البرنامج النووي الإيراني في مرمى ضربات إسرائيل

بعد عقود من التهديدات.. شنت إسرائيل هجوما جريئا على إيران لتنفيذ ما أطلقت عليه "ضربة وقائية" داخل الأراضي الإيرانية شملت تنفيذ سلسلة واسعة من الضربات تستند إلى معلومات استخباراتية مستهدفة مواقع إيران النووية وعلمائها وقادتها العسكريين.

الغارات الإسرائيلية أصابت ثلاث منشآت نووية إيرانية ولم يتضح بعد حجم الأضرار التي لحقت بها رغم تأكيدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن العملية "ضربت رأس برنامج إيران النووي للتسلح".

ومع استمرار تنفيذ الطائرات الحربية الإسرائيلية غاراتها على مواقع نووية وعسكرية في إيران، أثيرت العديد من التساؤلات عن مدى نجاح إسرائيل في تدمير المنشآت النووية الإيرانية التي كانت الهدف الأساس من هذه الضربات.

يأتي ذلك في وقت ما زال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يطالب الإيرانيين بالعودة إلى المحادثات مع الولايات المتحدة التي كانت مقررة الأحد قبل أن ينتهي كل شيء على حد وصفه، في إشارة إلى أن الضربات الإسرائيلية ستستمر لفترة طويلة قادمة.

وبينما أعلنت إسرائيل أنها نجحت في تدمير واسع سبب خسائر جسيمة لمنشأة "نطنز" التي تعد أحد أبرز المواقع النووية الإيرانية الثلاثة إلى جانب منشأة فوردو المحصنة جيدا ومنشأة أصفهان، يتوقع أن تواصل استهداف البنية التحتية النووية الإيرانية لتأخير مسار إيران نحو القنبلة النووية.

وتأتي الضربات الإسرائيلية بعد تصويت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وللمرة الأولى منذ 20 عاما، بأن إيران لم تمتثل لالتزاماتها حظر الانتشار النووي، وهو ما قد يكون قد دفع إسرائيل إلى استنتاج أن إيران تتسابق نحو امتلاك قنبلة، ومن ثم قررت تسريع توجيه ضربة لإيران على أمل تعطيل البرنامج النووي الإيراني.

ورغم أن الضربة الاستباقية الإسرائيلية ربما تؤدي إلى تعطيل قدرة إيران المباشرة على تطوير برنامج أسلحة نووية، فإنه لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان مثل هذا الإجراء سيردع طموحات النظام الإيراني النووية بفاعلية.

ومع استمرار الضربات الإسرائيلية ومحاولات الرد الإيرانية.. يبدو النظام الإيراني أمام مأزق كبير قد تعيق طموحاته النووية خاصة إذا قررت إسرائيل مواصلة تدمير المنشآت النووية الإيرانية.

* برنامج نووي متطور

أمضت إيران عقودا طويلة في تطوير برنامجها النووي، وتعتبره مصدرا للفخر والسيادة الوطنية وتصر على أن البرنامج مخصص لأغراض الطاقة السلمية، وتخطط لبناء محطات طاقة نووية إضافية لتلبية احتياجاتها المحلية من الطاقة وتوفير المزيد من النفط للتصدير.

ومنذ ستينات القرن الماضي، تطور إيران بنيتها التحية النووية في سرية تامة مع وجود بعض المنشآت المدفونة تحت الأرض، كما تتمتع بالقدرة على تنفيذ معظم مراحل إنتاج اليورانيوم من التعدين إلى التخصيب مع التأكيد دائما على سلمية برنامجها.

وتؤكد طهران أن برنامجها مدني بالكامل بما يتماشى مع التزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي وأنها لا تسعى إلى امتلاك قنبلة ذرية، لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت أن طهران لا تمتثل لالتزاماتها بموجب المعاهدة.

بينما ترى إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني يشكل تهديدا لوجودها.. قالت إن الضربات تهدف إلى منع طهران من اتخاذ الخطوات المتبقية نحو صنع سلاح نووي.

* الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية

الوكالة الدولية للطاقة الذرية نقلا عن السلطات الإيرانية، قالت أنه تم تدمير قسم رئيسي فوق الأرض من منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز في وسط البلاد.

واعتبر معهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث متخصص في الأسلحة النووية، أن الدمار الذي أكدته صور الأقمار الاصطناعية "جسيم".

وفي تقرير له، أشار المعهد إلى أن الهجمات التي تستهدف إمدادات الطاقة في المنشأة يمكن أن تُلحق أضرارا بالغة بآلاف أجهزة الطرد المركزي الموجودة، وهي الأجهزة المستخدمة لتخصيب اليورانيوم.

وأكد المعهد أن موقع نطنز "لن يتمكن من العمل لفترة من الوقت على أقل تقدير" كما استهدف الهجوم الإسرائيلي منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم، وأعلنت إيران أن أضرارا محدودة لحقت به.

واستهدف الهجوم الإسرائيلي أيضا مصنعا لتحويل اليورانيوم في أصفهان ويعتقد أن هذا المجمع يحتوي على احتياطيات كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب.

* البرنامج النووي الإيراني

يتوزع البرنامج النووي الإيراني على كثير من المواقع، ولأن خطر الضربات الجوية الإسرائيلية يلوح في الأفق منذ عشرات الأعوام، فإن عددا قليلا فحسب من المواقع بني تحت الأرض.

وتعتقد الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة أن إيران كان لديها برنامج سري منسق للأسلحة النووية أوقفته عام 2003، بينما تنفي طهران امتلاك أي برنامج نووي أو التخطيط لامتلاك مثل هذا البرنامج.

ووافقت إيران على تقييد أنشطتها النووية مقابل تخفيف العقوبات الدولية بموجب اتفاق أبرمته عام 2015 مع قوى عالمية، لكن هذا الاتفاق انهار بعدما سحب الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب بلاده منه عام 2018، مما دفع إيران في العام التالي إلى التخلي عن القيود التي فرضتها على تلك الأنشطة النووية.

ومنذ ذلك الحين، بدأت إيران بالتوسع في برنامج تخصيب اليورانيوم، مما أدى إلى تقليص ما يسمى "وقت الاختراق" الذي تحتاج إليه لإنتاج ما يكفي من اليورانيوم الذي يستخدم في صنع قنبلة نووية لأسابيع وليس 12 شهرا في الأقل بموجب اتفاق عام 2015.

وتقوم إيران الآن بتخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء تصل إلى 60 %، مما يقارب المستويات التي تسمح بصنع أسلحة نووية والتي تبلغ 90 % في موقعين، ونظريا لديها ما يكفي من المواد المخصبة إلى هذا المستوى لصنع أربع قنابل إذا خصبت على نحو أكبر، وفقا لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة الرقابة التابعة للأمم المتحدة.

* قائمة بالمواقع النووية الإيرانية

منشآت تخصيب اليورانيوم

- نطنز: مجمع يقع في صلب برنامج التخصيب الإيراني على سهل يجاور الجبال خارج مدينة "قم" المقدسة لدى الشيعة، جنوب طهران وهي المنشأة الأبرز بين منشآت البرنامج النووي الإيراني.

ويضم المجمع منشآت تشمل مصنعين للتخصيب، مصنع تخصيب الوقود الضخم تحت الأرض ومصنع تخصيب الوقود التجريبي فوق الأرض.

وكانت مجموعة معارضة إيرانية تقيم في الخارج كشفت عام 2002 عن أن إيران تبني سرا مجمع نطنز، مما أشعل مواجهة دبلوماسية بين الغرب وإيران حول نواياها النووية والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وبنيت منشأة تخصيب الوقود على نطاق تجاري تحت الأرض قادرة على استيعاب 50 ألف جهاز طرد مركزي ويضم المصنع حاليا 14 ألف جهاز للطرد المركزي، من بينها نحو 11 ألفا قيد التشغيل لتنقية اليورانيوم لدرجة نقاء تصل إلى 5%.

- فوردو: كشفت إيران في سبتمبر 2009 عن منشأة فوردو المحصنة داخل الجبال بين طهران وقم ، في انتهاك لقرارات الأمم المتحدة، ما أثار أزمة مع القوى الكبرى في مجلس الأمن الدولي.
وبعدما وصفتها بأنها "موقع إنقاذ" في منطقة جبلية بالقرب من قاعدة عسكرية لحمايته من هجوم جوي، أعلنت طهران أنه منشأة تخصيب بقدرات عالية، يمكنها استيعاب نحو ثلاثة آلاف جهاز للطرد المركزي.

وفي هذا الموقع تم اكتشاف جزيئات من اليورانيوم المخصب بنسبة 83.7% في بداية 2023، وبررت إيران ذلك بأنه "تقلبات غير مقصودة" خلال التخصيب.

* محطة نووية

- بوشهر: بدأت محطة بوشهر النووية التي شيدتها روسيا وتزودها بالوقود النووي، العمل في سبتمبر 2011 بقدرة منخفضة قبل أن تربط بالشبكة الكهربائية في العام التالي.

بدأت ألمانيا العمل على بنائها واستكملت موسكو عام 1994 بناء هذه المحطة بقدرة 1000 ميجاوات.

وتستخدم محطة الطاقة النووية الوحيدة العاملة في إيران على ساحل الخليج الوقود الروسي الذي تستعيده موسكو بعد استنفاده، مما يقلل من خطر الانتشار النووي.

وتبني إيران محطتين نوويتين أخريين بمساعدة روسيا، هما دارخوين التي بدأ العمل عليها أواخر عام 2022 بقدرة 300 ميجاوات، ومجمع سيريك الذي بدأ إنشاؤه مطلع عام 2024، ويضم أربع محطات بطاقة إنتاجية إجمالية تبلغ خمسة آلاف ميجاوات.

* مصانع التحويل والبحث

- أصفهان: تمتلك إيران مركزا كبيرا للتكنولوجيا النووية على مشارف أصفهان، ويضم مصنعا لإنتاج ألواح الوقود ومنشأة تحويل اليورانيوم التي يمكنها معالجة اليورانيوم وتحويله إلى سداسي فلوريد اليورانيوم الذي يغذي أجهزة الطرد المركزي.

وتوجد في أصفهان معدات لصنع معدن اليورانيوم، وهي عملية حساسة بصورة خاصة فيما يتصل بالانتشار النووي لأنها يمكن أن تستخدم في تصميم قلب القنبلة النووية.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن هناك آلات لصنع قطع غيار أجهزة الطرد المركزي في أصفهان ووصفتها عام 2022 بأنها "موقع جديد".

كما تضم أصفهان مختبرا تم تدشينه في أبريل 2009 ينتج وقودا منخفض التخصيب مخصصا للمفاعلات المحتملة.

وفي مطلع 2024، أعلنت إيران بدء أعمال بناء مفاعل بحثي جديد في الموقع.

- أراك: بدأت أعمال بناء مفاعل الماء الثقيل في أراك المخصص رسميا لإنتاج البلوتونيوم لأغراض البحث الطبي، في مطلع الألفية الثالثة لكن المشروع تم تجميده بموجب الاتفاق الذي أبرمته إيران والقوى الكبرى عام 2015، والذي نص على إعادة تصميمه وبالتالي، تمت إزالة نواة المفاعل وصب الخرسانة فيه لجعله غير قابل للتشغيل.

ويتوقع أن يتم تشغيل الموقع الذي بات يعرف باسم خنداب، في العام 2026، وفقا للمعلومات التي قدمتها إيران إلى الوكالة الذرية. يضم المجمع كذلك مصنعا لإنتاج الماء الثقيل.

 

 

Katen Doe

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

امريكا وايران

المزيد من تقارير عرب وعالم

نحو سوريا الموحدة.."الشرع" يوقع اتفاق وقف إطلاق النار واندماج الحكومة و"قسد"

في نقطة تحول محورية في مسار تعزيز وحدة سوريا واستقرارها، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.. وتمهيد الطريق لاطلاق عملية...

جرينلاند.. ساحة صراع استراتيجى بين القوى الكبرى

بين طموحات الرئيس الأمريكي والتوسع الروسى والصينى فى القطب الشمالى.. وبين مساعي الأوروبيين لتعزيز وجودهم لمواجهة التهديدات الخارجية.. لم تعد...

خطة غزة.. تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع و"مجلس السلام" برئاسة ترامب

دخلت خطة السلام في غزة منعطفا جديدا مع إعلان الولايات المتحدة رسميا انطلاق المرحلة الثانية من الخطة التي طرحها الرئيس...

السودان بعد ألف يوم من الحرب.. أسوأ أزمة صحية وإنسانية في العالم

النزاع في السودان يكمل يومه الألف.. في واقع مرير شهد أسوأ أزمة جوع وأكبر أزمة صحية وإنسانية وأضخم موجة نزوح...


مقالات

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع
  • الجمعة، 23 يناير 2026 11:00 ص
دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م