كيف غيّرت العقوبات الغربية مسار الفائدة في روسيا؟

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهما حزمًا متتالية من العقوبات على موسكو، لم تعد قرارات البنك المركزي الروسي بشأن أسعار الفائدة مرتبطة فقط بمعدلات التضخم أو وتيرة النمو الاقتصادي، بل أصبحت العقوبات عاملًا رئيسيًا في رسم مسار السياسة النقدية.

وجاءت أولى الاستجابات في فبراير 2022، عندما رفع البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الأساسي بصورة طارئة من 9.5% إلى 20%، في محاولة لاحتواء الانخفاض الحاد في قيمة الروبل ومنع خروج رؤوس الأموال والحفاظ على استقرار النظام المالي، بعد استبعاد بنوك روسية من النظام المالي العالمي وتجميد جزء كبير من الاحتياطيات الأجنبية.

ومع نجاح السلطات الروسية في فرض قيود على حركة رؤوس الأموال، واستفادة الاقتصاد من ارتفاع أسعار النفط والغاز آنذاك، استعاد الروبل جانبًا من استقراره، ما أتاح للبنك المركزي بدء دورة خفض تدريجية للفائدة خلال النصف الثاني من عام 2022، لدعم النشاط الاقتصادي الذي تعرض لضغوط قوية نتيجة العقوبات.

لكن هذه المرحلة لم تدم طويلًا، إذ أعادت العقوبات المتواصلة تشكيل المشهد الاقتصادي الروسي. فقد أدى تقييد الواردات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ونقص العمالة الناتج عن التعبئة العسكرية، إلى زيادة الضغوط التضخمية، بالتزامن مع توسع الإنفاق الحكومي، خاصة على القطاع الدفاعي، وهو ما دفع البنك المركزي إلى العودة مجددًا لرفع أسعار الفائدة خلال عامي 2023 و2024.

كما أسهمت العقوبات المفروضة على صادرات الطاقة والقطاع المالي في تقليص تدفقات العملات الأجنبية إلى روسيا، ما زاد الضغوط على الروبل، ودفع السلطات النقدية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من المعتاد، بهدف الحد من التضخم والحفاظ على استقرار العملة.

ورغم أن الاقتصاد الروسي أظهر قدرة على التكيف عبر إعادة توجيه التجارة نحو الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند، فإن هذا التكيف لم يلغِ آثار العقوبات على السياسة النقدية، بل جعل البنك المركزي أكثر حذرًا في إدارة أسعار الفائدة، مع استمرار المخاطر المرتبطة بالتضخم وسعر الصرف.

وخلال عام 2026، بدأ البنك المركزي الروسي التلميح إلى دورة تيسير نقدي تدريجية، مستفيدًا من تباطؤ نسبي في معدلات التضخم واستقرار أكبر في سوق الصرف. إلا أن المسؤولين أكدوا أن أي خفض للفائدة سيظل محدودًا ومحسوبًا، في ظل استمرار العقوبات الغربية والضغوط على المالية العامة والاقتصاد الروسي.

ويرى محللون أن العقوبات الغربية لم تؤثر فقط في مستويات الفائدة، بل غيّرت فلسفة السياسة النقدية الروسية بالكامل، إذ أصبح الحفاظ على استقرار الروبل واحتواء تداعيات العقوبات الخارجية هدفًا لا يقل أهمية عن السيطرة على التضخم، وهو ما يجعل مسار الفائدة في روسيا أكثر ارتباطًا بالتطورات الجيوسياسية من أي وقت مضى

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الأصول المجمدة.. ساحة صراع تتجدد بين موسكو وبروكسل
المستشار الألماني فريدريش ميرتس
روسيا تعرب عن استعدادها لتوسيع التعاون مع باكستان في مجال مكافحة الإره
البنك المركزي الروسي
امريكا وروسيا
حرب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يضع روسيا في مرمى عقوباته ورسومه الجمركية
روسيا

المزيد من تقارير اقتصاد

كيف غيّرت العقوبات الغربية مسار الفائدة في روسيا؟

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهما حزمًا متتالية من العقوبات على موسكو، لم تعد قرارات...

"الزراعة"بذكرى 30 يونيو: طفرة تاريخية في الإنتاج والتصدير في عهد الرئيس السيسي

في ظل النهضة الشاملة والرؤية الثاقبة للرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، و بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30...

"الزراعة" في أسبوع.. دعم المزارعين وعودة القرية المنتجة أهم الأنشطة 

أسبوع حافل لوزارة الزراعة، وتحركات مكثفة لتعزيز الأمن الغذائي ودعم الفلاح والإعلان عن عودة القرية المنتجة.

في أول اجتماع برئاسة وارش.. الفيدرالي يثبت الفائدة وتشديد نقدي بالأفق

أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة دون تغيير في أول اجتماع للسياسة النقدية برئاسة كيفن وارش، في قرار حمل...