رمضان .. هل هلاله

رحلة طويلة ومثيرة مر بها استطلاع هلال شهر رمضان الفضيل .. بدأت بالعين المجردة ثم استخدام التليسكوب الفلكي وأخيرا تمت إضافة الحسابات الفلكية والعلمية.

ظلت رؤية الهلال في الشهور العربية تتمتع بأهمية كبيرة وينتظرها المسلمون حول العالم وبصفة خاصة رؤية هلال رمضان وذوالحجة لارتباطها بتحديد بداية الصيام كما في رمضان أو مواعيد الحج والوقوف بعرفات كما في ذي الحجة.

الشهر العربي أو القمري يبلغ 30 يوما أو 29، ويرجع ذلك لأن دورة القمر حول الأرض تبلغ 27.321 يوما .. وهو على عكس الشهر الميلادي الذي يتراوح بين 30 يوما و31، عدا فبراير الذي يبلغ 28 أو 29، وهذا سبب تغير موعد شهر رمضان من سنة ميلادية لأخرى.

- مراحل تطور رؤية الهلال

قديما كان الاعتماد في رؤية الهلال على العين البشرية المجردة حيث يتم التوجه إلى مكان مرتفع، والنظر في السماء بحثا عن بشائر الهلال الجديد وإعلان بدء الصيام وتعم الفرحة لاستقبال الشهر الفضيل.

واتجهت بعض الدول العربية لدعوة مواطنيها إلى تحري الهلال ومن يراه يشهد بذلك في المحكمة الشرعية لاعتماد ثبوت الرؤية.

بعد ذلك توافرت للإنسان القديم معلومات بسيطة عن الشمس والقمر والنجوم والكواكب وظواهر كونية أخرى وحينها أدرك أن العين وحدها غير كافية لقراءة السماء فاستعان بما صنع من أدوات بسيطة وما تعلم من حسابات ليحصل على معلومات وملاحظات فلكية أكثر وأفضل.

وفي الجزيرة العربية، كان العرب قبل الإسلام على معرفة فطرية بالسماء والكواكب والنجوم والظواهر الكونية وكانوا يعتمدون القمر في حساباتهم فإذا اختفى القمر في آخر الشهر ولم يظهر خرجوا لمراقبة الهلال وتثبيت بداية الشهر.

ووجدوا في حسابات المواقيت والأزمنة أن القمر ينتقل من هلال إلى نصف بدر إلى بدر إلى نصف بدر إلى هلال إلى اختفاء إلى ظهور جديد ليبدأ شهر جديد وهكذا.

وبعد ظهور الإسلام زادت أهمية رؤية وتحري أهلة الشهور القمرية أو العربية لارتباطها ببداية شهر الصيام حيث قال الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته .. وأفطروا لرؤيته" أي رؤية الهلال.

وفي القرن الثالث الهجري ومع تطور علم الفلك وظهور العلماء المسلمين الذين احتكوا بالأمم الأخرى فترجموا كتب الحكمة والطب والفلك والرياضيات وغيرها وتكونت ثروة علمية تفاعلت مع المادة الإسلامية الجديدة، وما ورثوه من العصر الجاهلي ليتحول إلى علم إسلامي متطور حل محل العلم القديم.

وتوالت الاكتشافات العلمية وبدأ علم الفلك الحديث خطواته الكبيرة، وتوالى ظهور النظريات والاكتشافات العلمية والأجهزة الفلكية المتنوعة، وعلى رأسها التلسكوب الذي فتح باب السماء على مصراعيه لتحري رؤية الأهلة بطريقة أكثر دقة.

- "دكة القضاة" وهلال رمضان في مصر

كانت الاحتفالات فى مصر برؤية هلال رمضان تبدأ يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وكان يحضرها على مدى التاريخ الإسلامى فى مصر كبار رجال الدولة فى العاصمة والمدن الكبرى.

فى عام 155هـ خرج أول قاض لرؤية هلال رمضان، وهو القاضى أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذى ولي قضاء مصر وتبعه بعد ذلك القضاة لرؤيته، حيث كانت تعد لهم "دكة" على سفح جبل المقطم عرفت بـ"دكة القضاة"، يخرج إليها لاستطلاع الأهلة.

وفي العصر الفاطمي بنى الوالي بدر الجمالى مسجدا له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصدا لرؤية هلال رمضان.

وسن الفاطميون أيضا ما يعرف بموكب أول رمضان أو "موكب رؤية الهلال"، فكان قاضي القضاة يخرج لرؤية الهلال ومعه القضاة الأربعة كشهود ومعهم الشموع والفوانيس، ويشترك معهم المحتسب وكبار تجار القاهرة ورؤساء الطوائف والصناعات والحرف.

وفي هذا العصر تم نقل مكان الرؤية إلى منارة مدرسة المنصور قلاوون لوقوعها أمام المحكمة الصالحية فإذا تحققوا من رؤيته أضيئت الأنوار على الدكاكين والمساجد والمآذن ثم يخرج قاضي القضاة في موكب تحيط به الجموع حاملة المشاعل والفوانيس والشموع حتى يصل إلى داره، ثم تتفرق الطوائف إلى أحيائها معلنة الصيام.

عاد موضع استطلاع الهلال مرة أخرى إلى سفح المقطم في العصر العثماني فكان يجتمع القضاة الأربعة وبعض الفقهاء والمحتسب بالمدرسة المنصورية في "بين القصرين" ثم يركبون جميعا يتبعهم أرباب الحرف وبعض دراويش الصوفية إلى موضع مرتفع بجبل المقطم حيث يترقبون الهلال، فإذا ثبتت رؤيته عادوا وبين أيديهم المشاعل والقناديل إلى المدرسة المنصورية، ويعلن المحتسب ثبوت رؤية هلال رمضان .. واستمر الأمر على ذلك حتى أمر الخديو عباس حلمي الثاني بنقل مكان إثبات رؤية الهلال إلى المحكمة الشرعية بباب الخلق.

وظلت مهمة استطلاع الأهلة وإعلان الصيام تسند إلى القضاة، إلى أن تم إنشاء دار الإفتاء المصرية في أواخر القرن التاسع عشر، وأسندت إليها مهمة استطلاع هلال رمضان والاحتفال به حتى وقتنا الحالي.

- الهلال بين الرؤية والحسابات الفلكية

مع تطور علم الفلك وحساباته والأجهزة والتقنيات الحديثة بدأ الخلاف بين المطالبين باتباع قواعد العلم والتوقف عن رحلة استطلاع الهلال بالعين المجردة أو "التلسكوب" وفريق آخر يصر على الرؤية الشرعية، سواء تقدم العلم أو تأخر وفريق ثالث رأى الجمع بين الإثنين.

دار الإفتاء المصرية أوضحت أن الحساب الفلكي هو حساب سير القمر في منازله لإثبات وقت اجتماعه بالشمس ومفارقته إياها ووقت إمكانية الرؤية واستحالتها، والبعد بين كل من الشمس والقمر ووقت بقاء الهلال في الأفق ونحو ذلك مما يعرف من خلاله بداية الشهر القمري ويكون ذلك باستخدام عدة معادلات لحساب زمن غروب الشمس، وزمن غروب القمر في التاسع والعشرين من كل شهر عربي.

أما الرؤية البصرية للهلال فهي الوسيلة التي قررها الشارع لإثبات دخول الشهر، وما يرتبط به من أحكام فالفرق بينهما أن الأول يعتمد على المعادلات الرياضية، والثاني يعتمد على الحس البصري، والحساب الرياضي لا يتنافى مع الرؤية الشرعية فإن الحساب الرياضي ينفي إمكانية الرؤية لأنه قطعي، ولكنه لا يثبت دخول الشهر الشرعي، فإن دخوله إنما يكون بالرؤية الشرعية، فالحساب الفلكي بذلك أداة للتثبت من صحة الرؤية الشرعية.

- منهج دار الإفتاء المصرية في رؤية الهلال

قالت دار الإفتاء إن الرؤية تكون لجميع الشهور ولا تقتصر على الشهور التي تتعلق بها العبادات الشرعية الإسلامية وهي شهر رمضان وشوال وذي الحجة وحتى تنضبط رؤية هلال رمضان وهلال ذي القعدة، وذلك من أجل الوصول إلى أصوب تحديد لأوائل الشهور الثلاثة ذات الأهمية في عبادة المسلمين.

وأضافت دار الافتاء أن الرؤية تكون عن طريق اللجان الشرعية العلمية التي تضم شرعيين وتضم مختصين بالفلك وعددها سبع لجان منتشرة في أنحاء جمهورية مصر العربية في طولها وعرضها، في أماكن مختارة من هيئة المساحة المصرية ومن معهد الأرصاد بخبرائه وعلمائه، فيها شروط الجفاف وشروط عدم وجود الأتربة والمعوقات لرصد الهلال.

وقالت دار الافتاء إن هناك رؤية بصرية نعتمدها مع الحساب الفلكي الدقيق، والحساب الفلكي يحدد لنا أمرين، الأول هو مكان نزول القمر، وبمعنى أدق الإحداثيات التي ينزل فيها القمر في هذا الشهر، والأمر الثاني: هو كيفية غروب القمر.

وذكرت دار الافتاء كيفية نزول القمر والتي تتمثل في الحالات التالية:

* الحالة الأولى: أن يغرب قبل غروب الشمس.
* الحالة الثانية: أن يغرب مع غروب الشمس.
* الحالة الثالثة: أن يغرب بعد غروب الشمس وقبل الاجتماع بالشمس في كبد السماء، وفي هذه الأحوال لا يمكن اعتماد الشهر لأن الشهر لم يولد شرعا.

- عدد ساعات الصيام

يختلف عدد ساعات الصوم من بلد لآخر حيث أن هذا الأمر مرتبط بطول النهار، والذي يعتمد بدوره على خطوط العرض فكلما كانت الدولة أقرب إلى القطب الشمالي، كانت ساعات الصيام فيها أطول في هذا الوقت من العام، وكلما ابتعدت عن خط الاستواء باتجاه الجنوب كان النهار أقصر.

ومن المتوقع أن يكون عدد ساعات الصيام أكثر بقليل من 13 ساعة في أول أيام شهر رمضان المبارك بمنطقتنا العربية، بما في ذلك مصر والسعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان والأردن وسوريا ولبنان وفلسطين، وكذلك تركيا وإيران، بزيادة أو نقص بضع دقائق بين الدول وبعضها.

وبالنسبة للدول العربية، فستسجل موروني في جزر القمر أقصر ساعات الصيام بـ 13 ساعة و4 دقائق، بينما تسجل الرباط في المغرب أطول نهار بواقع 14 ساعة و23 دقيقة.

وفي هذا الشأن، فإن فترة الصيام في شهر رمضان هذا العام ستكون الأقصر منذ سنوات، حيث سيتقلص طول النهار خلال فصل الشتاء، ما يؤدي إلى انخفاض فترة الصيام.

وتتراوح مدة الصيام في بداية الشهر الفضيل بين 13 و14 ساعة، حيث يتساوى طول الليل مع النهار في 15 و16 مارس وبالطبع تزداد ساعات الصيام تدريجيا ليشهد اليوم الأخير من الشهر الفضيل أطول ساعات الصيام.

Katen Doe

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

رمضان

المزيد من تقارير منوعة

"فقاعة الذكاء الاصطناعي".. السيناريوهات المحتملة للتوسع التكنولوجي

طفرة غير مسبوقة يشهدها العالم في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مما أدى إلى ارتفاع التوقعات بحدوث...

المتحف الكبير محايد كربونيا وويل سميث في الأهرامات.. أهم حصاد "الآثار" بأسبوع

اعلان المتحف المصري الكبير منشأة محايدة كربونيا وزيارة ويل سميث الأهرامات خلال إجازته في مصر.. كانت أهم حصاد وزارة السياحة...

معرض الكتاب.. نجيب محفوظ محور الدورة الـ57 ومشاركة 1457 دار نشر

"من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونا".. كلمات الأديب الكبير نجيب محفوظ ، وشعار معرض الكتاب 2026 في دورته السابعة...

المهرجان العربي للمسرح.. تكريم 17 مبدعا وتنافس 16 عرضا

في تظاهرة ثقافية عربية كبرى تحتضنها القاهرة للمرة الثالثة.. وتحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية.. وبالتزامن مع اليوم...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص