حوار نادر بين عبدالحليم حافظ وصـالح سليـــم وأحمـد بهاء الدين

ثلاثة من العمالقة جمعت بينهم مجلة "الإذاعة والتليفزيون" فى حوار نادر قلما يتكرر بين نجم الغناء عبدالحليم حافظ، ونجم الكرة صالح سليم، ونجم الكتابة السياسية أحمد بهاء

ثلاثة من العمالقة جمعت بينهم مجلة "الإذاعة والتليفزيون" فى حوار نادر قلما يتكرر بين نجم الغناء عبدالحليم حافظ، ونجم الكرة صالح سليم، ونجم الكتابة السياسية أحمد بهاء الدين الذى كان اجتماعهم فى منزله، ليدور بينهم حوار تلقائى فى الفن والكورة فقط، بعيداً عن السياسة، وجرت وقائع هذا الحوار النادر منذ أكثر من واحد وخمسين سنة، بقلم الزميلة فاطمة حسين.

حوار بين ثلاثة

والثلاثة هم أحمد بهاء، وعبدالحليم حافظ، وصالح سليم، يفضلونها مناقشة هادئة، عندما يتحدثون مع بعضهم – مثلما حدث منذ أيام فى بيت أحمد بهاء الدين- حتى عندما يتناول الحديث أكثر الموضوعات جدية، فاهتمام الناس بالكرة ظاهرة شعبية.. لماذا؟ عبدالحليم ولماذا هو مشهور عن صالح سليم؟.. متى يكف الجمهور عن شتم اللاعبين فى المباريات؟.. وتعالوا نسمع بعض "أطراف" الحديث معاً.

استخدم عبدالحليم حافظ ذكاءه فى إحراج صاحب البيت بأكثر من سؤال.. كان صالح سليم مايسترو الجلسة، و"شاط" أكثر من "شوطة" موفقة، وحاور بالأسئلة، وحقيقة كان له أكثر من "جون" فى شباك الجميع، دفعنى صالح سليم إلى أن أسأل أحمد بهاء الدين: كيف تفسر ظاهرة انتشار الكرة فى حياتنا؟ هل من الممكن لها أن تجعلنا ننسى معارك الإنتاج؟.. قال: الاهتمام بالكرة فى كل مكان، وهو واضح فى نيويورك مثلا، لندن، وروما.

علق المايسترو صالح سليم: أنا مع الأستاذ بهاء فى وجهة نظره، لأن الإنسان وهو يشاهد مباريات الكرة ينفعل بها، وينفس بذلك عن ضغوط فى نفسه، وأنا أذكر فى مرة، قال لى مدرب روسى، إذا شتمك الجمهور لا تزعل، لأنه لا يقصد الشتيمة وإنما التنفيس.

وضحك عبدالحليم قائلا: يعنى واحد اتخانق مع زوجته قبل الماتش، فيشتم اللاعب الفلانى، كأنه بيشتم زوجته.

وتدخلت فى الحديث قائلة: طيب ممكن تفسر ازدياد شعبية الكرة هذه الأيام عنها زمان.. ليه؟.. كابتن صالح ممكن يقول لنا؟.

وعلق بهاء قائلاً: أنا أعتقد أن شعبية الكرة ظهرت منذ أيام الحرب، عندما كانت الفرق الإنجليزية والمصرية تلعب ضد بعضها، وكان المرحوم بدر الدين يذيع هذه المباريات بشكل حماسى، وهنا نشأ تحيز الفرق المصرية، وتحيز المصريين لهم. وتوجه صالح إلى أحمد بهاء الدين يسأله: لكن انت أهلاوى ولا حاجة تانية؟

وابتسم بهاء و"شاط" الكرة لصالح مرة أخرى:

لكن ليه طريقة سؤالك عايز تأثر بها علىّ؟ -وأضاف بهاء – هو أنا اهتمامى بالكرة حديث جداً، فأنا لست متحيزاً لنادٍ معين، لكن أرى المباريات المهمة، مشجعاً للنادى الأفضل، وإن كنت دائماً فى صف النادى الضعيف المكافح.

 وركز بهاء حديثه على التعصب فقال: إن حكاية التعصب لنادٍ معين، وصلت إلى درجة غريبة، فمسألة إن نادياً معيناً يخسر تصبح النظرة إليه، كما لو أنه ارتكب جريمة، وتظل الصحف تهاجمه، مع إن المسألة أنه لابد من وجود ناد يخسر حتى يكسب النادى الآخر.

وقاطعت بهاء قائلة: لكن إيه رأيك فى صالح سليم كلاعب؟

بهاء: أنا قلت أنا لا أفهم فى التفاصيل الفنية فى الكرة، ولكننى أسمع إن صالح سليم لاعب كبير، يستطيع السيطرة على الملعب، كما هو مسيطر الآن على الحديث.

وقلت لعبدالحليم بالمرة: وأنت يا عبدالحليم أهلاوى ولا زملكاوى ولا صلحاوى؟

قال: الاثنين طبعا، وأعتقد أن النادى الأهلى له أمجاد وهو الذى أدخل لعبة الكرة فى مصر، وإذا كان قد تعثر فى السنتين الماضيتين فشأنه شأن أى نادٍ وأى شىء فى الحياة.

والتقطت خيط الحديث بعيداً عن الكرة وسألت بهاء: ممكن تقول لنا رأيك بصراحة فى عبدالحليم حافظ.

وضحك عبدالحليم، وأجاب بهاء: طبعاً عبدالحليم مايسترو كبير، لكن انت عايزة تعرفى رأيى فيه من ناحية إيه؟

قلت: مثلا، اتجاهه فى الأغنية الشعبية، إيه رأيك فيه؟

قال بهاء: الحقيقة أنا ضد المناظرة، أو مقارنة لون بلون فى الغناء فى أى وقت وفى أى عصر، فلابد من تواجد الألوان كلها.

وعبدالحليم -بلا مجاملة- كان له الفضل فى هذا مع مجموعة من الملحنين والمؤلفين، أما عن الأغنية الشعبية، فكان لازم يقدمها من زمان.

وقلت لعبدالحليم حافظ: إيه هو مفهوم الأغنية الشعبية فى نظرك، قال: الأغنية الشعبية تكون شعبية بقدر ما تنتشر بين الناس.

 وعدت أسأل بهاء: مين أكثر مطرب يعجبك فى أداء اللون الشعبى؟

 وابتسم بهاء تمهيداً لما سيقوله: أنا هاجاوب إجابة غير صحفية، ممكن، بمعنى أنها ليست مثيرة، ولكن ربما عاقلة، أنا ضد الوحدانية فى أى فن، يعنى فى الأغنية، لا أعتقد أن مطرب الدرجة الأولى يلغى مطرب الدرجة الثانية، وأحد الألوان الناجحة لا يلغى ألواناً أخرى ناجحة.

وتدخل عبدالحليم فى الحديث معلقاً على كلام بهاء قائلاً: أنا أحب أضيف لكلام بهاء الهام حاجة، إن أغانى الفنانين كلها بصراحة، عبارة عن أكليشيه مكرر، ولكن الشاطر اللى صوته أحسن، واللى له رصيد من الجمهور أكبر، بس.

وسئل صالح سليم: طيب إيه الطريق لتنويع الأغنية فنياً؟

قال: ده دور الإذاعة والتليفزيون، لأن ظاهرة قلة الأصوات الموجودة، ظاهرة غريبة، مع إن فرصة ظهور واكتشاف صوت جديد متاحة أو مفروض إنها متاحة بوجود الإذاعة والتليفزيون والإسطوانات.

سكت عبدالحليم ثم قال: غريبة قوى الحكاية دى.

وعلق بهاء: مطربونا الكبار متهمون بأنهم لا يقبلون على الغناء التمثيلى، لأن هذا اللون فيه مجهود فنى صعب، وليس له نفس أرباح الأغنية، يا ترى عبدالحليم عنده دفاع للاتهام ده؟

عبدالحليم: أبداً، الفنان إذا قام بعمل عمل فنى كبير لا تهم الناحية المادية، لكن هناك أصوات تصلح لتقديم هذا اللون، وأخرى لا تصلح، وأنا أقر وأعترف أن صوتى لا يصلح للغناء التمثيلى على المسرح.

واستخدم بهاء حديث عبدالحليم مهاجماً فى حب: لكن أعتقد إن فيه مطربين ممكن يكون لهم دور قيادى، ومنهم إنت..

ضحك عبدالحليم: طيب ومين تانى؟..

 بهاء: يعنى أنا سامع إن محمد عبدالوهاب بيلحن "مجنون ليلى" من عشر سنوات، لأنه مشغول بالأغانى الفردية.

قال صالح سليم معلقاً بذكاء على الأغانى الفردية: لا يوجد عندنا الأغنية الشعبية التى يمكن أن تتردد فى الاحتفالات العالمية فى الخارج.. وأكمل بهاء: أنا أوافق صالح على كلامه، فليس عندنا الغنوة التى تستطيع المجموعة ترديدها، كما أنه لا يوجد لدينا رقصة ممكن يؤديها أى شخص خلاف الراقص المحترف.

ونقلنا الحديث من الأغنية إلى الحديث عن الفيلم الغنائى.. تساءل بهاء: العجيب إن عندنا إمكانيات الفيلم الغنائى الراقص من أصوات وملحنين وفنون. و.. و.. و.. ولكن لا يوجد عندنا فيلم غنائى واحد، وأقصد فيلماً مثل "سيدتى الجميلة"، و"بائعة الخواتم"، ولست أقصد الفيلم الذى يحتوى على عدة أغانٍ.

ورد عبدالحليم قائلاً: لكن يا بهاء ده نوع من الأفلام فيه مزايا وفيه عيوب، يعنى جميل أن تقدم أغانى، لكن جايز إذا قدمت فيلماً يعتمد على الأغنية الناس تزهق، ولا إيه؟.. والدليل إن فيلم "هنرى الخامس"الذى مثله لورنس أوليفيه لم ينجح.

وقاطع بهاء عبدالحليم قائلاً: سقوط هذا الفيلم ليس هو القاعدة، فربما كان فى الفيلم نقطة ضعف، كأى فيلم عادى، ولكن هناك أفلام غنائية لاقت نجاحاً عظيماً مثل "صوت الموسيقى".

وقال عبدالحليم: لكن قل لى يا بهاء.. إيه رأيك فى صوت فيروز؟.. بهاء: أعتبرها لونا مختلفا عن الغناء العربى، لونا كسر روتينية الغنوة التقليدية، وأنا لا أفصل فيروز عن جهد الرحبانية.

عبدالحليم: تفتكر الرحبانية قدموا حاجة.

بهاء: طبعا.. الرحبانية لديهم درجة من العلمية فى التلحين مع مواهبهم، فى حين أن معظم ملحنينا يعتمدون على الموهبة فقط. عبدالحليم: طيب تأثير الرحبانية أقوى أم تأثير عبدالوهاب؟

 بهاء: مازال تأثير عبدالوهاب أقوى.

وغامرت وسألت بهاء: عبدالحليم.. إذا كانت الشهرة بمعنى الشعبية، إن كمية أكثر من الناس تعرفه، فعبدالحليم أكثر شهرة لأن الغناء ما زال منتشراً عن كرة القدم.

وسأل صالح عبدالحليم: عمرك يا عبدالحليم فكرت إيه سبب شهرتك؟ أو بمعنى أدق شعبيتك؟

 قال عبدالحليم: هو لو فيه سبب واحد كان المغنى حط إيده عليه ومشى فيه، وخلاص.. لكن.. وتدخل بهاء: شوف يا صالح، إن سبب شعبية عبدالحليم نوع الفن الذى يقدمه، الفترة اللى ظهر فيها، ثم كتابة الصحافة عنها، وصورته عند الناس، اللى خلقت رباطاً عاطفياً، وهذا الرباط موجود بالنسبة لصالح سليم.

ونقلنا الحديث من الشهرة إلى الدعاية، فسألت الأستاذ بهاء: تفتكر الدعاية ممكن تخلق فنان؟..

 وأجاب بهاء: مستحيل، صحيح إن الدعاية عنصر مساعد فى خلق الفنان ولكنها لا تستطيع أن تمكنه من الحياة طول عمره.

لكن تعتقد الدعاية خدمت عبدالحليم كام فى المائة؟

بهاء: هى الحقيقة ليست مسألة حسابية، ولكن أعتقد أن صعود عبدالحليم سريعاً نتيجة ظهوره فى فترة سبقها ركود فنى، ولكن لا أعتقد أن الدعاية ممكن تخلق فنان، خاصة أنها عندنا ليس مبالغاً فيها. وعلق صالح سليم: الدعاية ما لم يكن لها أساس لا يمكن تستمر أو يستمر الفنان، والموهبة فى الأساس والجمهور هو الحكم. وعايز أسأل الأستاذ بهاء:

يعجبك عبدالحليم المغنى أو الممثل؟

أنا يعجبنى عبدالحليم المغنى، ولست أوافق أن يكون ممثلاً فقط، بل عبدالحليم حافظ المغنى - وتدخل عبدالحليم: ليه يا بهاء، مادام فيه قصة كويسة؟

ورد بهاء: لا أعتقد أن هذا العمل ينجح جماهيرياً؟.. وضحك عبدالحليم قائلاً: لا.. دا انت بتعمل مؤثرات على الدعاية.

وأدار بهاء رأسه إلى صالح سليم يسأله: أنا كنت أحب أعرف رأيك فى ظاهرة انحراف بعض لاعبى الكرة؟..

سكت صالح ثم قال: أعتقد أن هذه الظاهرة تصيب أى شخص ليست لديه الخبرة الكافية، وتجيئه الشهرة المفاجئة.

وسأل صالح سليم: أنت تقرأ نقد النقاد، فهل هو بصفة عامة نقد موضوعى أو فيه مجاملة أو تحامل؟

يرد بهاء: معظم الفنون والآداب عندنا لديها نقادها الممتازون، لكن بالنسبة للغناء لدينا قليل من النقاد والهواة، لكن عموماً النقد النزيه قليل نسبياً. قال صالح: وبالنسبة للكرة؟.. وانشغل صالح وعبدالحليم عنا بحديث كروى، حديث لم يحاول بهاء التدخل فيه، وسألت الأستاذ بهاء: أنا أعرف أنك متحمس لدخول المرأة ميدان العمل فهل أفقدها العمل أنوثتها؟

قال بهاء: هناك امرأة تفقد أنوثتها دون أن تعمل، الأنوثة ليست معناها الجلوس أمام المرآة طوال النهار، الأنوثة هى البساطة، زائد الذكاء، زائد الثقافة.

ومر الوقت بنا، وإذا عقارب الساعة تدور إلى العاشرة، وكان الحديث ما زال شيقاً وطريفاً بين المشاهير الثلاثة، ولكنى فكرت أن بعض ضريبة الشهرة ألا يجلس الثلاثة بلا شهرة أو بلا جماهيرية فترة أطول، أم لكم رأى آخر؟


 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات

أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص