الإذاعى سعد القليعى: قضيت 30 سنة عاملاً ومتعلماً فى «أكاديمية ثقافية»

صممت على الانضمام للبرنامج الثانى بعد اختيارى فى «صوت العرب» اغرورقت عينا الأبنودى بالدموع وصوته تحشرج على الهواء بعد مقدمتى عنه

الإذاعي والكاتب سعد القليعي أحد أبرز أبناء وكوادر البرنامج الثقافي... تجده حاضراً في كل إبداع، وفاعلا في كل أنواع الإنتاج الثقافي والإبداعي من مسرح وقصة وشعر ونقد ودراما مصريا وعربيا وعالميا خاصة الدراما التي تميزت بها الإذاعة العريقة. لم يهجر المكان رغم هجرة معظم كفاءاته مع توقف الإنتاج الدرامي.

وظل محاولاً ودافعاً لتقدم البرنامج الثقافي، ومدافعا عنه، حتى قال إنه لم يندم على الالتحاق به عن مشواره ومسيرته مع البرنامج الثقافي حاورتاه.

كيف كانت بداية التحاقك بإذاعة البرنامج الثقافي؟

ما دار بخلدي مطلقا أن أعمل بالإذاعة. كنت أعد نفسي لأن أكون شاعرا وكانيا.

وعملت شهورا قليلة بعد تخرجي بالصحافة، ثم لظروف وتفاصيل يضيق عنها المقام التحقت بالإذاعة المصرية بعد مسابقة عامة أعلن عنها في الصحف وتقدم لها المئات، ومنذ علمت أنني من ضمن الذين نجحوا ووقع عليهم الاختيار سألت أساتذتي وزملائي عن المكان الأنسب لي بالإذاعة، فقضيت أيام أفكر وأبحث إلى أي مكان أنجم وبعد نصائح من أساتذتي وزملائي من المثقفين، وبعد بحث ذاتي وتفكير توصلت إلى أن المكان الأنسب لي هو إذاعة البرنامج الثاني، التي كان قد تغير اسمها للبرنامج الثقافي وحين ذهبت لتسلم العمل وجدتهم وزعوني إلى إذاعة صوت العرب قالوا لي إن التوزيع يتم بناء على الحاجة ولا اختيار فيه لكني لم أستسلم للحظة الإحباط، وهداني تفكيري الفكرة كنت قبل تاريخ تعييني بشهور فزت بجائزة الدكتورة سعاد الصباح في الإبداع الشعري، وكان ممن سلموني الجائزة الشاعر فاروق شوشة رحمه الله وكان رئيس الإذاعة حينها، وقد التقطت لي صورة معه، فأخذت الصورة وذهبت لمكتبه، وطلبت لقاءه، ودخلت المكتب وأخرجت الصورة التي تجمعني به واطلعته عليها، وذكرته بالمناسبة التي التقطت فيها، فتهلل وأبدى سعادة كبيرة بأن يكون من بين المعينين الجدد شاعر حصل ديوانه الأول على جائزة عربية.

ثم سألني عما أريد، فقلت له إنني أريد أن أعمل بالبرنامج الثقافي لا في غيره فاندهش واندهش الحاضرون لأن البرنامج الثقافي لحسن حظى كان من الأماكن التي يهرب منها الإذاعيون املة جماهيريته وعدم معرفة الناس به أثنى على الرجل، وقال لي هذا هو مكانك فعلا ثم طلب الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة رحمه الله الذي كان مديرا لإذاعة البرنامج الثقافي وقتها. وبلغه بالأمر المدهش، ورحب بي أبوسنة وأخبرني بأنه يعرفني وقرأ لي بعضا مما كنت أنشر بالصحف والمجلات الأدبية، ثم أهداني نسخة من ديوانه الأخير، وكتب عليها "إهداء إلى الصديق الشاعر والزميل الإذاعي، فكان لهذا الإهداء وقع على نفسى لا يقل عن وقع خبر النجاح والتعيين، وقال لي الرجل جملة بعد أن وقع أوراقي: ستشعر بهذا الاختيار بعد أن تمر السنين بأن عمرك لم يضع هدرا .. وهذا ما تحقق.

ما الذي أضافه لك عملك مع كبار قامات العمل الثقافي الإذاعي ؟

حين التحقت بالعمل، وبدأت الحضور للمكتب والتعرف على الزملاء كنت اظننی قطعت شوطا في تحصيل الثقافة ومكوناتها، لكنني اكتشفت بعد أيام قلائل أنني ما زلت أحبو وأنني على شاطئ الثقافة والتحصيل وتكوين وجهة النظر والموقف وجدتني بين أساتذة كبار كان الكاتب والمترجم والمسرحي الكبير الشريف خاطر رحمه الله قد أحيل للتقاعد منذ شهور لكنه كما كانت عادة الإذاعة مع كل أبنائها ما زال يعمل ويقدم برامجه العظيمة. مثل ندوة المسرح والسينما، وتعرفت من خلال ضيوفه الكبار من المسرحيين والنقاد وأساتذة المعاهد الفنية على هذا العالم الرحب، وبدأت أقرأ فيه بتشجيع ودعم منه، وكان المخرجون احمد سليم وعصام العراقي ورجب الحلواني رحمهم الله، يواصلون العمل في نقل تراث المسرح العالمي وروائعه.

ومنجزات أحدث اتجاهاته، بعد أن يوكلوا إلى كبار المترجمين، ممن يعملون معهم ترجمتها.. وكنت لصيقا بكل هؤلاء اتعرف من خلالهم على عوالم لم أكن أعرفها

كيف كان حال الإنتاج الدرامي الذي تميزت به الشبكة في ذاك الوقت ؟

كان البرنامج الثقافي ينتج حوالي ثماني ساعات دراما أسبوعيا، علاوة على الدراما التراثية المعروفة، وكان في الثقافي كل من الكاتب والمترجم شوقي فهيم رحمه الله والإذاعية ليلى مندور - ابنة الناقد الكبير محمد مندور

والشاعرة ملك عبد العزيز - والمترجم والكاتب محمد إسماعيل أمد الله في عمره والإذاعية المثقفة فاطمة الزهراء وسكينة سالم، وسامي صدراك والزميلين المثقفين ممدوح عبد العليم رحمه الله، وعمرو الشامي من الله عمره والمترجمة إيناس الغريني والناقدة والكاتبة نجوى وهبي رحمها الله، وعلى رأسهم طبقا محمد ابراهيم أبوسنة. كنت بين هؤلاء وفي الأجواء التي يصنعونها في أكاديمية ثقافية، وشتان بين ما كنت عليه قبل دخولها وما صرت إليه بعد ذلك، وكلما مرت السنون أتذكر ما قاله الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة في أول لقاء يتردد في خاطري، وأهز رأسي مؤمنا وأقول "حقا".. وأترحم عليه

هل كانت بدايتك بالبرنامج الثقافي في الكتابة الدرامية؟

من خلال البرنامج الثقافي توزعت بين كل المنتوجات الثقافية والإبداعية من مسرح وقصة وشعر ونقد ودراما مصريا وعربيا وعالميا، بدءا من أرسطوفان وسوفوكليس وبوريبيدس. وحتى موليير وبريخت و دورينمات وجوته وشكسبير، وتعرفت على الفريد فرج، وسعد وهبة وسعد الله ونوس وفي جنبات إذاعة البرنامج الثقافي التقيت وجها لوجه مع الدكتور أحمد زكي المسرحي الكبير والدكتور شوقي ضيف وكمال بشر ورفعت الفرنواني ومحفوظ عبد الرحمن والدكتور حسن طلب والدكتور رفيق الصبان وفاروق خورشيد والدكتورة نجاة على والفنانة سهير المرشدى وعبد الغفار عودة وعبد المنعم مدبولي وأشرف عبد الغفور وكتيرين في كل مجالات الفن والثقافة يستعصون على الحصر

كانت مصر بروادها ضيوفا على البرنامج الثقافي؟

أكيد. وقد حاورت كبارًا من أمثال الحال الأبنودي والكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة وحمدي قنديل والدكتور عبد المنعم تليمة والدكتور عبد الوهاب المسيري وعمار الشريعي وسيد حجاب والكتاب الكبار عبد الوهاب الأسواني ومحمد مستجاب ومحفوظ عبد الرحمن وكتيرين يصعب حصرهم أيضا، وما من واحد من هؤلاء الأفذاذ ممن قابلتهم وحاورتهم أو سمعت منهم على مدى ثلاثين عاما كاملة إلا وتعلمت منه شيئا. وها أنا بعد ثلاثين عاما كاملة، قضيتها عاملا ومتعلقا في إذاعة البرنامج الثقافي، تبرق في رأسي ذكريات كالوميض محاطة بكل الامتنان لهذا المكان الجليل ولكل من وضع ابنائه الأساس، ولكل من لقيتهم فيه، والأقدار الرحيمة الحكيمة التي ساقتني إليه.

ما المواقف التي حدثت لك مع ضيوفك ولا يمكن نسيانها ؟

أتذكر أن الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي - وأنا بالمناسبة بلدياته -وكان يعيش في حينها بالإسماعيلية ونظرا لظروفه الصحية وانشغالاته كان يرفض كل دعوات الاستضافة بالإذاعة والتلفزيون. كان ذلك ربما في 2005، وكانت القنوات الخاصة ظهرت بما توفره لضيوفها من مقابل وتكريم بإرسال سيارة ولم لكن الإذاعية تعطى مقابلا للاستضافة ولا توفر سيارة، فكنا نعتمد على علاقاتنا ومحبة الناس لنا، لكنني الححت عليه فوافق بعد أخذ ورد كثير.. أذكر من بين حيلي أنني أرسلت إليه بعض أشعاري بالعامية، وأظنه كان ينشر في الأهرام مذكراته "أيامي الحلوة. المهم حين جاء إلى استوديوهات الإذاعة بالدور الثاني بمبنى ماسبيرو، التف حوله كثير من الزملاء من معدى البرامج ومقدميها.

وأشهروا الكاسيتات ليسجلوا معه ولو كلمات قليلة، مما اضطرني لأن أدخله للاستراحة الداخلية بالاستوديو، حتى يستريح ويستعد لحلقة الهواء، وحين بدأت تقديمه قلت ما فتح الله به على ساعتها، وكان مما قلته: إن كان بيرم التونسي قد استخرج الشعر العامية المصرية شهادة الميلاد الموثقة، ثم جاء فؤاد حداد لمنحه البطاقة الشخصية وشهادة بلوغه سن الرشد، فإن الأبنودي قد استخرج له جواز السفر الدبلوماسي ليتجاوز الحدود ويستقبل في صالات كبار الزوار ويكون في استقباله الحكام ... ثم التفت إليه الأرحب به كما هي العادة. فوجدته قد اغرورقت عيناه بالدموع وحين بدأ الكلام كان صوته يتحشرج. دليلا على أن ما ظننته كان صحيحا وحين انتهت الحلقة حاولت أن استفسر عما انتابه فقال لي: "أثر في أن أرى واحدا من أبناء الناس البسطاء الذين حملت أصواتهم وجئت إلى القاهرة. وهم يرونني ويقدرونتي التقدير الذي احسست به في مقدمتك".

ومن الذكريات التي لا أنساها أنني استضفت المفكر الكبير الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري، وكان قادما من مظاهرة أمام بوابة نقابة الصحفيين كان الحراك والفعاليات السياسية والفكرية في حينها على أشدها، وكان الرجل مريضا يقاوم مرضه العضال فجاء إلى الاستوديو متعبا، مما اضطرنا لأن نطيل الفواصل الموسيقية حتى لا تجهده في الكلام، وفي أحد الفواصل وقفت واستدرت وفتحت الباب الخارجي الأدخل له مشروبا وحين التفت وجدته فرش على أرضية الاستوديو سجادة وقد دخل في الصلاة

كيف يعود البرنامج الثقافي

السابق عهده؟

الحقيقة، وليعذرني من ينزعج، أن الأحلام تقلصت أو تواضعت كثيرا. كنت في البداية أتمنى أن نضيف إلى هذا الصرح الذي أسسه الآباء المؤسسون ووضعوا له أهدافه بوعيهم ورؤيتهم النافذة، فكان البرنامج الثقافي أو الثاني وحين دارت الأيام دورتها. وارتطمت رؤوس الأحلام بجدران الواقع، صرت أتمنى أن نحافظ على هذا المنين وعلى دوره في الحفاظ على الثقافة التي هي مكون الهوية ونواتها الصلية، وأن تسلمه كما تسلمناه، أما الآن وزهور الأحلام تحت أقدام الواقع والظروف وأظلافها الثقيلة، فإنني أشد على أيدي العاملين من زملائي في كتيبة المثقفين وحملة الوية الإعلام الثقافي القابضين على جمر الواجب وتأدية الأمانة وخدمة الوطن من خلال خدمة المواطن، والعمل على تنمية روحه وعقله ووجدانه، أحد على أيديهم وأرفع لهم راية الإجلال والتقدير ليستمروا في أداء واجبهم، والسير على درب من ساروا بمشاعل التنقيف والتنوير والفن والإبداع، وليجعلوا من هذا السير وهذه المواصلة هدفا وغاية في ذاتها، ولعل من الصالح أن أتمثل سطور الشاعر الكبير أمل دنقل

"أم. ما أقسى الجدار

عندما ينهض في وجه الشروق

ربما تنفق كل العمر كي تنقب ثغرة ليمر النور للأجيال.. مرة".

 	أميرة حمدى

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

دينا عبدالمجيد: كنا أول من قدم الكتب الصوتية
سعد

المزيد من حوارات

الإذاعى سعد القليعى: قضيت 30 سنة عاملاً ومتعلماً فى «أكاديمية ثقافية»

صممت على الانضمام للبرنامج الثانى بعد اختيارى فى «صوت العرب» اغرورقت عينا الأبنودى بالدموع وصوته تحشرج على الهواء بعد مقدمتى...

دينا عبدالمجيد: كنا أول من قدم الكتب الصوتية

الثقافة للجميع وليس النخبة فقط ليس لدينا أدوات كافية للتطوير ولا الدعاية اللازمة.. ونحتاج تسويق برامجنا نعتمد فى % 70...

أحمد حاتم: «الكلام على أيه ».. كوميديا جريئة

الفيلم يشجع على الزواج

النائب محمود حسين طاهر: تحريك الاسعار لم يُعرض علينا.. ودورنا تقييم الأراء

شركات الاتصالات مطالبة بتحسين الخدمة.. وسنحاسبها برلمانياً على زيادة الأسعار «الإنترنت» لم يعد رفاهية.. والدولة تعمل حالياً على مشروع ضخم...