على مدار سبعة عقود، نسجت القاهرة وبكين نموذجاً في العلاقات الدولية المعاصرة، تجسد في شراكة استراتيجية راسخة لم تهزها عواصف التغيرات الإقليمية والدولية.
فمنذ إعلان العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1956، والدعم الصيني التاريخي لمصر في مواجهة العدوان الثلاثي وحرب الاستنزاف، وصولاً إلى المحطة المفصلية عام 2014 برفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة وزيارات متبادلة غير مسبوقة للقيادة السياسية، يبرز الدور المصري الصيني كركيزة أساسية للاستقرار والتنمية. وفي هذا الحوار الخاص، يفتح الكاتب الصحفي "عماد الأزرق"، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، خزانة الذاكرة الدبلوماسية والسياسية ليقرأ بدقة دلالات زيارات القيادة الصينية لمصر، ومواقف بكين الداعمة لإرادة الشعب المصري في ثورتي يوليو و30 يونيو، فضلاً عن تشابك المصالح الاستراتيجية عبر مبادرة "الحزام والطريق"، وانضمام مصر إلى تجمع "بريكس". حوار يكشف كيف تشابكت المحددات التاريخية والحضارية لتصنع مستقبلاً مشتركاً يعيد رسم خارطة التعاون الدولي جنوب-جنوب في عالم يضج بالاضطرابات.
ماذا تقول بشأن العلاقات المصرية الصينية على مدار الـ70 عاماً الماضية، وما أهم المحطات الواجب الوقوف أمامها في هذا الإطار؟
تمثل العلاقات المصرية – الصينية حالة نادرة من العلاقات الدولية، فمنذ إعلان العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين عام 1956، وعلى مدى 70 عاماً، لم تشهد العلاقات المصرية – الصينية أي إشكاليات أو توترات بل على العكس تماماً كان هناك توافق تام حيال كافة القضايا الوطنية والإقليمية والعالمية، وكان هناك تنسيقاً ودعماً متبادلاً في المحافل الدولية، ودعمت الصين مصر بقوة خاصة خلال العدوان الثلاثي على مصر، كما دعمت مصر في أعقاب هزيمة 1967 وحتى نصر أكتوبر 1973، وكذلك خلال في 30 يونيو 2013، كما أن مصر من جانبها، دعمت الصين وأيدت حقها في استعادة مقعدها الدائم في مجلس الأمن، فضلاً عن التأكيد دائماً على مبدأ الصين واحدة.
ومند عام 2014 تشهد العلاقات المصرية – الصينية تطوراً كبيراً، ويمكن القول أن هذا التاريخ يعتبر مرحلة مفصلية في العلاقات بين البلدين، وسوف يتم التأاريخ ما قبل هذا العام وما بعده، فمنذ زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي للصين في ديسمبر من هذا العام والاتفاق على رفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وقد لحق بالعلاقات تغيرات دراماتيكية في أوجه التعاون المختلفة، ويكفي القول أنه منذ هذا التاريخ قام الرئيس السيسي بزيارة الصين 9 مرات سواء في زيارات ثنائية أو لحضور اجتماعات وفعالية متعددة الأطراف، فضلاً عن زيارة الرئيس شي جين بينغ لمصر مرتين في عام 2016 والأسبوع الماضي، ولقائهما مرتان على هامش اجتماعات متعددة الأطراف في المملكة العربية السعودية وروسيا.
كما أن العلاقات المصرية الصينية خلال هذه السنوات انتقلت من الصداقة إلى الشراكة إلى مجتمع مستقبل مشترك، وهو ما انعكس كثيراً على حجم وطبيعة التعاون المشترك الذي لم يعد قاصراً على استثمارات في البنية التحتية أو الصناعة والتجارة وغيرها، وإنما امتد إلى مجالات بالغة الأهمية مثل توطين التكنولوجيا الحديثة والصناعات المتقدمة وبناء القدرات، والتعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني والصناعات العسكرية المتقدمة فضلاً عن التعاون الثقافي والإبداعي.
كيف أسهمت المواقف الصينية في تثبيت قواعد ثورتي يوليو 1952، و30 يونيو 2013؟
على الرغم من أن العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين أقيمت عام 1956، إلا أنه منذ قيام ثورة 1952، كانت هناك اتصالات وزيارات مختلفة على مختلف المستويات بين الجانبين مهدت لإقامة العلاقات ودعمت موقف الثورة سياسياً واقتصادياً، وتجلى الموقف الصيني في دعم ثورة 1952 وتثبيت أركانها في الدعم القوي الذي قدمته الصين لمصر للتصدي للعدوان الثلاثي عام 1956، وخرج ملايين الصينيين في مظاهرات بالعاصمة الصينية بكين لدعم صمود مصر في مواجهة العدوان الثلاثي، فيما دعمت الحكومة الصينية مصر في مواجهة العقوبات الغربية في حينه من خلال التوسع في استيراد السلع المصرية وفي مقدمتها الملابس والمنسوجات، فضلاً عن الدعم السياسي في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وساهمت في الضغط الدولي على دول العدوان.
أما فيما يتعلق بثورة 30 يونيو 2013 فقد تزامنت مع تولى الرئيس شي جين بينغ قيادة الصين، وأعلنت الصين انحيازها التام لخيارات الشعب المصري، ودعمها التام لتحرك الشعب المصري، وكانت الصين وروسيا في مقدمة الدول التي وقفت بقوة لدعم مصر في مواجهة الضغوط والمقاطعة الغربية التي قادتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وحرصت على دعوة الرئيس شي في كل الفعاليات الدولية والإقليمية التي استضافتها، في معارضة قوية وواضحة للموقف الأمريكي – الأوروبي.
وقامت الصين بتقديم نحو 700 سيارة شرطة كمنحة لدعم الأمن المصري وتعويض الخسائر التي تعرضت لها قوات الأمن خلال اعتداءات 2011 – 2013، ودعم قدرات الأمن المصري، كما شاركت الصين في المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ عام 2015 وكانت من أوائل الدول التي وقعت اتفاقيات تعاون مع مصر، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة. ومنذ عام 2014 استجابت الصين لكل الاحتياجات والمطالب لدعم قدرات الدولة المصرية في كافة ومختلف المجالات، وشاركت بقوة في مخططات البناء والتنمية التي تنفذها الحكومة المصرية.
ما هي دلالات زيارة الرئيس الصيني إلى مصر دون بقية دول المنطقة؟
تأتي زيارة الرئيس شي جين بينغ لمصر بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ 70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ومرور 10 سنوات على زيارته السابقة للقاهرة عام 2016، وقد جرت العادة في الزيارات الرئاسية الصينية أن تكون ضمن جولة خاصة بسبب بعد المسافة بين الصين والقارتين الأفريقية والأوروبية، كما حدث خلال زيارة شي جين بينغ السابقة عام 2016 والتي شملت مصر والسعودية وإيران، وفي عام 2013 زار تنزانيا والكونغو وجنوب أفريقيا لحضور قمة بريكس، وفي عام 2015 زار الرئيس الصيني زيمبابوي وجنوب أفريقيا للمشاركة في المنتدى الصيني الأفريقي، وفي عام 2018 زار السنغال، رواندا، موريشيوس، وجنوب أفريقيا للمشاركة في قمة بريكس وهكذا.
لكن هذه المرة تعتبر زيارة الرئيس شي لمصر فريدة من نوعها، فهي تأتي في أعقاب مشاركته في قمة منتدى شنغهاي للتعاون بالعاصمة قيرغيزستان بآسيا الوسطى، كما أنها تأتي في ظل تحديات جيوسياسية صعبة تشهدها المنطقة بأسرها، وأوضاع أمنية غير مستقرة، وحالة من التوترات تسيطر على الممرات البحرية والطرق التجارية بالمنطقة تمتد آثارها وتأثيراتها لدول العالم أجمع وفي مقدمتها الصين، ورغم كل ذلك تبقى مصر أكثر دول المنطقة أمناً واستقراراً وأكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية وللسياحة العالمية، وأكثر قدرة على تحقيق معدلات نمو إيجابية، وحريصة على المضي قدماً في خطط وبرامج التنمية والبناء، ما يجعلها شريكاً مثالياً وموثوقاً فيه ويمكن التعاون معه بقوة بما يحقق مصالح الجانبين.
ماذا عن ربط البعض بين مبادرة "الحزام والطريق" التي تسابق الصين الزمن لإنجازها وبين خطة التنمية الشاملة التي تعمل الدولة المصرية على إنجازها؟
مصر عضو مهم وفاعل في مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقها الرئيس شي عام 2013، وذلك نظراً للأهمية الجيوسياسية والجيواستراتيجية لمصر، فضلاً عن أهمية الاقتصادية والتنموية، بل أن مصر تقع على الطريق البحري من خلال قناة السويس وما توفره من موانئ عدة تساهم في تفصيل المبادرة، وكذلك الممر الاقتصادي للمبادرة، من خلال ما توفره مصر من مناطق لوجستية واقتصادية وممرات خطط تنموية طموحة.
وتلعب مصر منذ انضمامها للمبادرة عام 2014 دوراً مهماً للغاية في تفعيل المبادرة خاصة وأنها تواكبت وتزامنت مع توجه مصر لتحويل قناة السويس من مجرد ممر مالي إلى محور تنموي ولوجستي عالمي وإقامة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث سارعت الصين في إقامة "منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري الصيني - المصري" (تيدا)، فضلاً عن الاستثمارات الصينية بجميع المناطق الاقتصادية وإقامة محطات وأرصفة تشغيل بعدد من الموانئ المصرية.
كما أسهمت الصين في إطار مبادرة الحزام والطريق في دعم إنشاء العديد من مشروعات البنية التحتية خاصة المتعلقة بالربط السككي (السكك الحديدية) ومحاور الطرق وتصنيع وتوريد القطارات ووسائل النقل المختلفة.
ماذا عن الجهود التي بذلتها الصين لضم مصر إلى تجمع دول "بريكس"، وكيف أسهمت هذه الخطوة في تعزيز صمود الاقتصاد المصري في مواجهة الأنواء التي تمر بها المنطقة والعالم من حولنا؟
بذلت الصين جهوداً كبيرة في سبيل ضم مصر لتجمع بريكس، وقد بدأت تلك الجهود بمبادرة من الرئيس شي بدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي للحضور والمشاركة بقمة تجمع بريكس عام 2017 بمدينة شيامن الصينية، وحرصت الصين منذ ذلك التاريخ على دعم ومساندة خيار انضمام مصر إلى التجمع وهو ما حدث بالفعل مطلع عام 2024، وقد كان لهذه الخطوة أهمية كبيرة في دعم صمود الاقتصاد المصري، وهو ما كان له أبلغ الأثر في تعزيز مقاومة الاقتصاد المصري للتحديات المختلفة التي تعرض لها الاقتصاد العالمي بفعل الحرب الأوكرانية ومن بعد الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط، وانعكاساتها السلبية بالغة السوء من خلال تعميق التعاون مع دول التجمع خاصة الصين وروسيا والهند وغيرها من الدول الأعضاء، ويتوافق ذلك مع الهدف من نشأة بريكس والذي جاء في محاولة لإيجاد صيغة تعاونية من شأنها إحداث التوازن فيما يخص القرارات ذات الصلة بالشأن الاقتصاد العالمي ومواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، وقد شكل انضمام مجموعة جديدة من الدول ومن بينها مصر للتجمع محاولة مهمة لإضفاء المزيد من التنوع وزيادة نفوذ وتأثير المجموعة، كما أن التجمع تحول إلى إطار متعدد الأطراف كبديل لأطر قائمة مثل مجموعة السبع أو مجموعة العشرين بما يشهده من تمثيل قوى من جنوب العالم وقدرة أكبر على التعبير عن مشاكله والبعد عن سياسة الاستقطاب، وهذا هو التأثير المحتمل لتجمع "بريكس" في السياسات الدولية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
منظومة الدفع الإلكترونى تقلل أعباء المواصلات.. واستحداث فئات جديدة لسعر انتقالات المساقات القصيرة
على مدار سبعة عقود، نسجت القاهرة وبكين نموذجاً في العلاقات الدولية المعاصرة، تجسد في شراكة استراتيجية راسخة لم تهزها عواصف...
يوسف شريف رزق الله علمنى الإخراج.. وسناء منصور وضعتنى على كرسى المذيعة ماسبيرو يشهد تطويراً يليق بأول مؤسسة إعلامية فى...
حصل على جائزة «البابطنين الثقافية» عن قصيدته «حزب الضِلَّيِلْ»