قمة "بريكس" بالهند.. أزمات الغذاء والطاقة أبرز الملفات وسط توترات دولية

وسط اضطرابات جيوسياسية عالمية وعلى وقع الصراع في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا.. تستضيف الهند القمة الثامنة عشرة لتجمع "بريكس" في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026.

القمة، التي تستمر يومين وتنطلق السبت في نيودلهي، تجمع قادة بعض أكبر الاقتصادات الناشئة في العالم، في وقت تمنح فيه التوترات الجيوسياسية زخماً جديداً للجهود الرامية إلى تعزيز التجارة بالعملات المحلية، وتسهيل التبادل التجاري بين دول التكتل، وتعميق التعاون الاقتصادي داخله.

ويترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفد مصر في أعمال القمة، كما سيشارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج في القمة، في أول زيارة له إلى الهند منذ 7 سنوات..

كما يشارك في القمة أيضاً الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ورئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، ورئيس إندونيسيا برابوو سوبيانتو، إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش.

و"بريكس"، هي الأحرف الأولى لأسماء الدول المؤسسة لها وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، قبل أن تتوسع في عام 2024 لتشمل مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات والسعودية. وانضمت إندونيسيا إلى المجموعة العام الماضي.

ويضم التكتل حالياً 11 دولة تمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي للعالم ونحو نصف سكانه.

ومن المقرر أن تتصدر موضوعات تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والربط والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب الصحة والزراعة والغذاء والطاقة والحد من مخاطر الكوارث وسلاسل الإمداد، جدول أعمال القمة.

شعار القمة

تحت شعار "بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة".. تنعقد قمة البريكس في الهند لتحقيق:

- التعاون بهدف تعميق المشاركة متعددة الأطراف بين أعضاء "البريكس" من خلال تعزيز تنسيق السياسات، وتمويل التنمية، وتيسير التجارة، وإصلاحات الحوكمة المؤسسية العالمية.

- الابتكار: توظيف تقنيات جديدة ومبتكرة - مثل الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية العامة، والتكنولوجيا المالية - وتبادل المعرفة لتمكين تقديم الخدمات وتحقيق نمو يواكب متطلبات المستقبل؛

- تعزيز المرونة الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية للتعامل مع حالات عدم اليقين العالمية، واضطرابات سلاسل التوريد، والتحديات الصحية، ومخاطر التغير المناخي.

- الاستدامة من خلال تسريع الجهود الجماعية نحو العمل المناخي، والتمويل الأخضر، وتحولات الطاقة، والتنمية المستدامة بما يتماشى مع الأولويات الوطنية والعالمية.

للعام الثالث على التوالي .. مصر تشارك

الرئيس عبد الفتاح السيسي، يترأس وفد مصر في أعمال القمة، للعام الثالث على التوالي.

تعود مشاركة مصر في القمة منذ انضمامها إلى عضوية التجمع في يناير 2024، حيث من المقرر أن يلقي الرئيس كلمة مصر خلال الجلسة المغلقة لقادة دول البريكس يوم 12 سبتمبر، وكذلك في الجلسة الموسعة بمشاركة الدول الأعضاء والشركاء يوم 13 سبتمبر.

كما سيعقد الرئيس لقاءات ثنائية مع عدد من زعماء دول البريكس وكبار مسئولي المنظمات الدولية على هامش أعمال القمة.

مصر عضوًا فاعلًا في قمة نيودلهي

في حدث يُعدّ الأبرز منذ توسيع العضوية لتشمل دولًا عربية وإفريقية وآسيوية جديدة، أصبحت مصر شريكًا استراتيجيًا في واحدة من أهم التكتلات الاقتصادية العالمية الناشئة.

وتأتي المشاركة المصرية في إطار توجهات الدولة المصرية نحو تعزيز حضورها الفاعل والإيجابي في تجمع البريكس، وتوسيع آفاق التعاون مع الدول الأعضاء، بما يرسخ مكانة القاهرة كعضو رسمي فاعل في هذا التكتل العملاق الذي يمثل قرابة 40% من اقتصاد العالم.

وتستهدف الدولة المصرية من خلال القمة إلى دفع مجالات التعاون المشترك عبر محاور رئيسية تشمل:

- المحور الاقتصادي: زيادة معدلات التجارة والاستثمار البيني والتوسع في التبادل التجاري بالعملات المحلية.

- المحور الرقمي والمستقبلي: ربط أنظمة الدفع الإلكترونية والتعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار.

- محور التنمية المستدامة: تعزيز مشروعات العمل المناخي والتحول الأخضر العادل لدول الجنوب العالمي.

مشاركة روسيا

تعد هذه أول مشاركة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين حضورياً في قمة "بريكس" خارج روسيا، منذ اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير 2022.

ومن المتوقع أن يعقد بوتين مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي محادثات ثنائية، في وقت تسعى فيه روسيا إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الهند، التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على قطاع الطاقة.

وقد برزت روسيا كواحدة من أكبر موردي النفط للهند منذ غزو أوكرانيا، ما دفع حجم التجارة بين البلدين إلى مستويات قياسية.

ومن المقرر أن يلتقي مودي أيضاً قادة الدول الـ21 المشاركة، إلى جانب ممثلين عن الأمم المتحدة وخمس تكتلات إقليمية هي مجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الإفريقي، ورابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، ومبادرة خليج البنغال للتعاون الاقتصادي والفني "بيمستيك"، ومجموعة دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

أهم الملفات على طاولة القمة

من المتوقع أن تركز قمة "بريكس" على تعزيز الأمن الغذائي وأمن الطاقة، وتطوير الأنظمة الصحية، والاستعداد للكوارث، وتأمين سلاسل الإمداد الحيوية، في وقت تسعى فيه الهند، الدولة المضيفة، إلى تقديم التكتل باعتباره مصدراً للاستقرار في عالم يزداد انقساماً.

وتنعقد القمة بينما يواجه الاقتصاد العالمي تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا، والأزمة في الشرق الأوسط، والمواجهات في مضيق هرمز، إلى جانب الرسوم الجمركية والسياسات التجارية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وقالت الهند، التي تتولى رئاسة المجموعة في الدورة الحالية، إن القمة ستركز على تعميق التعاون والتنسيق في السياسات بين الأعضاء، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع حالة عدم اليقين العالمي، واضطرابات سلاسل الإمداد، والمخاطر المناخية، ومجموعة من التحديات الأخرى.

ومن المتوقع أن تحظى حالة عدم اليقين الاقتصادي باهتمام كبير خلال المناقشات، في ظل تأثير الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا على التجارة العالمية، وإسهامها في ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والمواد الغذائية.

كما يمثل تطور الذكاء الاصطناعي واحتمال تسببه في خسائر واسعة للوظائف قضية أخرى شائكة.

وتتصدر الولايات المتحدة والصين جهود تطوير التكنولوجيا والبنية التحتية الداعمة للذكاء الاصطناعي، بينما تواجه العديد من الاقتصادات النامية خطر اتساع الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة.

ومن المتوقع أيضاً أن تكون أزمة المناخ المتفاقمة محوراً رئيسياً للنقاش، مع تزايد وتيرة الظواهر الجوية القاسية وارتفاع أضرارها، في حين تكون الدول النامية، التي تعد أكثر عرضة لهذه التداعيات، أقل امتلاكاً للموارد اللازمة للتكيف معها والتعافي منها.

اليوم الأول للقمة

تبدأ أعمال القمة يوم السبت، 12 سبتمبر، بعقد اجتماع مغلق للدول الأعضاء في "بريكس" في الساعة 12 ظهر السبت بتوقيت القاهرة، تحت عنوان "الحوكمة العالمية الشاملة وتعزيز العمل متعدد الأطراف". وعقب ذلك، سيزور القادة معرض "بهارات للابتكار" فى الثانية ظهراً، تلي ذلك مراسم التقاط الصورة الجماعية الرسمية وحفل مشترك لغرس الأشجار في الساعة الثانية ونصف بعد الظهيرة. وفي الختام، سيقيم رئيس الوزراء ناريندرا مودي مأدبة عشاء احتفالية للقادة المشاركين في الساعة 5 مساءً.

اليوم الثاني للقمة

وفى اليوم الثاني للقمة، الأحد، تنعقد جلسة رئيسية تحت عنواون " المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة: تشكيل مستقبل النمو العالمي الشامل". وتختتم القمة بإعلان نيودلهي.

تداعيات سلبية

جلسات قمة “بريكس” تنعقد في ظل ظروف يواجه فيها الاقتصاد العالمي تداعيات سلبية ناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة غرب آسيا- ولا سيما إغلاق مضيق هرمز- وسياسات التجارة والرسوم الجمركية التي تتبعها واشنطن.

و يسعى التحالف الذي يضم تكتلا اقتصاديا قويا إلى إعادة رسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي، وتواصل مجموعة بريكس تعزيز حضورها وثقلها على الساحة الدولية، مستفيدة من اتساع عضويتها وتنوع اقتصاداتها وثقلها في التجارة والطاقة والأسواق العالمية.

ومع انعقاد قمتها في الهند، تتجه الأنظار إلى تكتل يهدف إلى توسيع نطاق التعاون بين دول الجنوب العالمي، وتعزيز دوره في صياغة قواعد الاقتصاد العالمي في مرحلة تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتغير موازين التجارة والاستثمار.

وينتظر المراقبون صدور البيان المشترك للقمة ليعبر عن مدى قدرة المنتدى على توحيد المواقف بشأن السياسات التي تضر بالاقتصادات، مثل العقوبات الغربية.

بريكس.. من فكرة إلى واقع

مجموعة "بريكس" (BRICS) هي واحدة من أبرز التكتلات الاقتصادية والسياسية في العالم المعاصر، حيث تمثل دولها نحو 40% من الناتج الإجمالي العالمي ونصف سكان الكوكب.

وتأسست "البريكس" لمنح الاقتصادات الناشئة صوتاً جماعياً أقوى في الشؤون العالمية؛ إذ سعى الأعضاء إلى تحقيق تمثيل أكبر للدول النامية في المؤسسات الدولية الكبرى وتعزيز التعاون في مجالات مثل التمويل والتجارة والتنمية.

ومع مرور الوقت، توسعت أجندة المجموعة لتشمل قضايا الطاقة، والتغير المناخي، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، والمدفوعات الرقمية، والتنمية المستدامة.

المحطات التاريخية للتكتل

(الفكرة والنشأة)2001 : بدأت كاختصار لـ (BRIC) يشير إلى أربع اقتصادات ناشئة كبرى (البرازيل، روسيا، الهند، الصين) في تقرير لبنك جولدمان ساكس.

(الخطوة الرسمية الأولى) 2006: تحولت إلى منصة تشاورية بعد أول اجتماع لوزراء الخارجية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

(القمة الأولى) 2009: عُقدت أول قمة رسمية للقادة في مدينة يكاترينبورغ الروسية.

(الانضمام الأفريقي) 2011: انضمت جنوب إفريقيا رسمياً ليتغير الاسم إلى "بريكس" (BRICS).

(مراحل التوسع والانضمام) 2024: شهد التكتل أكبر توسع في تاريخه بانضمام (مصر، الإمارات، إثيوبيا، إيران، والسعودية)

(انضمام إندونيسيا) 2025: انضمت إندونيسيا رسمياً ليرتفع عدد الأعضاء إلى 11 دولة.

آليات العمل والإدارة

الهدف الأساسي: التركيز على التنسيق السياسي بشأن قضايا الحوكمة العالمية، وإصلاح النظام المالي الدولي، وتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك "جنوب-جنوب".

مجلس وزراء الخارجية: يمثل الآلية السياسية والتنسيقية العليا للتكتل، ويتولى صياغة المواقف المشتركة تجاه القضايا الدولية، والتمهيد لقمم القادة عبر إعداد جداول الأعمال والاتفاقيات الإستراتيجية.

الرئاسة الدورية: تتناوب الدول الأعضاء على رئاسة المجموعة سنوياً، وتتولى جمهورية الهند رئاسة المجموعة والدورة الحالية لعام 2026.3

الثقل الإستراتيجي الإقليمي: يكتسب التكتل قوة استراتيجية ونفوذاً متزايداً في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بانضمام جمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة كأعضاء رسميين دائمين، ليشكلا مع بقية الأعضاء الجدد والمؤسسين قطباً اقتصادياً جديداً يعيد توازن القوى العالمية.

وتكمن أهمية "البريكس" في ثقلها الاقتصادي والسكانى المتنامي؛ فتوسع المجموعة يعني أنها باتت تمثل نسبة كبيرة من سكان العالم ومن النشاط الاقتصادي العالمي وهو ما يمنح التكتل نفوذاً أكبر عند مناقشة قضايا مثل: التجارة العالمية، والتمويل الدولي، وأمن الطاقة، والأمن الغذائي، والتغير المناخي، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والمدفوعات العابرة للحدود، وتمويل التنمية، وإصلاح المؤسسات المالية العالمية. وبالنسبة للاقتصادات الناشئة.

وانصبّ تركيز البريكس منذ تأسيسها على تعزيز الرغبة المشتركة في تحقيق النمو والتنمية، كما دعمت ايضا ً الدول النامية الأخرى في أقاليمها، وناقشت قضايا عالمية ملحة - مثل تغير المناخ، والديون، والصحة، والإرهاب، وغيرها - كما طوّرت استراتيجيات للدفع نحو عالم متعدد الأقطاب.

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير عرب وعالم

قمة "بريكس" بالهند.. أزمات الغذاء والطاقة أبرز الملفات وسط توترات دولية

وسط اضطرابات جيوسياسية عالمية وعلى وقع الصراع في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا.. تستضيف الهند القمة الثامنة عشرة لتجمع "بريكس"...

لأول مرة منذ عقدين.. إحالة إيران إلى مجلس الأمن بسبب ملفها النووي

لأول مرة منذ عشرين عاما.. وفي تصعيد للمواجهة الدبلوماسية بين إيران والغرب... صوّت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء،...

تعديل خريطة العالم.. أفريقيا تتسع وسط ترحيب دولي وانتقاد أمريكي حاد

في مبادرة قادتها توجو بدعم من الاتحاد الأفريقي وفرنسا.. ووسط ترحيب واسع وانتقاد أمريكي حاد.. اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة...

في ذكرى استقلالها.. دعم أوروبي جديد لأوكرانيا وروسيا تتوعد

بالتزامن مع ذكرى استقلال أوكرانيا.. ورغم تهديدات روسيا.. تعهد داعمو أوكرانيا الأوروبيون، في اجتماعهم الاثنين، مواصلة تقديم مساعداتهم العسكرية والمالية...


مقالات