«على الكســــار».. الأب الروحـى للضحـك بمـصـر

سيد درويش ملحن لن يجود الزمان بمثله/ فى منتصف الأربعينيات تراجع الكسار مسرحيا بعد أن مر بالعديد من الأزمات المالية

حقق "على الكسار" نهضة مسرحية ملحوظة فى زمانه، خاصة مجال المسرحية الكوميدية الارتجالية. هو "خليل سالم" وشهرته "على الكسار" أو «عثمان عبدالباسط» وهو اسم البطل الذى ظل يجسد شخصيته على خشبة المسرح، وقد كانت شخصيات الأمراء وأصحاب الجاه والسلطة هى شخصيات البطولة فى السابق، لكن الكسار قدم فناً مصرياً يعبر عن هموم وأحلام الناس وتفرد فيه عن سائر الفنانين الذين سبقوه أو عاصروه.

لقب "على الكسار" كذلك بالمليونير الخفى، وذلك نتيجة للتغيير الذى طرأ على حياته، لقد كان تغييرا شاملا نقله من جانب إلى الجانب المعاكس تماماً، لقد كان واحداً من الطبقة الكادحة، وأصبح اسمه يملأ السمع والبصر فى كل البلاد، وصالح المواطن الكادح من مشاهير عصره ويمتلك ثروة كبيرة جداً.

ولد "على الكسار" فى 13 يونيه 1887 بحارة النجار بحى السيدة زينب، كان والده يعمل سروجياً لكنه كان حريصاً على أن يلحق ابنه بالكُتاب لينال قدرا من العلم أملاً فى أن يصبح موظفاً حكومياً، لكن الطفل لم يهتم بالتعليم وظل ذهنه مرتبطاً بالفن والطبخ كذلك، حيث عمل "الكسار" طباخاً لعدة سنوات قبل أن يتركها ويتفرغ للفن بعد نجاحه الكبير فيه.

شخصية «عثمان عبدالباسط»، ذلك الرجل النوبى الأسمر الذى كان يجسده "على الكسار" هو السر فى نجاحه الفنى الكبير، حيث قدمه فى أغلب أعماله، ومنها البربرى فى باريس، والبربرى فى مؤتمر ستوكهولم، والبربرى الفيلسوف، لقد ترك الكسار الطبخ واتجه للاشتراك فى فرق التمثيل المنتشرة فى أحياء السيدة والحسين، وكون فرقة فنية قدم خلالها عروضاً، وبدأ يحقق شهرة وعرفه الجمهور وتعلق به، الأمر الذى جعله يبحث عن لقب فنى، وكان هذا اللقب «الكسار» وهو نسبة لأمه «زينب على الكسار» وذلك تعبيراً عن وفائه لها.

قدم «على الكسار» الشيخ «زكريا أحمد» كملحن للمسرح، عندما أسند إليه تلحين رواية «دولة الحظ» عام 1924، وحمل «زكريا أحمد» لواء التلحين للمسرح بعد وفاة الشيخ «سيد درويش» لسنوات طويلة، وكان يعلن دائماً أنه خرج من مسرح الشعب لعلى الكسار، وأن تعاونه مع الكسار أخصب فترة إنتاجه التى قضاها فى تلحين أوبريتات الكسار منذ عام 1919 حتى عام 1923، وكان آخر أعماله المسرحية تلحين أوبريت «الانتخابات» الذى فارق الحياة قبل إتمامه له.

يعد الكسار هو صاحب أول فرقة مسرحية تدخل شارع عماد الدين عام 1917، وكان اسم تلك الفرقة "الأوبريت الشرقى"، قدم الكسار من خلالها العديد من الروايات المعروفة، وكان أكثر تلك الروايات يكتبها على الكسار بنفسه، حتى وصل الأمر إلى تقديم عشر حفلات فى الأسبوع الواحد من شدة الإقبال على الفرقة، وبدأ الكسار يقدم عروضه على مسرح «الماجستيك» فى 6 يناير 1919، وبدأ بمسرحية «ليلة 14» واستمرت عروض الفرقة بنجاح كبير، وكان "أمين صدقى" يؤلف المسرحيات أو يترجمها عن المسرح العالمى ويمصرها ويضفى عليها الطابع الشعبى المصرى، وكان الكسار يمثل ويقود الفرقة التى كانت مكونة من محمد بهيج وبشارة واكيم وعبدالعزيز أحمد وشلبى فودة وعبدالحميد زكى وزكى إبراهيم وحامد مرسى وراقية رشدى، ومن الملحنين سيد درويش وزكريا أحمد وكامل الخلعى وداود حسنى وإبراهيم فوزى؛ وسافرت الفرقة إلى العديد من بلاد الشام لتقدم عروضها، خاصة بعد انضمام الموسيقار الكبير الشيخ "زكريا أحمد" إليها وتقديمه لألحان مسرحياتها.

بدأ على الكسار التوجه للسينما عام 1920، وذلك عندما شارك أمين صدقى فى فيلم قصير حمل اسم «الخالة الأميركانية» أخرجه الإيطالى «بونفيللى» وكان هذا الفيلم القصير صامتا، ثم انقطع الكسار عن السينما التى كانت فى بدايتها فى ذلك الوقت، لكن مع ازدياد الحركة السينمائية، ومع دخول نجيب الريحانى وفؤاد الجزايرلى وجورج أبيض على عالمها الرحب، بدأ الكسار يعود إلى السينما عام 1935 مع المخرج «الكسندر فاركاش» من خلال فيلم «بواب العمارة»، وانطلق على الكسار سينمائيا وتوالت أفلامه مع المخرج «توجو مزراحى» وأول أفلام هذا الثنائى الكسار ومزراحى كان عام 1936بفيلم غفير الدرك، ثم توالت الأعمال منها سلفنى 3 جنيه، وعثمان وعلى، و100 ألف جنيه، وعلى بابا والأربعين حرامى، والساعة سبعة، ونور الدين والبحارة الثلاثة، والتلغراف.

 وفى منتصف الأربعينات بدأ الكسار يتراجع مسرحيا بعد أن مر بالعديد من الأزمات المالية التى ظهر أثرها فى عدم انتظام عروض الفرقة حتى تم إغلاقها تماما فى نهايات الأربعينات، ومنذ هذا التاريخ توقف «على الكسار» عن المسرح وكان رصيده فيه يتجاوز الــ 160 مسرحية.

"الإذاعة والتليفزيون" تنشر حوارا نادرا للفنان الكبير "على الكسار" تم إجراؤه على صفحاتها بتاريخ 19 يناير 1957 بمناسبة ذكرى ميلاده 136.

فإلى نص الحوار.

الفنان الذى عبث بالذهب – فقهره الذهب

مات على الكسار .

مات الرجل الذى أضحك الملايين فى مصر والدول العربية.. والرجل الذى عاصر أكبر نهضة فنية شهدتها مسارح مصر.

 مات على الكسار-  بربرى مصر الوحيد الذى جمع عشرات الآلاف من الجنيهات، وفقدها كلها، وعاش فى زاوية من زوايا النسيان، حتى فارق الدنيا ومن عليها.

لقد خسرت مصر فنانا كتب صفحة خالدة فى تاريخها الفنى، وكان فى مقدمة ممثليها الكوميديين وفى هذا الحديث، الذى كان آخر ما أدلى به فقيد الفن يتحدث المرحوم على الكسار عن ذكرياته الفنية، وحياته الزاخرة بالكثير من الصور التى صاحبت نهضتنا المسرحية فى النصف الأول من هذا القرن .

عندما كنت فى طريقى لمقابلته، ظننت أننى سوف أراه كما كنت أراه فى الماضى الرجل الذى يمتلأ قوة ونشاطا، الشامخ بأنفه، الذى كان يركب عربته "الحنطور" الأنيقة، بمصابيحها الكهربائية المتألقة، وينطلق بها كل مساء فى شارع شبرا، ذاهبا إلى التياترو أو منصرفا منه الى بيته.. كنت أظننی سأری على الكسار - بربرى مصر الوحيد "عثمان عبد الباسط" - كما رأيته على مسرح الماجستيك منذ سنوات بعيدة وعلى مسرح كازينو "سان ستيفانو" بروض الفرج، يصول ويجول فى حركات مرحة، ويلقى بالنكات ذات اليمين وذات اليسار، ويشتبك مع جمهور المتفرجين فى "قوافى"  يخرج منها منتصرا دائما.

ولكننى رأيت إنسانا آخر.. رأيت كهلا بطىء الحركات، خفيض الصوت، هادئ النبرات يرتدى فى "عز" الصيف ملابسه الكاملة، بدلة وصديرى ورباط رقبة، وقد حرص على أن يضع الطربوش فوق رأسه.

قابلته فى إحدى غرف المسرح الشعبى ينتحى بمقعده ركنا قصيا. وقدمنى إليه مخرج صديق، فنهض الرجل فى أدب جم مصافحا، وأخذنى متلطفا إلى غرفة أخرى.

حقا لكم تبدل الرجل، فلم يبق له من الماضى سوی بريق عينيه، اللتين تشعان ذكاء، وتنبعث منهما خفة روحه المشهورة .

كانت فى رأسى أسئلة كثيرة، ولكننى - ولست أدرى لماذا - بادرته بالسؤال الذى كنت أرى أن  يكون آخر ما أوجهه إليه:

هل أنت راض الآن عن عملك كممثل بالمسرح   الشعبى؟

فأجاب فى حرارة وصدق : تمام الرضا والحمد لله.

قلت له: حدثنا عن شىء من تاريخ احترافك للتمثيل.

قال: بدأت احتراف التمثيل فى سنة ١٩٠٨ مع المرحوم مصطفى أمين الممثل، وبدأنا العمل معا فى "دار التمثيل الزينبى".. وهى دار متواضعة، كانت تقع بالسيدة زينب عند شارع الخليج، وكنا نقدم مسرحيات فكاهية تاريخية ولم تكن هذه المسرحيات مكتوبة، بل كانت لا نصوص لها، وكانت مرتجلة، فكنا نتلبس أدوارها ونندمج فيها بكل كياننا.

ومن دار التمثيل الزينبى انتقلنا للعمل فى دار السلام بسيدنا الحسين ثم "كازينو باری" بعماد الدين، ومنه إلى مسرح الماجستيك حيث كونت فرقتى التى ظللت أعمل بها من سنة ١٩١٩ حتى سنة ١٩٣٧.

قلت له - إن الجمهور طالما أعجب بك، وأقبل على مشاهدة مسرحياتك، فهل تعتقد أن جمهور الأمس غير جمهور اليوم؟

 فأجاب - نعم إن جمهور الأمس غير جمهور اليوم.

قلت - وما الفرق بينهما؟

كان جمهور الأمس يقبل على مشاهدة المسرحية بشغف وحماس، أما جمهور اليوم، فإن السينما قد اجتذبته تماما فصار لا يعجبه غيرها.

وما رأيك فى الجيل الجديد من الممثلين الشبان خريجى المعهد العالى للتمثيل؟

لقد رأيت الكثرين منهم، وأنا معجب بهم أشد الإعجاب، وأتمنى لهم المزيد التقدم والنجاح.

لقد اشتركت فى تمثيل عدد كبير من الأفلام.. فهل تعتقد أن التمثيل المسرحى غير التمثيل السينمائى؟

بكل تأكيد، فالتمثيل المسرحى غير السينمائى، أين تجارب الممثل المسرحى مع جمهوره، واندماجه فى دوره، من السينما ذات اللقطات والمشاهد المتفككة إن الممثل فوق المسرح ملك لنفسه، أما أمام الكاميرا فهو ملك للمخرج.

 ولكن بعض النقاد كان يسجل عليك أنك تمثل فى السينما  كما تمثل على المسرح.

إن الفارق ملحوظ كما قلت، ولكن للمسرح بطبيعة الحال أثرا فى كل تصرفاتى لا يمحى وهذا هو السبب.

 هل اشتركت فى تمثيليات الإذاعة؟

نعم فقد سجلت لى الإذاعة إعدادا اذاعيا لمسرحيتى "ورد شاه".

 هل تمانع إذا طلبت منك الإذاعة الاشتراك فى بعض تمثيلياتها؟

إننى أرحب بكل ما تطلبه منى الإذاعة.

 أی أدوارك تحب أن تمثلها فى الإذاعة؟

دورى فى مسرحية "البخيل".

قلت مازح .. لماذا؟ وهل أنت بخيل؟

فضحك وقال: لو كنت بخيلا.. لما.. وسكت إذ  أدركت ما يعنى.

فقلت أسأله:

يقولون إنك كسبت آلاف الجنيهات

قال: وأنفقتها كلها على المسرح.

وهل أنت نادم لأنك لم تدخر شيئا لمستقبل أيامك؟

فأجاب فى إيمان: كلا والله لست نادما على ما وصلت إليه. فلقد أدیت واجبى للمسرح كاملا، ولا يضيرنى أن أكون أديت واجبى نحو المسرح ماديا بعد أن كنت صاحب فرقة من أكبر الفرق المسرحية فى مصر.

وسألته: من أحب مطرب إليك؟

 قال- حامد مرسی.

وأحب مطربة؟

عقيلة راتب.

وما رأيك فى الشيخ سيد درويش وقد لحن لك أكثر من مسرحية؟

ملحن لن يجود الزمان بمثله.

هل لديك نصائح تقدمها للفنانين الناشئين؟

الفنان الحقيقى هو الذى يوجهه فنه ويدفعه قدما نحو الكمال، فنصيحتى أن يتمسك كل فنان بفنه فهو الذى يهديه ويرشده.

وكانت الساعة قد بلغت الأولى والنصف بعد الظهر، فشكرته ونهضت، ونهض بدوره لينصرف إلى بيته.. وصحبته وهو يهبط الدرج فى هدوء قاصدا إلى محطة الترام وفى أول مركبة ترام أقبلت، راح يأخذ طريقه وسط الركاب المتزاحمين.

 تری کم من هؤلاء الركاب يدرك أن هذا الرجل الكهل البطىء الحركات كان فى مقدوره - لو أراد أن يدخر ما يمكنه من اقتناء سيارات لا سيارة واحدة.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولت

المزيد من المجلة زمان

فى ذكرى رحيله ال 35 .. وفى حوار عمره 65 عاماً محمد عبد الوهاب

أكتب الحانى بقلم الحواجب أغير عودى كل ثلاث أو أربع شهور أموت فى الكرافتات الجميلة لحنت النصف الاول من الجندول...

روشتة حسن فهمى للنهوض بالصناعة وإعداد النشء

نشر على صفحات مجلة الراديو المصرى فى عام 1945 المهندس حسن حسين فهمى العديد من المقالات التى تساعدنا اليوم في...

حسن فهمى: وقفت خلف ابنتى.. وأخذت بيديها وسط أعاصير مجتمع قاصر

بدلة الرقص تحكى حكاية هادفة منتقاة من تاريخ هذا الشعب الزاخر بدلة الرقص مظلومة.. فقد ظلمتها الراقصات اللاتى اتخذنها وسيلة...

فريدة فهمى تتحدث عن سر وجودها داخل قصر عابدين يوم حصار الدبابات

مفاجآت تكشفها لأول مرة فى حوار حصرى الأخوان تنمروا على بابا بسبب عملى راقصة جدى تركى وجدتى منوفية.. وبابا سى...