لم يكن انتصار أكتوبر العظيم وليد اللحظة، بل كان نتاجاً طبيعياً لسنوات طويلة من الإعداد والتخطيط والتدريب لهذه
الملحمة الكبرى التى ضرب خلالها المقاتل المصرى أروع الأمثلة فى التضحية والفداء.
الغريب ان هذا الانتصار بدأ الإعداد له فى أحلك اللحظات، وتحديداً بعد ساعات من نكسة يونيو سنة 1967، عندما خرج الشعب المصرى فى 9 و10 يونيو ليعلن للعالم رفضه للهزيمة وتمسكه بالقتال حتى تحرير الأرض العربية المحتلة، ورافضاً تنحى الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عن منصبه. لتبدأ بعدها مرحلة تغيير قيادة الجيش فتم إسناد القيادة للفريق أول محمد فوزى، ورئاسة الأركان للفريق عبدالمنعم رياض، وهى القيادة التى أعادت ترتيب صفوف الجيش المصرى وقادته خلال حرب الاستنزاف لتضع بذلك نواة الانتصار الكبير فى 1973.
ويكشف المؤرخ الكبير الدكتور عاصم الدسوقى عن تفاصيل كثيرة حول هذه المرحلة لعل أهمها هو الدور الأمريكى فى العدوان على مصر فى 1967، وكيف نجحت حرب الاستنزاف فى كسر غرور العدو الصهيونى وإجباره على طلب وقف إطلاق النار فى عام 1970.
كما يؤكد الدسوقى أن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وضع خطة لتحرير سيناء على أن تكون ساعة الصفر فى نوفمبر من عام 1970، وهى الخطة التى جرى تعديلها وتطبيق نسختها المعدلة بعد ذلك فى حرب أكتوبر.
ماذا تقول الوثائق الغربية عن حرب يونيو 1967؟
لا يمكن الحديث عن أحداث يونيو 1967 بمعزل عن الأشهر والسنوات التى سبقتها. فما حدث فى المنطقة خلال هذه الأزمة بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، بدأ فى عام 1957 عندما وقعت مصر معاهدة دفاع مشترك مع سوريا عندما وصلت العلاقات بين سوريا وتركيا إلى حافة المواجهة العسكرية، وفوجئ العالم ذات صباح بإرسال مصر فرقة مدرعة إلى ميناء اللاذقية ومنه إلى الحدود التركية للدفاع عن سوريا. كما شهدت المنطقة صعود التيار القومى مع بزوغ نجم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وهنا تشير الوثائق الأمريكية إلى خطورة هذه الحركة القومية بقيادة عبدالناصر خاصة عندما تدخلت مصر لمساعدة الثورات العربية وحركات التحرر فى أفريقيا وآسيا، وبلغت هذه المخاوف ذروتها مع تدخل مصر لنصرة الثورة اليمنية وهو اعتبرته الولايات المتحدة خطراً كبيراً على مصالحها فى المنطقة خاصة مع تمركز القوات المصرية قريباً من منابع النفط فى الخليج العربى وقرب خطوط الملاحة الدولية فى باب المندب.
وهذه المواقف المصرية دفعت الولايات المتحدة إلى اعتماد خطة وكالة المخابرات الأمريكية (سى أى إيه) لتحطيم هذا النموذج المصرى، وقطع الطريق على أى محاولة وحدة عربية أخرى، فيما عرف بخطة "اصطياد الديك الرومى".
هل معنى ذلك أن الولايات المتحدة متورطة بصورة مباشرة فى عدوان 1967؟
بلا شك، وهذا ما تثبته الوثائق الأمريكية نفسها، صحيح أن القوات الأمريكية لم تشارك مباشرة فى العدوان على مصر لكنها شاركت عبر تقديم كل الدعم اللوجيستى لإسرائيل، وكانت السفينة الأمريكية (ليبرتى) فى البحر المتوسط تقدم كل دعم ممكن للجيش الصهيونى. الغريب أن إسرائيل فى أواخر الحرب قصفت هذه السفينة وأغرقتها وخسرت البحرية الأمريكية عشرات من جنودها وذلك بهدف طمس أدلة على ارتكاب الجيش الإسرائيلى أى جرائم لأن هذه السفينة الأمريكية كانت تسجل كل الاتصالات الصادرة من القيادة الإسرائيلية إلى وحداتها المقاتلة.
هل استخدم الطيران الإسرائيلى القواعد الأمريكية الموجودة فى المنطقة خلال العدوان على مصر؟
نعم، استخدمت إسرائيل هذه القواعد دون علم البلدان المتواجدة فيها هذه القواعد لأن شروط وضع هذه القواعد تعطى الجيش الأمريكى سلطات مطلقة فى هذه القواعد دون الرجوع إلى السلطات المحلية، وهذه أبرز العيوب فى شروط إنشاء هذه القواعد الغربية فى الدول العربية.
كيف رأت الدول الغربية نتائج حرب يونيو 1967؟
رغم أن النتائج العسكرية كانت فى غير صالح الدول العربية خلال هذه الحرب، إلا أن الدول الغربية، ووفق الوثائق المنشورة بعد ذلك، كانت تنظر لمصر ولشخص جمال عبدالناصر نظرة احترام وتقدير، خاصة بعد خروج الشعب المصرى فى مظاهرات 9 و10 يونيو الرافضة لتنحى عبدالناصر والمطالبة ببقاء الرجل فى موقعه ومواصلة القتال رغم فداحة الخسائر العسكرية.
وخلال هذه الفترة كنت موجوداً فى الخارج وكنت أشاهد الصحف الغربية وهى تعيد قراءة شخصية جمال عبدالناصر من جديد، فالرجل الذى خرج من هذه الحرب جريحاً تحمل المسئولية كاملة وقرر الخروج من السلطة لسلفه زكريا محيى الدين، كما رفض عبدالناصر الهزيمة، والخضوع لشروط إسرائيل، وهو ما ينفى صفة "المهزوم" عن عبدالناصر فالمهزوم يخضع لإرادة المنتصر وينفذ شروطه وهو ما لم يفعله عبدالناصر بل أعاد ترتيب الجيش المصرى تمهيداً لجولة جديدة من المواجهة ضد إسرائيل، بعد نكسة يونيو.
لكن هذا الموقف الشعبى فى 9 و10 يونيو يؤكد البعض أنه كان مصطنعاً ومدبراً من الاتحاد الاشتراكى؟
هذا قول خصوم عبدالناصر وهو قول مردود عليه، فلو كان الاتحاد الاشتراكى بهذه القوة فى حشد الجماهير لما نجح السادات بعدها بسنوات قليلة فى تنفيذ انقلابه المسمى "ثورة التصحيح" فى عام 1971. كما أن كثيرا من المشاركين فى هذه الهبة الجماهيرية، خرجوا من بيوتهم بملابس البيت، وبدون ترتيب أو دعوة من أحد بمجرد سماعهم لخطاب الرئيس عبدالناصر وإعلانه التنحى.
هل نجح عبدالناصر فى تصحيح هذا الخلل الكبير فى القوات المسلحة بعد هزيمة يونيو؟
نجح عبدالناصر إلى حد كبير فى إعادة ترتيب صفوف القوات المسلحة خاصة بعد تغيير القيادة القديمة ممثلة فى المشير عبدالحكيم عامر ورجاله المنتشرين فى قادة الأفرع والتشكيلات. كما نجح عبدالناصر فى نقل الجيش المصرى خلال حرب الاستنزاف إلى مرحلة ترتيب الصفوف وتجميع القوات ومنها إلى مرحلة الصمود ثم المبادرة والهجوم حتى أن إسرائيل اعترفت وعلى لسان رئيسها السابق عيزرا وايزمان وكان مسئولاً عن سلاح الطيران خلال حرب الاستنزاف، والذى يؤكد فى مذكراته المنشورة فى الثمانينيات "إن حرب الاستنزاف هى حرب هزمت فيها إسرائيل".
هل يمكن اعتبار حرب الاستنزاف "الفصل الأول" من حرب أكتوبر؟
هى بالفعل كذلك، فهذه الحرب كانت "بروفة" لانتصار أكتوبر، وخلال سنوات الاستنزاف نجح الجيش المصرى فى الوصول إلى مرحلة الاستعداد الكامل لمعركة التحرير الكبرى، ونجح الجيش المصرى فى تكبيد العدو الصهيونى خسائر بشرية فادحة، فضلاً عن تكبيده خسائر اقتصادية كبيرة وإجباره على حشد أكبر قدر ممكن من قواته فى سيناء ما يعنى الشلل التام فى المؤسسات الاقتصادية الإسرائيلية لأن معظم اليد العاملة كانت على الجبهة تقاتل الجيش المصرى.
ولأن هذه الخسائر كانت فوق قدرات إسرائيل، فقد عرضت إسرائيل على عبدالناصر من خلال وزير الخارجية الأمريكى دين راسك فى عام 1968، أن تنسحب إسرائيل تماما من سيناء وأن تعيدها إلى السيادة المصرية مقابل الاعتراف بإسرائيل وهو ما رفضه عبدالناصر ورد عليه بعبارته الشهيرة "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".
ولم يقبل عبدالناصر وقف إطلاق النار وفق مبادرة روجرز إلا لهدف رئيسى وهو تحريك حائط الصواريخ إلى قرب خطوط المواجهة غرب القناة وهو ما حدث بالفعل وتم وضع الخطة "جرانيت" موضع التنفيذ على أن تكون ساعة الصفر بعد انتهاء أشهر الهدنة الثلاثة، وتحديداً فى الأسبوع الثانى من نوفمبر عام 1970، وتصادف أن يكون هذا اليوم هو الذكرى الأربعين لوفاة عبدالناصر الذى غاب عن الدنيا بعد أن كان الجيش المصرى فى أتم الاستعداد لمعركة التحرير.
هل الخطة "جرانيت" هى نفسها الخطة التى نفذها الجيش المصرى بعد ذلك فى حرب أكتوبر سنة 1973؟
تم تعديل هذه الخطة بعد وفاة الرئيس عبدالناصر إلى "جرانيت 2" ثم تم تعديلها إلى الخطة "بدر"، وهى الخطة المطبقة فى حرب أكتوبر والتى تحدد مسافة توغل القوات المصرية فى سيناء بنحو 15 كيلومترا بينما كانت الخطة جرانيت التى أقرها عبدالناصر تؤسس لحرب تحرير شاملة لا تتوقف عند مسافة معينة بل تخطط لتقدم القوات المصرية إلى المضايق ثم تنفذ وقفة تعبوية ثم تنطلق شرقاً لتحرير كامل سيناء. وهو ما تم تدريب القوات المسلحة عليه خلال حرب الاستنزاف وحتى وفاة عبدالناصر فى 28 سبتمبر 1970، وهى الوفاة التى تحوم حولها الكثير من الشبهات وأعتقد أن السنوات المقبلة قد تكشف الكثير من الأسرار حول هذه الوفاة المفاجئة والتى غيرت وجه المنطقة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
التوعية والتحصين والتعقيم آليات استراتيجية ٢٠٣٠ للسيطرة على الزيادة العددية تزاوج الكلاب الشرسة بـ «البلدى» أدى إلى حدوث خلل فى...
ختار 50 فيلم من بين 500 يتقدمون للمشاركة فى المهرجان
مصر نجحت فى تحقيق الاكتفاء الذاتى من البروتين الحيوانى.. ولدينا فائض من الألبان وبيض المائدة للتصدير
الحى الدبلوماسى بالعاصمة الإدارية خطوة تنظيمية تعكس رؤية الدولة لتحديث العمل الدبلوماسى