وسط واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ التحالف الممتد منذ عام 1949، وفي ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، تستضيف العاصمة التركية (أنقرة) القمة السادسة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي "ناتو"، غدا الثلاثاء وعلى مدار يومين.
وتتصدر القمة ملفات جيوسياسية مهمة، أبرزها تطورات الحرب في أوكرانيا والتصعيد في الشرق الأوسط، إضافة إلى التحديات الأمنية الناجمة عن الفجوات في خطط الدفاع الأوروبية بعد تراجع المساهمات الأمريكية.. علاوة على التحديات العالمية فيما يتعلق بالأمن وحرية الملاحة وإمدادات الطاقة، وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية.
ومن المقرر أن تسلط القمة الضوء كذلك على الدور البارز الذي تلعبه تركيا على الصعيد الدبلوماسي، فضلا عن إسهاماتها العسكرية وتطور صناعاتها الدفاعية، وقدرتها على إدارة الأزمات.
المشاركون بالقمة
يشارك بالقمة قادة الدول الـ32 الأعضاء في الحلف إلى جانب قادة مدعوين، ونحو 100 وزير، وكبار الدبلوماسيين، وممثلي منظمات دولية، وآلاف الضيوف الأجانب.
ومن المتوقع أن ينضم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الكوري الجنوبي لي جيه-ميونج، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إلى مأدبة عشاء مع قادة حلف شمال الأطلسي، مساء الثلاثاء.
كما تشمل المشاركة الدولية في القمة شركاء من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهم أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، ما يعكس توجهاً لربط أجندة الأمن الأوروبي الأطلسي بالتحديات الأمنية في آسيا والمحيط الهادئ.
وإعلامياً، يشارك نحو 3 آلاف صحفي ومراسل ومصور وممثل لوسائل إعلام رقمية ودولية في تغطية القمة، في مؤشر على حجم الاهتمام الدولي بالحدث ومخرجاته السياسية والأمنية.
بنود تنتظر موافقة قادة الناتو
من المقرر أن يؤكد قادة الحلف ومنهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على "التزام راسخ" بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من ميثاق الحلف، .
و من المنتظر أيضا أن تتعهد الدول الأعضاء بتقديم 70 مليار يورو (80 مليار دولار) كمساعدات عسكرية لأوكرانيا لعام 2026 و"مستويات دعم مماثلة على الأقل" في عام 2027.
ولا يزال من الضروري أن تنال هذه البنود الموافقة النهائية من القادة في القمة.
مستقبل الحلف خلال العقد المقبل
قمة أنقرة تمثل محطة مهمة لمناقشة مستقبل الردع الجماعي، وتوازن الأعباء العسكرية، وآفاق التعاون الدفاعي بين واشنطن والعواصم الأوروبية.
وتختلف قمة أنقرة عن القمم السابقة لأنها لم تعد تناقش فقط كيفية دعم أوكرانيا، بل تبحث مستقبل الناتو نفسه خلال العقد المقبل.. فالحلف انتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة بناء قدراته العسكرية والصناعية لمواجهة بيئة أمنية أكثر تعقيدًا.
ملفات على طاولة القمة
من المتوقع أن تركز القمة على ثلاثة ملفات رئيسية:
تعزيز الردع الجماعي في مواجهة روسيا، مع اعتبار التهديد الروسي تحديًا طويل الأمد حتى في حال انتهاء الحرب في أوكرانيا.
رفع الجاهزية العسكرية من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع إنتاج الذخائر والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي.
تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية للحلف، بحيث لا يقتصر الردع على حجم القوات، بل يشمل القدرة على الإنتاج السريع والمستدام للأسلحة والذخائر.
وعلى هامش القمة، يعقد منتدى الصناعات الدفاعية التابع للناتو في أنقرة، باعتباره إحدى أبرز الفعاليات المصاحبة، في وقت تسعى فيه تركيا إلى إبراز قدراتها العسكرية والصناعية ودورها المتنامي داخل بنية الحلف الدفاعية.
كما تشهد القمة اجتماعاً على مستوى وزراء الخارجية مع شركاء مبادرة إسطنبول للتعاون، التي تضم البحرين والكويت وقطر والإمارات، وهي المبادرة التي أُطلقت خلال قمة الناتو في إسطنبول عام 2004.
وتسبق القمة وترافقها عدة فعاليات سياسية وفكرية، من بينها قمة الناتو البرلمانية في قصر دولمة بهجة بإسطنبول، وورش عمل وحوارات سياسية في أنقرة، وفعاليات بحثية وأمنية تجمع مسؤولين وخبراء من جانبي الأطلسي.
استعدادات مكثفة في تركيا لاستضافة القمة
تكثف السلطات التركية استعداداتها لاستضافة قمة (الناتو) ، في أول قمة للناتو تعقدها تركيا منذ 22 عاماً، وسط ترتيبات دبلوماسية وأمنية وإعلامية واسعة لاستقبال قادة الدول الأعضاء والوفود المشاركة.
وتأتي القمة بعد آخر استضافة تركية لاجتماع مماثل في إسطنبول عام 2004، والذي يُعد من المحطات البارزة في مسار تحول الحلف بعد الحرب الباردة؛
وعلى المستوى الأمني، فمن المقرر نشر 56,288 عنصر أمن لتأمين القمة، بينهم 48,841 من الشرطة و7,447 من قوات الدرك، إلى جانب 639 عنصراً سيتولون مهام المراقبة السيبرانية على مدار الساعة لمواجهة الجرائم الإلكترونية والتهديدات الرقمية المحتملة.
وتعكس هذه الاستعدادات رغبة تركيا في تقديم قمة أنقرة باعتبارها أكثر من حدث دبلوماسي دوري، إذ تسعى من خلالها إلى إبراز قدرتها على إدارة تجمع دولي واسع، وتأكيد موقعها داخل الحلف في مرحلة يُعيد فيها الناتو ترتيب أولوياته بين دعم أوكرانيا، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز الشراكات الأمنية خارج المجال
وتولي أنقرة أهمية استثنائية لهذه القمة، إذ تعدّها محطة مفصلية وفرصة لتعزيز موقعها على الساحة الإقليمية والدولية، ما دفعها إلى استكمال تحضيرات واسعة على مختلف المستويات لضمان نجاحها
تركيا في قلب القمة لعدة أسباب
تُعتبر أنقرة، بوصفها عاصمة الجمهورية التركية ومركز صناعة القرار السياسي والعسكري، محورًا رئيسيًا في دور تركيا داخل حلف (الناتو).
وتستند أهمية تركيا في الحلف إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية: القوة العسكرية، والموقع الجغرافي، والدور الجيوسياسي.
فمن الناحية العسكرية، تمتلك تركيا واحدة من أكبر القوات المسلحة داخل الناتو، وتُسهم بقدرات بشرية وعسكرية متقدمة في عمليات الحلف ومهامه المختلفة.
أما من الناحية الجغرافية، فتشغل موقعًا استراتيجيًا يربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط والبحر الأسود وشرق البحر المتوسط، كما تتحكم في مضيقي البوسفور والدردنيل، اللذين يُعدان من أهم الممرات البحرية العالمية، مما يمنحها أهمية خاصة في أمن الحلف وردعه الاستراتيجي.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، تؤدي تركيا دورًا محوريًا في إدارة العديد من الملفات الإقليمية، بما في ذلك الأمن في البحر الأسود، والأزمات في الشرق الأوسط، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، الأمر الذي يجعلها شريكًا لا غنى عنه في صياغة سياسات الناتو وتعزيز استقراره الإقليمي والدولي.
فهي تمتلك ثاني أكبر جيش داخل الناتو بعد الولايات المتحدة، وتسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يشكلان بوابة البحر الأسود، كما تلعب دورًا جغرافيًا محوريًا يربط أوروبا بالشرق الأوسط والقوقاز. إلى جانب ذلك، أصبحت الصناعات الدفاعية التركية، وخاصة في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة، عنصرًا مهمًا في منظومة الردع داخل الحلف الأوروبي التقليدي
تحديات ضخمة
قمة أنقرة تنعقد في ظل تحديات أمنية متصاعدة، وتغيرات في ملف تقاسم الأعباء الدفاعية بين الحلفاء.
كما تعقد القمة في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بسبب حرب إيران، واستمرار الضغوط الأمريكية لإعادة توزيع أعباء الدفاع داخل الحلف.
وكان ترامب، قبل اقل من اسبوع من انعقاد القمة، اعتبر، أنه "من السخافة" استمرار الولايات المتحدة في علاقتها "الأحادية" مع حلف التاتو "، خاصة ان " بلاده لم تجد حلفاءها عندما احتاجت إليهم في الحرب ضد إيران".
وكتب ترامب على منصته تروث سوشال: "لم نجدهم عندما احتجنا إليهم"، مشيرا إلى أن علاقة واشنطن بحلف الناتو "ليست متبادلة".
ويواصل ترامب انتقاد الحلفاء الأوروبيين بسبب موقفهم من الحرب ضد إيران.
كما شدد على أنّه يريد من أوروبا أن تتولى المسؤولية عن دفاعها، وذلك بينما تعمل الولايات المتحدة على تقليص التزاماتها.
جاء الموقف الأمريكي إزاء امتناع بعض دول الناتو عن وضع قواعدها تحت تصرف الولايات المتحدة ، او السماح باستخدام أجوائها أمام المقاتلات الأمريكية، وبناء على خطط سابقة، قررت وزارة الحرب الأمريكية سحب خمسة الاف جندي من المانيا وتركيز وجودها في الجناح الشرقي للحلف خاصة في بولندا.
كما تأتي القمة ولا تزال الحرب الروسية-الأوكرانية مستمرة، والتوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والهجمات الإسرائيلية على غزة ولبنان والتوغلات الإسرائيلية ضمن سوريا، والمواجهة بين إسرائيل وحزب الله، إلى جانب عملية إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط، مستمرة وسط أجواء من الغموض والصراعات.
وتسعى أنقرة بدورها إلى تحديد موقعها وترسيخ دورها في هذه التحولات الإقليمية.
نبذة عن حلف شمال الأطلسي
حلف شمال الأطلسي NATO هو تحالف عسكري وسياسي تأسس عام 1949 بموجب معاهدة واشنطن، ويهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي والدفاع المشترك بين الدول الأعضاء.
ويستند الحلف إلى المادة الخامسة من المعاهدة، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الأعضاء يُعد هجومًا على جميع الأعضاء، بما يستوجب اتخاذ إجراءات جماعية للدفاع عنها.
وعلى مدار العقود الماضية، تطور دور الناتو من التركيز على الردع العسكري خلال الحرب الباردة إلى التعامل مع التحديات الأمنية المعاصرة، مثل مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، وإدارة الأزمات، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، تشكل قمم الناتو محطة رئيسية لتحديد أولويات الحلف، وتنسيق سياسات الدول الأعضاء، واتخاذ قرارات استراتيجية تتعلق بالأمن والدفاع في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
وسط واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ التحالف الممتد منذ عام 1949، وفي ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة...
في وقت تواجه فيه المنطقة العربية تحديات إقليمية معقدة، تتطلب تعزيز العمل العربي المشترك وتفعيل أدواته الدبلوماسية، يخطو الدبلوماسي المصري...
التوافق على تسليح أوكرانيا والترحيب بالاتفاق الأمريكي الإيراني التاريخي، وحماية الملاحة بمضيق هرمز وتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية القاصرين رقمياً.. كانت...
مرحلة جديدة تعيد السلام والاستقرار الى الشرق الأوسط.. بإعلان التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء واحدة من أكثر...