بيوم العمل الإنساني.. منقذوا الأرواح ليسوا أهدافا ويجب فرض عواقب للانتهاكات

في 19 أغسطس من كل عام، تقف الإنسانية وقفة إجلال وتكريم لكل يد امتدت لتسعف منكوبا، ولكل قلب خفق رحمة بإنسان غريب لا تربطه به إلا رابطة الإنسانية، إنه اليوم العالمي للعمل الإنساني.

فمن مناطق النزاعات ومخيمات اللاجئين إلى المجتمعات التي دمرتها الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ الصحية العامة، يقدم هؤلاء الرجال والنساء مساعدات تنقذ الأرواح.
 
ولكن العاملين في المجال الإنساني ما زالوا يتعرضون للقتل والإصابة والاختطاف والاحتجاز والعرقلة في أثناء أداء عملهم، ومعظم هؤلاء موظفون وطنيون يخدمون مجتمعاتهم المحلية.
 
ولا تقتصر عواقب الهجمات على العاملين في المجال الإنساني على من تطولهم مباشرة، إذ تعرقل إيصال الغذاء والرعاية الصحية وخدمات الحماية وغيرها من الخدمات المنقذة للحياة، فتضيق أمام المجتمعات سبل البقاء والتعافي.
 
 ولذا يجب أن يجد احترام القانون الدولي والمبادئ الإنسانية سبيله إلى الممارسة العملية، ولا غنى عن منع الهجمات، وضمان وصول المساعدة الإنسانية، وكفالة المساءلة، صونا للحياة والكرامة الإنسانية.

الاحتفال باليوم العالمي
 
تحتفل الأمم المتحدة اليوم الأربعاء باليوم العالمي للعمل الإنساني، بهدف تكريم العاملين في المجال الإنساني والتضامن مع المتضررين من الأزمات في شتى أنحاء العالم، داعية في هذه المناسبة إلى احترام المدنيين و العاملين في المجالين الإنساني و الطبي وحمايتهم.
 
ويجمع اليوم العالمي للعمل الإنساني، كل عام، شركاء من مختلف أرجاء المنظومة الإنسانية للدفاع عن حق المتضررين من الأزمات في البقاء و الرفاه والكرامة، وعن سلامة العاملين في المجال الإنساني و أمنهم.
 
تاريخ اليوم العالمي.. 
 
 في 19 أغسطس 2003، أسفر هجوم بقنبلة استهدف فندق القناة في بغداد، العراق، عن مقتل 22 عاملًا في المجال الإنساني، من بينهم الممثل الخاص للأمين العام للعراق، "سيرجيو فييرا دي ميلو".
 
وبعد خمس سنوات، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 63/139، الذي حدّد يوم 19 أغسطس يومًا عالميًا للعمل الإنساني.
 
رسالة حملة عام 2026
انتهى زمن القلق. وآن أوان فرض عواقب للانتهاكات.
 
ويأتي اليوم العالمي للعمل الإنساني هذا العام في وقت بلغت فيه الاحتياجات الإنسانية مستويات غير مسبوقة. 
 
إذ يحتاج أكثر من 305 ملايين شخص في 72 دولة إلى مساعدات إنسانية، بينما لا تزال النزاعات والكوارث المرتبطة بالمناخ وانعدام الأمن الغذائي والنزوح القسري تؤثر على حياة الملايين. 
 
ومع ذلك، فبينما تتزايد الحاجة إلى العمل الإنساني، تتضاءل الموارد المتاحة لتلبية هذه الاحتياجات.
 
القانون الدولي الإنساني يوجب حماية العاملين

 بموجب القانون الدولي الإنساني، يجب احترام المدنيين وحمايتهم، بمن فيهم العاملون في المجالين الإنساني والطبي، وعلى أطراف النزاع المسلح أن تسمح بوصول الإغاثة الإنسانية إلى المحتاجين وأن تيسّر هذا الوصول، وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وحين يتعرض الناس للخطر، يجب ألا يتحول من يهبّون لمساعدتهم إلى أهداف.
 
دعوة الى احترام العاملين
القلق لا يحمي، والإدانة لا تقوم مقام المساءلة
 
وبمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، تدعو الأمم المتحدة الدول و أطراف النزاع المسلح إلى: 
 
- احترام المدنيين والعاملين في المجالين الإنساني والطبي وحمايتهم، 
 
- السماح بوصول المساعدة الإنسانية بأمان وسرعة ومن دون عوائق، وتيسير هذا الوصول وفقًا للقانون الدولي الإنساني، 
 
- منع عمليات القبض و الاحتجاز التعسفية، والإفراج عن العاملين في المجال الإنساني المحتجزين بغير وجه قانوني..
 
- إجراء تحقيقات سريعة ومحايدة وفعالة في الانتهاكات المزعومة، وضمان المساءلة وفقًا للقانون الدولي،
 
- دعم الناجين وأسر من قُتلوا أو أُصيبوا من العاملين في المجال الإنساني، 
 
- تعزيز التدابير العملية اللازمة لحماية العاملين في المجال الإنساني، ومنها إتاحة المعدات والتقانات الملائمة، والتدريب الأمني، وخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي.

وأكدت الأمم المتحدة، أن معظم العاملين في المجال الإنساني الذين يطولهم العنف هم موظفون وطنيون يعملون في الأماكن التي يعيشون فيها، ويجب أن تراعي جهود الحماية طبيعة المخاطر التي يواجهونها، وأن تكفل للعاملين المحليين والوطنيين في مجال الاستجابة ما يحتاجون إليه من موارد وتدريب ودعم.

ومهما كانت الأسلحة أو التقنيات المستخدمة، تظل أطراف النزاع المسلح ملزمة بالقانون الدولي الإنساني.. إذ يجب اتخاذ كافة الاحتياطات المستطاعة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين، و الحد منه إلى أدنى قدر ممكن، ويجب أن يظل الحكم البشري والمساءلة في صميم القرارات المتعلقة باستخدام القوة المميتة، ويجب احترام العاملين في المجالين الإنساني والطبي وحمايتهم، إلى جانب حماية مرافقهم ومركباتهم وأعمالهم، ولا يجوز إساءة استخدام التقانات المخصصة لتحديد مواقع العمليات الإنسانية أو تتبعها بغرض استهدافها.
 
 
الطائرات المسيرة وغيرها من التقنيات الناشئة.. تفاقم مخاطر العاملين
 
من الطائرات المسيّرة المسلحة إلى الذكاء الصناعي، تتغير تقانات الحرب، أما إنسانيتنا فلا يجوز أن تتغير. ومهما كانت الأسلحة أو التقنيات المستخدمة، تظل أطراف النزاع المسلح ملزمة بالقانون الدولي الإنساني.
 
يجب اتخاذ كافة الاحتياطات المستطاعة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين، والحد منه إلى أدنى قدر ممكن.
يجب أن يظل الحكم البشري والمساءلة في صميم القرارات المتعلقة باستخدام القوة المميتة.
يجب احترام العاملين في المجالين الإنساني والطبي وحمايتهم، إلى جانب حماية مرافقهم ومركباتهم وأعمالهم.
 
لا يجوز إساءة استخدام التقانات المخصصة لتحديد مواقع العمليات الإنسانية أو تتبعها بغرض استهدافها.
 
حقائق وأرقام
 
بحلول نهاية مايو 2026، كان أكثر من 252 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية والحماية، أي بزيادة قدرها 13 مليونًا على العدد المسجل عند تدشين اللمحة العامة عن العمل الإنساني العالمي لعام 2026. 
 
في منتصف العام، كان الشركاء في العمل الإنساني يعتزمون تقديم المساعدة إلى 143.2 مليون شخص، وأعطوا الأولوية لنحو 89 مليون شخص من ذوي الاحتياجات الأشد إلحاحًا لتلقي الدعم المنقذ للحياة. 
 
بحلول نهاية أبريل 2026، قدّم الشركاء في العمل الإنساني شكلًا واحدًا على الأقل من أشكال المساعدة أو الحماية إلى ما يُقدّر بنحو 45.2 مليون شخص، أي ما يعادل نحو شخص واحد من كل ستة أشخاص محتاجين. 
 
في 31 مايو 2026، بلغت الاحتياجات التمويلية للخطط الإنسانية 33.66 مليار دولار أمريكي، لم يُجمع منها سوى 8.21 مليارات دولار، أي 24.4 في المائة من المبلغ المطلوب. 
 
وفاة مدني كل ربع ساعة!
 
سجلت الأمم المتحدة مقتل أكثر من 37,000 مدني في 20 نزاعًا مسلحًا خلال عام 2025، أي ما يقارب وفاة مدني مسجلة كل 14 دقيقة. وهذا العدد حد أدنى موثق ولا يعكس الحصيلة الكاملة. 
 
وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بمقتل ما لا يقل عن 326 عاملًا في المجال الإنساني في 21 بلدًا خلال عام 2025، ليتجاوز مجموع القتلى خلال السنوات الثلاث 1,010 أشخاص. 
 
الهجمات ضد العاملين بالمجال الانساني.. نمط آخذ في التفاقم.
 
2024.. العام الأكثر دموية
 
كان العام الأكثر دموية على الإطلاق بالنسبة للعاملين في المجال الإنساني حول العالم، حيث قُتل 383 من العاملين في المجال الإنساني.
 
2025.. قُتل 332 من العاملين الإنسانيين بالمجال الإنساني في أعمال عنف حول العالم.
 
وكان 99% منهم من الموظفين والمتطوعين المحليين، أي الأشخاص الموجودين أصلاً داخل مجتمعاتهم، والأوائل في الاستجابة، وآخر من يغادر عندما تنتهي التغطية الإعلامية وتخفّ الأنظار المسلطة على الأزمات المحلية.
 
.. فقد ما يقرب من 100 موظف ومتطوع حياتهم أثناء خدمة مجتمعاتهم منذ عام 2023.
 
ومن بينهم 21 شخصاً خلال النصف الأول من عام 2026 وحده: 12 قُتلوا في أعمال عنف، و9 لقوا حتفهم في حوادث غير مرتبطة بالعنف أثناء أدائهم لواجبهم.
 
2026.. في 12 أبريل 2026، انطلقت سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر اللبناني في مهمة طبية طارئة إلى جنوب لبنان. وكانت تحمل شارة الصليب الأحمر بوضوح على جميع جوانبها، ومضاءة على النحو المطلوب بموجب القانون الدولي الإنساني. كما كان الطاقم قد أبلغ مسبقاً بمساره عبر القنوات المعتادة، بما في ذلك قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. لقد اتبعوا جميع الإجراءات المطلوبة.
 
كان حسن بدوي أحد المسعفين الذين كانوا على متن سيارة الإسعاف تلك. لكنه لم يعد إلى منزله. فقد قُتل أثناء استجابته لإسعاف مصابين جراء ضربة سابقة في بلدة بيت ياحون. وكان قد أمضى أربعة عشر عاماً في خدمة الآخرين تحت هذه الشارة
 
يفترض أن تكون لهذه الشارة دلالة واضحة. فالصليب الأحمر أو الهلال الأحمر، سواء كان ظاهراً على مركبة أو على سترة، يبعث برسالة مفادها أن الأشخاص الذين يحملون هذه الشارة موجودون لإنقاذ الأرواح. دعوهم يؤدون عملهم ويعودون إلى منازلهم سالمين. إنهم ليسوا هدفاً. 
 
إن الهجمات على العاملين في المجال الإنساني ليست أمراً جديداً، كما أنها لا تتراجع. فعلى مدى سنوات، لم تعد الحماية التي ترمز إليها هذه الشارة مضمونة للأشخاص الذين صُممت لحمايتهم. 
 
الرحمة في أبهى صورها
 
إذا كانت المواثيق الدولية قد سعت جاهدة إلى صياغة إطارٍ قانوني يحمي المنكوب في مِحنته، ويصون كرامة من يغيثه- فإن الإسلام قد سبق هذه المواثيق كلها بأربعة عشر قرنا، وجعل من الرحمة والإحسان إلى الخلق مرتبة عظيمة من مراتب الدين الإسلامي، لا ترفا أخلاقيا يؤخذ به حينا، ويترك حينا آخر.
 
وأكدت وزارة الأوقاف المصرية أن الاسلام جعل رحمة العبد بالخلق طريقًا موصولًا برحمة الخالق به، ولم تقف هذه الرحمة عند حدّ العاطفة القلبية، بل تجاوزتها إلى إنقاذ الأرواح، وإغاثة الملهوف، فقال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ﴾ [المائدة: ٣٢]، فجعل القرآن الكريم إنقاذ نفسٍ واحدة معادلًا لإحياء البشرية قاطبةً، وأيُّ تكريمٍ للعمل الإنساني أعظمُ من هذا؟
 
وأوضحت إن العمل الإنساني ليس شعارًا يرفع، ولا مناسبة عابرة تذكر؛ بل هو عبادة وقيمة حضارية تترجم إلى رحمة، وعطاء، ونصرةٍ للمحتاج، فليكن هذا اليوم دافعا إلى تجديد مسئولياتنا تجاه الإنسان، وبذل الخير لكل محتاج.
 
الصحة العالمية: وراء كل رقم إنسانا لم يعد لمنزله
 
منظمة الصحة العالمية أعلنت أن أكثر من 117 مليون شخص في مختلف أنحاء إقليم شرق المتوسط سيحتاج إلى المساعدة الإنسانية في عام 2026.
 
وبالمقابل يتعرض مَن يعملون على حماية سلامة المجتمعات المحلية للهجوم. 
 
ومنذ بداية هذا العام، سجَّلت منظمة الصحة العالمية 438 هجومًا على الرعاية الصحية في الإقليم، ما أسفر عن أكثر من 773 حالة وفاة و1123 إصابة. 
 
وشهد إقليم شرق المتوسط نحو 50% من مجموع الهجمات المسجَّلة على الرعاية الصحية عالميًا، وسُجِّل فيه أكثر من 80% من الوفيات الناجمة عنها.
 
ولكن علينا أن نتذكر أن وراء كلِّ رقمٍ إنسانًا: طبيبٌ لم يعُد إلى بيته، وممرِّضةٌ قُتلت وهي ترعى المرضى، ومسعفٌ هوجم وهو يلبِّي نداء استغاثة، وعامل في مجال الإغاثة آثر البقاءَ وخدمةَ مجتمعٍ محليٍّ لم يجد جهةً أخرى يلجأ إليها.
 
ولا يجوز أن يصبح الإخفاق في حماية مَن يقدّمون المساعدات المنقذة للأرواح أمرًا طبيعيًا.
 
وشددت المنظمة على إن المستشفيات ليست ساحات للحرب. وسيارات الإسعاف ليست أهدافًا، والعاملون الصحيون والعاملون في المجال الإنساني ليسوا مقاتلين. ولا ينبغي أن يُضطرَّ المدنيون الساعون إلى الرعاية إلى المخاطرة بأرواحهم للوصول إليها. ويجب أن يخضع من ينتهكون القانون الدولي الإنساني للمساءلة.. فالإفلات من العقاب لا يؤدي إلا إلى زيادة احتمال وقوع الهجوم التالي.
 

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

بيوم العمل الإنساني.. منقذوا الأرواح ليسوا أهدافا ويجب فرض عواقب للانتهاكات

في 19 أغسطس من كل عام، تقف الإنسانية وقفة إجلال وتكريم لكل يد امتدت لتسعف منكوبا، ولكل قلب خفق رحمة...

إله الخصوبة ومصدر الأساطير.. المصريون يحتفلون بيوم الوفاء والشكر للنهر الخالد 

تقديرًا لعطاء النهر الخالد شريان الحياة الذي قامت على ضفافه الحضارة المصرية أعرق وأقدم الحضارات في العالم.. يحتفل المصريون بعيد...

بقطع مميزة.. متاحف الآثار تحتفي بذكرى قناة السويس الجديدة وعيد وفاء النيل

في إطار دور متاحف الآثار كمنارات حضارية تساهم في حفظ التراث الإنساني والتعريف به، وتزامنًا مع ذكري افتتاح قناة السويس...

بحصاد استثنائي.. المهرجان القومي للمسرح المصري يختتم دورته الـ19

على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، وبحضور نخبة من الفنانين والمسرحيين والنقاد والمهتمين بالحركة المسرحية، أسدل المهرجان القومي للمسرح المصري...