي بموجب المادة 301 من قانون التجارة، والتي خلصت إلى أن عدداً كبيراً من الشركاء التجاريين لا يطبق بصورة فعالة حظراً على استيراد أو تداول المنتجات المرتبطة بالعمل القسري، سواء بشكل مباشر أو عبر سلاسل التوريد العابرة للحدود.

ووفقاً للقرار، تتراوح الرسوم الجديدة بين 10% و12.5%، مع تفاوت النسب بحسب مستوى التزام كل دولة بتطبيق معايير مكافحة العمل القسري. وتشمل الإجراءات غالبية الواردات الأمريكية القادمة من الدول المشمولة، وهو ما يجعلها واحدة من أوسع الحزم التجارية التي تعتمد البعد الحقوقي أساساً لفرض الرسوم الجمركية.

وتضم القائمة عدداً من أكبر شركاء الولايات المتحدة التجاريين، من بينهم الصين والهند واليابان وكندا والمكسيك ودول الاتحاد الأوروبي والبرازيل، إلى جانب عدد من الاقتصادات الناشئة، وهو ما يعني أن تأثير القرار لن يقتصر على دولة بعينها، بل سيمتد إلى جزء كبير من حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.

وترى واشنطن أن هذه الرسوم لا تستهدف تقييد التجارة بقدر ما تهدف إلى دفع الحكومات والشركات إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد، وتعزيز الشفافية، وضمان خلو المنتجات المتداولة في الأسواق الأمريكية من أي ممارسات تنطوي على استغلال العمالة القسرية.

لكن في المقابل، يثير القرار مخاوف واسعة داخل الأوساط الاقتصادية، إذ يرى خبراء أن فرض رسوم جديدة بهذا الحجم قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الواردات، وهو ما سينعكس على أسعار السلع النهائية للمستهلك الأمريكي، خاصة في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على الواردات مثل الملابس والإلكترونيات والسلع الاستهلاكية.

كما يحذر اقتصاديون من أن الإجراءات قد تدفع عدداً من الدول المتضررة إلى اتخاذ خطوات انتقامية أو اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من النزاعات التجارية في وقت يحاول فيه الاقتصاد العالمي استعادة زخمه وسط تباطؤ النمو واستمرار الضغوط التضخمية.

ولا تتوقف التداعيات عند حدود التجارة فقط، بل تمتد إلى الشركات متعددة الجنسيات، التي قد تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة شبكات مورديها، وزيادة الإنفاق على عمليات التحقق من سلاسل الإمداد، أو نقل جزء من إنتاجها إلى دول تتمتع بمعايير أعلى في مجال حقوق العمال، وهو ما قد يرفع تكاليف الإنتاج ويؤثر في قرارات الاستثمار خلال المرحلة المقبلة.

وفي الداخل الأمريكي، لم يمر القرار دون اعتراضات، إذ سارعت شركات ومستوردون إلى الطعن قانونياً على الرسوم الجديدة، معتبرين أنها ستزيد الأعباء على قطاع الأعمال، وترفع تكلفة الإنتاج، وتؤثر في تنافسية الشركات الأمريكية نفسها، خصوصاً تلك التي تعتمد على مكونات مستوردة.

وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن التجارة يجب أن تقوم على المنافسة العادلة واحترام حقوق الإنسان، يرى منتقدو القرار أن واشنطن باتت تستخدم الرسوم الجمركية كأداة تجمع بين السياسة التجارية والأهداف الجيوسياسية، بما قد يعيد رسم خريطة التجارة العالمية خلال السنوات المقبلة.

وهكذا، تتحول قضية العمل القسري من ملف حقوقي إلى محور رئيسي في السياسة التجارية الأمريكية، لتصبح الرسوم الجمركية أداة ضغط تتجاوز حماية الصناعة المحلية، وتمتد إلى إعادة تشكيل قواعد المنافسة وسلاسل الإمداد العالمية، في تطور قد تكون له تداعيات تتجاوز بكثير حدود الدول الستين المشمولة بالإجراءات

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الاحتياطي الفيدرالي
مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
جمارك امريكا
ترامب
امريكا وروسيا
الفيدرالي الأمريكي
اقتصاد
الذهب

المزيد من تقارير اقتصاد

موجة حر تضرب أوروبا.. وخسائر اقتصادية تتصاعد

بينما ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في عدد من الدول الأوروبية، تتصاعد المخاوف من أن تتحول موجة الحر إلى...

واشنطن تشعل جبهة تجارية جديدة بدعوى العمل القسري 

بعدما كانت الرسوم الجمركية الأمريكية تُستخدم في مواجهة اختلالات الميزان التجاري أو لحماية الصناعات المحلية، تدخل واشنطن مرحلة جديدة من...

64 مليار جنيه.. مكاسب أسهم مصر في أسبوع

حققت البورصة المصرية، مكاسب سوقية بلغت نحو 64.1 مليار جنيه خلال تعاملات الأسبوع المنتهي، ليرتفع إجمالي القيمة السوقية للأسهم المقيدة...

"الزراعة" تستعرض جهودها في دعم المزارعين وتحقيق الأمن الغذائي خلال أسبوع 

تحركات مكثفة لوزارة الزراعة خلال الأسبوع الثالث من يوليو لتعزيز الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي، حيث نشر المركز الإعلامي لوزارة الزراعة...