عمارة: كنت "أخرِّف" فى الكلام مــع السـادات ويستمـع لى وكأننى كيسنجـر

الدكتور عبدالمنعم عمارة فى حوار خاص لـ " الإذاعة والتليفزيون " تحدث عن علاقته بالرئيس السادات عندما تم اختياره عضوا بمجلس الشعب, وعن عمله معه عندما كان رئيسا للجنة

الدكتور عبدالمنعم عمارة فى حوار خاص لـ " الإذاعة والتليفزيون " تحدث عن علاقته  بالرئيس السادات عندما تم اختياره عضوا بمجلس الشعب, وعن عمله معه عندما كان رئيسا للجنة المهجرين فى المجلس, مؤكدا أن الرئيس الراحل كان يشجع الشباب ويختار الشخصيات السياسية لمناصب الوزراء والمحافظين بعيدا عن الكوتة, وحكى عن مواقفه مع الرئيس السادات المليئة بالإنسانيات, ولفت إلى بعد نظر السادات وتنبؤه بعودة القادة العرب إلى مصر وهو ما حدث بالفعل فى عهد مبارك, وأضاف بأن السادات كان يفضل قضاء عطلته الاسبوعية فى استراحته على ضفة قناة السويس وأمر بعمل تفريعة جديدة لقناة السويس لتيسير وتسريع حركة السفن بالقناة ودعمه للعمل وحبه للوطن, وأشياء كثيرة تحدث عنها فى هذا الحوار .

عشت فترة مهمة خلال عملك أثناء حكم الرئيس الراحل أنورالسادات.. حدثنى عن  تلك الفترة؟ 

عملت مع الرئيس السادات عام  1971 عندما تم اختيارى كعضو فى مجلس الشعب عن محافظة الإسماعيلية وكان  الاختيار حينها بالتعيين بالاختيار بسبب الحروب, وتهجير المواطنون فلم تكن هناك انتخابات,  وفى عام 1974 أبلغت باختيارى محافظا للإسماعيلية  بعد حرب أكتوبر, وكانت سنى 36 سنة وكنت فرحان ومتحمسا  جدا ولكن بعدها بأسبوع  اعتذروا لى وأخبرونى أنه تم التعديل اختيار قادة الجيش الذين شاركوا فى الحرب, وزعلت حينها, ولكن فى نوفمبر عام 1978 عينت  محافظا للإسماعيلية, ومكثت بالمنصب 12 سنة, وعملت مع السادات 3 سنوات من 1978 حتى  وفاته عام 1981  وكنت قريباً جدا منه لأنه كان يقضى عطلة نهاية الأسبوع باستراحته بالإسماعيلية  أسبوعيا وكان معه عثمان أحمد عثمان وكان يطلبنى لوحدى للحديث معه ولى مواقف كثيرة معه, وكان يشجع  الشباب و كان  سعيداً بى كشاب لأننى رفعت رأسه من خلال أدائى السياسى  عندما كنت رئيس لجنة المهجرين فى مجلس الشعب والتى كانت تختص بكل شئون المهجرين فى مصر فى تلك الفترة .

 حدثنى عن  تلك المواقف وأهم ذكرياتك  مع الرئيس السادات؟

تعرضت لموقف حساس وحرج جدا بالنسبة لى أمام الرئيس السادات, فهو كان دايما يصلى صلاة الجمعة فى مسجد بالمستشفى القريب من هيئة قناة السويس, وكان المفروض أننى كمحافظ أتواجد بالمسجد قبل وصول رئيس الجمهورية بنصف ساعة على الأقل لأكون فى استقباله وبالترتيب مع الحرس الجمهورى, وكنت بمكتبى بالمحافظة وكان من المفروض يكلموننى قبل تحركه إلى المسجد بوقت كاف لأتوجه قبل وصوله, ولكن لم يكلمونى, ولم أتصل بهم وفوجئت باتصال من الرئاسة يقول لى إن الرئيس السادات موجود بالمسجد, فقلت لنفسى أنا أروح أجمع هدومى ومتعلقاتى الشخصية وأترك المكتب وأذهب إلى بيتى لأنه من العيب أن يذهب الرئيس إلى المسجد ولا أكون فى استقباله بروتوكوليا, ولو كان هذا الموقف حصل مع الرئيس عبدالناصر كان ممكن لا أظهر مرة أخرى, ولكن أحد أفراد مكتبى قال لى .. يا أفندم روح المسجد للرئيس إيه المشكلة وإيه اللى ممكن يحصل يعنى, وبالفعل ذهبت إلى المسجد وأنا فى قمة الكسوف والخجل وأمشى على استحياء ووصلت إليه ،وكان الخطيب يقرأ قرآن الجمعة وقارب على الانتهاء, ووصلت إليه حيث يجلس وهمست إليه قائلا : يا سيادة الريس انت جيت بدرى ليه؟ وفوجئت به يطبطب عليا ويفسح المكان لى لأجلس بجواره وقال لى أقعد يا عبدالمنعم أنا جاى أسمع الشيخ "أحمد نعينع" وهو يقرأ القرآن, وحتى تلك اللحظة كل ما التقى الشيخ " نعينع"  أقول له أنت اللى أنقذت حياتى, هذا الموقف يدل على انه كان إنسانا لا يعنيه برستيج الوظيفة, وهناك موقف آخر كنا فى استراحته نمرة 6 على ضفاف قناة السويس  وتطل على بحيرة التمساح, وكان موجودا المهندس عثمان أحمد عثمان والمهندس مشهور أحمد مشهور رئيس هيئة قناة السويس حينها, ونظر إلى البحيرة وكانت المراكب واقفة فسأل رئيس هيئة  القناة  "ليه المراكب واقفة فى البحيرة؟"  ولما عرف ان السبب أن القادم من بورسعيد لازم ينتظر القادم من السويس لكى يمر, فقال له "اعمل تفريعة ثانية" بالفعل اتعملت تفريعة جديدة, وكان قراراً عبقرياً منه ساهم فى تسهيل وزيادة حركة عبور السفن والمراكب بقناة السويس وتقليل زمن الانتظار, وموقف آخر كان الرئيس فى الإسماعيلية خميس وجمعة, وكانت هناك مباراة كرة قدم بين النادى الأهلى والإسماعيلى وشهدت المباراة أحداث شغب وضربا فى الملعب ولم تستكمل المباراة ونزلت أهدى فى الملعب,وطبعا عرف وسمع بما حدث,  وفوجئت بمكتبه يطلبنى  بالليل للحضور لمقابلة الرئيس وذهبت  إليه وأنا خايف وقلت لنفسى خلاص بقى "بسبب اللى حصل فى الماتش دا أنا هروح بيتنا والرئيس هيمشينى", ولما وصلت إليه, فوجئت به يقول لى "إيه يا عبدالمنعم اللى حصل؟" فقلت له "يا ريس أزمة فى الملعب  بسبب الجماهير وحاولت أهدى", فقال لى "بس خلاص خد بالك وماتعملوش كدا تانى", هذا فى الوقت الذى كانت الشوارع  فيه بالإسماعيلية مولعة والناس بتضرب بعضها بالطوب, وهذا يؤكد أن السادات كان راجل بديع.


 هل كان الرئيس السادات يستمع إلى مرءوسيه جيدا؟

- السادات كان شيك فى تعاملاته بشكل عام وله هيبة, ومن خلال اقترابى منه أشهد أنه كان  يستمع جيدا لى,رغم أننى   كنت أخرف أمامه فى الكلام أحيانا ولكنه كان يستمع لى  وكأن كسينجر يتحدث أمامه, وكان يعطى توجيهاته  لى بحب  وكان ينصحنى دائما  ومازلت متأثرا جدا به, ورغم أنه لم يكن وسيما فإن مظهره كان راقيا ومشرفا بطلته وشياكته وطريقة كلامه وإمساكه للبايب والناس كلها كانت بتحبه فى الإسماعيلية وغيرها من المدن  .

 ما أهم مميزات أسلوب الرئيس السادات  فى إدارته لشئون الحكم؟

كان يهتم بالشباب جدا ويختار السياسيين ويعينهم فى المناصب مثل عبدالحميد رضوان  وجلال أبو الدهب وغيرهم..  ومن أهم القرارات التى اتخذها تعيين محافظين من أبناء الأقاليم فى محافظاتهم, وعمل قرارا بمساواة المحافظ بالوزير بعد أن كان المحافظ بدرجة نائب وزير, وهو الذى قال إن المحافظ له صلاحيات رئيس الجمهورية فى محافظته, كما كان السادات له طريقته فى اختيار الوزراء والمحافظين بعيدا عن أساليب الكوتة ولم يشترط فيمن يشغل المنصب أن يكون شرطة أو جيشا أو قضاة أو أساتذة جامعة, فلم يكن ينظر إلى المسميات, ولكن كان يختار الشخص الكفء الذى يستطيع أن يحقق الأهداف والإنجازات المطلوبة منه فى المكان المحدد له .

 لماذا كان يختص الإسماعيلية بقضاء عطلته الاسبوعية  بها؟ 

فى تصورى أن سبب وجوده فى الإسماعيلية  فى استراحته التى تطل على القناة ليتذكر دائما أن القناة كانت مغلقة وهو الذى افتتحها بعد حرب أكتوبر 1973, وعمل حفلا اسطوريا بتسيير يخت المحروسة من الإسماعيلية إلى بورسعيد وأعلن للعالم كله أن قناة السويس افتتحت, وهذا  أعطى دفعة كبيرة كشريان للتجارة الدولية, وأدخل للبلد عملة صعبة من عوائد القناة, وبعد أن أمر بعمل التفريعة الجديدة وأعطى للعالم كله انطباعا عن القناة وتشجيع حركة النقل بها ووجوده ساهم فى إحداث نقلة كبيرة بها وكان يتابع حركة السفن من استراحته أمام بحيرة التمساح وبالإضافة إلى ذلك كان يحب الجلوس أمام قناة السويس  لكى يشاهد سيناء على الضفة الأخرى وهى جزء غال بالنسبة لمصر كما أنه كان ضابطا خدم لفترة فى سيناء ومن هذا المكان يرى ذكرياته أثناء الخدمة والحرب, وكان يأتى برؤساء الدول إلى الإسماعيلية, وكان هذا جيدا جدا وعند توجهه إلى إسرائيل ركب من مطار أبو صوير بالإسماعيلية, وأدار عملية مفاوضات السلام من الإسماعيلية, وفى إحدى المرات طلبت منه أن تكون الإسماعيلية عاصمة لمصر فوضع البايب فى فمه ونظر إلى بتركيز شديد وابتسم ولم يعلق .

 ما قصة انعقاد مجلس المحافظين فى مكتبك بالإسماعيلية بحضور السادات؟

كان عندى مشكلة مع جهة ما, وكتبوا ضدى  تقريرا"كاذبا" واستدعانى الرئيس السادات إلى مكتبه, وذهبت إليه وطلب من أحمد سرحان  شفيق محافظ بورسعيد حينها قائلا هات التقرير اللى مكتوب فى عبدالمنعم عمارة, فاحضره له, فقال له الرئيس قطع التقرير "وارميه" فى الزبالة, هذا الموقف  يعطى دفعة كبيرة فى العمل, وكان يقول لى اعمل اللى أنت شايفه, وقرر عقد اجتماع مجلس الوزراء فى محافظة الإسماعيلية, وجمع المحافظين فى مكتبى

 ما حكايتك مع شاى  الرئيس السادات؟

يضحك كثيرا ويقول: الريس لما كان يحضر إلى الإسماعيلية يوم الخميس من كل أسبوع  كنت استقبله على مهبط الطائرة الهليكوبتر أنا والمهندس عثمان أحمد عثمان والمهندس مشهور رئيس  هيئة القناة وكان بيجيب لنا معاه الشاى بتاعه, وأنا كنت مش بحب أشرب الشاى, ولو شربته " أرجع " ومع ذلك الريس كان يقول لى خد الشاى ده " واشرب ", وفى تلك الأثناء ونحن جالسون معه جاءت له مكالمة تليفونية من " حسنى مبارك " نائبه فى ذلك الوقت, فشاورنا له أننا سنخرج حتى لا نسمع حديثه فى التليفون, فقال اقعدوا, وكان بيحكى له عن نجاحه فى  المهمة التى أرسله من أجلها  لإنهاء مشكلة بين الجزائر والمغرب وبعد انتهاء المكالمة أكرر ما قاله الرئيس السادات لله وللتاريخ, فقال لنا : يا جماعه حسنى مبارك هيبقى رئيس جمهورية" هايل ". وأضاف: اللى عمله أنا بخبراتى ماكنتش أعمل اللى عمله  حسنى, وكان سعيدا جدا به,  وله دور كبير فى الحرب  وتحدث عن نجاحه فى حل المشكلة وقال لولا حسنى مبارك كانت  الجزائر والمغرب هيحاربوا بعض  وأثنى عليه بأنه هدأ الأطراف وحل المشكلة.

 كمحافظ عملت معه وبصفتك  أستاذا فى علم النفس..  ما قراءتك لشخصية الرئيس السادات؟

كنت استمتع جدا بأحاديثه وبخبرتى وبحكم دراستى فى علم النفس والاقتصاد والعلوم السياسية كنت أحلل وأستمع جيدا لما يقوله وكنت مع الرئيس السادات "مسحوبا من لسانى", وبعد أن ابتعد عنا القادة العرب بعد إتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل, فقلت له "يا ريس ما نهدى شوية مع الدول العربية", فرد الرئيس على كلامى قائلا : يا عبد المنعم العالم العربى يمر بمخاض, والدنيا هتتغير فى العالم العربى قريبا وكلهم هيرجعوا إلى مصر, وهذا ما حدث كل الرؤساء العرب رجعوا إلى مصر بالفعل فى عهد حسنى مبارك, وهذا يدل على حكمته وعقليته وتنبؤ بما سيحدث, بدليل أن هناك تغيرات حدثت وآخرها ما حدث منذ سنوات قليلة بسبب ثورات الربيع العربى, وأذكر أننى عندما كنت فى أمريكا فى الجامعة التى تخرج فيها بيل كلينتون كان هناك بحث يتحدث عن الإجابة على سؤال حول ما توقعاتك للعالم فى القرن القادم, والتنبؤ السياسى مش أى حد يفهم فيه, والسادات كانت نظرته ثاقبة وتفكيره يسبق عهده وتنبؤاته تحدث فى العالم كأنه يتحدث عن الواقع الحالى.

 هل تحدث السادات أمامك عن أحلامه لمصر؟

كان صاحب رؤية وبعد نظر وقراراته كانت عبقرية وفكره ودهاؤه مكنه من تحرير الأرض وتحقيق السلام لتجنيب الوطن مخاطر الحرب ولو سمع العرب كلماته لما حدث ما تمر به القضية الفلسطينية حتى الآن, ومن عبقريته أنه كان يحلم لبلده وكان ينظر إلى سيناء ولديه نافورة أحلام لتعميرها فقسمها إلى ثلاثة أقسام، الأول شريط طويل يتبع بورسعيد, والثلث الثانى يتبع الإسماعيلية والثلث الأخير يتبع السويس, وهناك من يقول إن الرئيس السيسى يشبه الرئيس عبدالناصر فى الفكر, ولكننى أقول إن الرئيس السيسى يشبه الرئيس السادات, وأفكارهما متقاربة فى حلم تغييرالواقع وكلاهما يسعى إلى تعمير سيناء وخلق واقع جديد, وأن منهجية التفكير بين السيسى والسادات واحدة من حيث التفكير فى المستقبل  ووجود نافورة الأحلام ومراعاة أبعاد الأمن القومى والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة, ومن حيث الحرص على العلاقات وحرص السادات على العلاقات مع الشيخ زايد والإمارات وحرص أيضا الرئيس السيسى على العلاقات الأخوية مع الإمارات والسعودية وغيرهما وأن الشراكة الاستراتيجية مع أمريكا منذ عهد السادات قائمة وهكذا وتحس أن هناك تشابها فى مستوى التفكير, وعلشان كدا أنا بحب الرئيس السيسى لأن لديه مميزات كثيرة ورؤية ثاقبة ومنهجية فى التفكير السليم لمستقبل مصر.


 	عادل خفاجي

عادل خفاجي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

الإذاعى سعد القليعى: قضيت 30 سنة عاملاً ومتعلماً فى «أكاديمية ثقافية»

صممت على الانضمام للبرنامج الثانى بعد اختيارى فى «صوت العرب» اغرورقت عينا الأبنودى بالدموع وصوته تحشرج على الهواء بعد مقدمتى...

دينا عبدالمجيد: كنا أول من قدم الكتب الصوتية

الثقافة للجميع وليس النخبة فقط ليس لدينا أدوات كافية للتطوير ولا الدعاية اللازمة.. ونحتاج تسويق برامجنا نعتمد فى % 70...

أحمد حاتم: «الكلام على أيه ».. كوميديا جريئة

الفيلم يشجع على الزواج

النائب محمود حسين طاهر: تحريك الاسعار لم يُعرض علينا.. ودورنا تقييم الأراء

شركات الاتصالات مطالبة بتحسين الخدمة.. وسنحاسبها برلمانياً على زيادة الأسعار «الإنترنت» لم يعد رفاهية.. والدولة تعمل حالياً على مشروع ضخم...