بيومها العالمي.. تحديات جديدة للملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي

من أجل تسليط الضوء على ضرورة حماية حقوق المبدعين والمبتكرين في مختلف ميادين الحياة وتشجيعهم على إنتاج أفكار خارج الصندوق لحل المشكلات وتطوير المنتجات وتحسين الخدمات.. يحتفي العالم منذ عام 2000 في يوم 26 أبريل من كل عام باليوم العالمي للملكية الفكرية .

*يوم دخول اتفاقية إنشاء "الويبو" حيز التنفيذ

ويوافق هذا التاريخ يوم دخول اتفاقية إنشاء المنظمة العالمية للملكية الفكرية "الويبو" حيز التنفيذ في عام 1970 بهدف تعزيز الفهم العام للملكية الفكرية و زيادة الوعي بكيفية تأثير براءات الاختراع وحقوق التأليف والنشر والعلامات التجارية والتصاميم الصناعية على الحياة اليومية .


ويمثل اليوم العالمي للملكية الفكرية فرصة فريدة للانضمام إلى حملات في جميع أنحاء العالم للتوعية بكيفية مساعدة نظام الملكية الفكرية المتوازن على ازدهار وتمكين الابتكار التكنولوجي الذي يدفع التقدم البشري ويواجه التحديات.


*تعميم قوانين ولوائح حماية الملكية الفكرية


وتحث هذه الحملات العالمية السنوية الدول على نشر وتعميم قوانين ولوائح حماية الملكية الفكرية، وتعزيز الوعي القانوني العام للجمهور بحقوق الملكية الفكرية، وتشجيع الأنشطة الاختراعية والابتكارية في مختلف الدول وتعزيز التبادل الدولي في مجال الملكية الفكرية.


*تحديات عصرية معقدة


ويأتي الاحتفال هذا العام 2026 في ظل طفرة غير مسبوقة يشهدها العالم مع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يفرض تحديات جديدة ومعقدة على منظومة الملكية الفكرية.


وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الإبداع حكرا على البشر فقط، إذ أصبحت الخوارزميات قادرة على إنتاج نصوص أدبية، وأعمال فنية، وموسيقى، بل وحتى ابتكارات تقنية.. هذا التطور يطرح تساؤلات جوهرية: من يملك حقوق هذه الأعمال؟ هل هو المبرمج، أم المستخدم، أم النظام نفسه؟ وهي إشكاليات قانونية لم تُحسم بعد بشكل كامل على المستوى الدولي.


*من المخترع ؟


وتتمثل أبرز التحديات في صعوبة تحديد “المؤلف” أو “المخترع” في ظل تدخل الأنظمة الذكية، إلى جانب تزايد مخاطر انتهاك حقوق الملكية الفكرية من خلال استخدام بيانات محمية في تدريب هذه النماذج دون إذن مسبق.


كما يثير الذكاء الاصطناعي مخاوف تتعلق بتقليد الأعمال الأصلية وإعادة إنتاجها بشكل يصعب تتبعه أو إثباته قانونيا.


في المقابل، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا جديدة لدعم الابتكار، حيث يمكنه تسريع عمليات البحث والتطوير، ومساعدة المبدعين على إنتاج أعمال أكثر تنوعًا وجودة. وهو ما يدفع العديد من الدول والمنظمات إلى العمل على تحديث التشريعات بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق وتشجيع الابتكار.


وتؤكد المنظمة العالمية للملكية الفكرية في هذا السياق ضرورة تعزيز التعاون الدولي لوضع أطر قانونية مرنة تستوعب التحولات الرقمية المتسارعة، مع ضمان عدم إعاقة التطور التكنولوجي.

*نشأة الفكرة وتطورها

في أكتوبر1999، وافقت الجمعية العامة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية في دورتها السادسة والعشرين،على فكرة تحديد وإعلان يوم معين ليكون يوماً عالمياً للملكية الفكرية.


ثم زادت مشاركة الدول الأعضاء في المنظمة في اليوم العالمي للملكية الفكرية منذ انطلاقه عام 2000.

 

ففي عامه الأول، أبلغت 59 دولة من الدول الأعضاء عن إقامة فعاليات رسمية لليوم العالمي للملكية الفكرية.

وبعد 5 سنوات، عام 2005، أبلغت 110 دولة عن إقامة فعاليات رسمية لليوم العالمي للملكية الفكرية.

وفي عام 2022، جذبت الحملة مستخدمين من 189 دولة من الأعضاء.


وفي كل عام تُنظم مئات الفعاليات في جميع أنحاء العالم من قبل مكاتب الملكية الفكرية وشركات القانون والشركات الخاصة والطلاب وغيرهم للاحتفال بالمخترعين والمبدعين ولتعزيز فهم نظام الملكية الفكرية والحقوق المرتبطة بها (مثل حقوق التأليف والنشر والعلامات التجارية، وبراءات الاختراع وحقوق التصميم والأسرار التجارية وحقوق الأصناف النباتية).


إلا أن العديد من البلدان تقيم احتفالاتها باليوم العالمي للملكية الفكرية في تاريخ آخر. فمثلاً، تنظم بعض الدول مثل بيرو وسنغافورة أسبوعاً للاحتفال باليوم العالمي للملكية الفكرية، بينما تنظم بلدان أخرى مثل الجزائر فعاليات على مدار شهر كامل.

وعلى الرغم من أن المنظمة العالمية للملكية الفكرية تُحدد موضوعا (شعاراً) وتنتج مجموعة من المواد الترويجية حول هذا الموضوع كل عام، فإنه يمكن لكل دولة أن تطوّر حملة وطنية خاصة بها بما يتماشى مع احتياجاتها المحلية.


*الملكية الفكرية والابتكار بعالم الرياضة


و كل عام، تطلق المنظمة حملة دوليةحول موضوع الساعة، وفي هذا العام 2026، تسلط المنظمة الضوء على الملكية الفكرية والرياضة، وتبرز كيف تدفع الملكية الفكرية عجلة الإبداع والابتكار في عالم الرياضة.
ومن المعدات المتطورة والتقنيات المذهلة إلى العلامات التجارية والتصاميم الملهمة، تعمل حقوق الملكية الفكرية على تعزيز ثقافة رياضية ديناميكية تلهم الناس وتربطهم ببعضهم البعض في كل مكان.


كما بحتفي العالم في هذا اليوم العالمي للملكية الفكرية بالمبدعين والمخترعين ورواد الأعمال الذين يبنون بشغفهم وأفكارهم مستقبل الرياضة.


ومن أبرز المواضيع االسابقة لاحتفاليات اليوم العالمي للملكية الفكرية خلال السنوات الأخيرة :


2025 - الملكية الفكرية والموسيقى: استشعار إيقاع الملكية الفكرية حيث سلطت حملة العام الماضي الضوء على كيفية مساهمة الإبداع والابتكار، مدعومين بحقوق الملكية الفكرية، في الحفاظ على مشهد موسيقي مزدهر يعود بالنفع على الجميع في كل مكان ودعت لاستكشاف كيف تعمل حقوق الملكية الفكرية وسياسات الابتكار على تمكين المبدعين والمبتكرين ورواد الأعمال من تقديم أفكار جديدة إلى صناعة الموسيقى، وحماية أعمال مؤلفي الأغاني والملحنين والفنانين وجميع الأشخاص الذين يرسمون معالم الموسيقى التي تحركنا.


2024 – الملكية الفكرية وأهداف التنمية المستدامة: بناء مستقبلنا المشترك بالابتكار والإبداع.


2023 – المرأة والملكية الفكرية: تسريع الابتكار والإبداع.


وفي هذا الاحتفال باليوم العالمي للملكية الفكرية جمعت المنظمة العالمية للملكية الفكرية بالتعاون مع اليونسكو ومكتب الملكية الفكرية الكوري (KIPO) خبيرات في مجال العلوم، بما في ذلك الحائزات على جوائز من برنامج "لوريال - اليونسكو للمرأة في العلوم" لمناقشة الاستراتيجيات التي يمكن للنساء اعتمادها واستخدامها لخلق قيمة من أبحاثهن، والطرق العملية لتشجيع النساء والفتيات الصغيرات على دخول مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، وكيف ساعدتهن الملكية الفكرية في تنفيذ أبحاثهن لتحقيق منافع في الحياة الواقعية.


2022 – الملكية الفكرية والشباب: الابتكار من أجل مستقبل أفضل حيث تضمن اليوم العالمي للملكية الفكرية نقاشا حول "الابتكار من أجل صحة أفضل: دعم المبتكرين الشباب من خلال الملكية الفكرية"، والذي نُظم بالتعاون مع الاتحاد الدولي للمصنعين والجمعيات الصيدلانية IFPMA بدعمٍ من منتدى جنيف للصحة و "سبيك أب أفريكا".


2021 – الملكية الفكرية والشركات الصغيرة والمتوسطة: نقل أفكارك إلى السوق وهدف إلى رسم صورة عالمية للمؤسسات الداعمة للشركات الصغيرة .


2020 - لنبتكر من أجل مستقبل أخضر
كما يعتبر اليوم العالمي للملكية الفكرية فرصة لكبار صانعي السياسات للتعبير عن دعمهم لهذا اليوم وتسليط الضوء على أهمية الملكية الفكرية في التنمية الاقتصادية الإقليمية والوطنية.

* انتقادات بالدعاية الأحادية
انتقد عدد من النشطاء والباحثين هذا الحدث باعتباره دعاية أحادية الجانب لصالح حقوق المؤلف التقليدية، متجاهلين البدائل المتعلقة بالحقوق المتروكة وحركة الثقافة الحرة.. وكتب مايك ماسنيك من تيكديرت أن اليوم العالمي للملكية الفكرية يهدف إلى "الترويج لمزيد من الحمائية والنزعة التجارية لصالح أصحاب حقوق التأليف وأصحاب براءات الاختراع، مع تجاهل أي تأثير على الجمهور من هذه الأمور.


وذكر زاك روجوف من منظمة Defective by Design إنه "حدث عالمي ولكنه بالتأكيد ليس حدثاً شعبياً".
كما انتقد هذا اليوم العالمي نشطاء من منظمات المجتمع المدني مثل منظمة "عدالة الملكية الفكرية" ومنظمة "المعلومات الإلكترونية للمكتبات" الذين يعتبرونه دعاية ذات جانب واحد نظرا لأن المواد التسويقية المرتبطة بالحدث، التي وفرتها ويبو، "لا تمثل وجهات النظر والآراء والأحداث الأخرى". ولاحظ مايكل جيست، أستاذ القانون في جامعة أوتاوا، أن "اليوم العالمي للملكية الفكرية أصبح مجرد يوم للضغط".


*معايير الملكية الفكرية


و رغم الانتقادات .. فنظام الملكية الفكرية له قواعده. بمعنى أنه لا يمكن لمصنف أن يكون مؤهلاً للحماية بموجب الملكية الفكرية إلا إذا استوفى بعض المعايير المنصوص عليها.. فعلى سبيل المثال، لا تكون أغنية ما أو لا يكون فيلم ما منتجا مؤهلا للحماية بموجب حق المؤلف إلا إذا كان أصلياً. وبالمثل، يجب أن تحدث التكنولوجيا طفرة (أي تكون جديدة وغير بديهية ومفيدة) لتكون مؤهلة للحماية بموجب براءة. وفضلاً عن ذلك، يلزم للمخترعين، كي يحصلوا على براءة، أن يقدموا للجمهور تفاصيل براءاتهم حتى يتسنى للغير الاستناد إلى تلك التكنولوجيا.


وقد تبين أن نظام الملكية الفكرية الفعال الذي يكفل التوازن بين مصالح المخترعين والمبدعين ومصالح المجتمع يعد وسيلة ناجعة لتشجيع المخترعين والمبدعين على تكريس وقتهم وطاقتهم وبراعتهم في استنباط تكنولوجيات جديدة وأشكال جديدة من التعبير الإبداعي وهي أمور تسهم في تحسين حياتنا وإثرائها.


ويظل اليوم العالمي للملكية الفكرية فرصة لإعادة التفكير في مستقبل الإبداع الإنساني في ظل الذكاء الاصطناعي، وضرورة بناء منظومة عادلة تحمي الحقوق وتواكب العصر، دون أن تعرقل عملية الابتكار المستدامة.

 

د.هند بدارى

د.هند بدارى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

بيومها العالمي.. تحديات جديدة للملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي

من أجل تسليط الضوء على ضرورة حماية حقوق المبدعين والمبتكرين في مختلف ميادين الحياة وتشجيعهم على إنتاج أفكار خارج الصندوق...

اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف.. الرباط عاصمة الكتاب العالمية 2026

تقديراً لقوة الكتب كجسر بين الأجيال والثقافات.. تحتفل اليونسكو باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف .. فالكتب هي بمثابة نافذة على...

"الإدارة الذكية" للتوقيت الصيفي.. فرصة ذهبية لتعزيز المناعة والصحة

مع بدء العمل بالتوقيت الصيفي، تبرز أهمية التكيف السريع مع المتغيرات الزمنية لضمان كفاءة الساعة البيولوجية.

في يومها العالمي.. نداء عاجل بالقضاء على الملاريا ومصر خالية من المرض للعام ال

لأول مرة، ومع تقدم العلوم بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، أصبح القضاء على الملاريا في عصرنا هذا قابلا للتحقيق...