قضية حياتهم الأولى والأخيرة والتى عاشوا من أجلها خمسين عاماً، وعلى استعداد لأن يعيشوا مثلها، فى سبيل اعتراف رسمى من الدولة أن عائلهم المشير عبدالحكيم عامر لم يمت
قضية حياتهم الأولى والأخيرة والتى عاشوا من أجلها خمسين عاماً، وعلى استعداد لأن يعيشوا مثلها، فى سبيل اعتراف رسمى من الدولة أن عائلهم المشير عبدالحكيم عامر لم يمت منتحراً، وإنما مات مسموماً بفعل فاعل، كما أكد ذلك كل من خبير السموم محمد على دياب، وأستاذة الطب الشرعى د.خديجة عبدالفتاح مصطفى، ولكن جهود أسرة المشير عامر لكشف الحقيقة كانت تصطدم دائماً بالصمت الرسمى أو الغضب الرئاسى الذى عبر عنه الرئيس مبارك لجمال عبدالحكيم عامر، الذى يكشف لنا فى حواره الذى اختصنا به - مدعماً بالوثائق - عن خفايا الأحداث التى عاشها وكان شاهداً عليها منذ رحيل عائلهم المشير عبدالحكيم عامر فى 14 سبتمبر 1967.
سألته فى البداية: كيف كان موقف الرئيس عبد الناصر من أسرة المشير عبدالحكيم عامر بعد رحيله المفاجئ؟
لجأنا إلى مقابلة الرئيس جمال عبدالناصر بعد أن ضاقت بنا الحياة، ولم نعد نجد ما ننفق منه على أنفسنا، حتى أن زوج أختى آمال، وهو الطيار حسين، شقيق عبدالناصر تم إحالته إلى المعاش المبكر وهو لا يزال فى الثلاثينات من عمره دون ذنب جناه سوى أنه زوج ابنة المشير، حتى أنه اضطر تحت ضغط الحياة إلى شراء تاكسى وتأجيره خفية عن عيون الرقباء الذين كانوا يتابعون تحركاتنا طوال الأربع والعشرين ساعة، حتى لا تتم مصادرته، رغم أنه لا حول لنا ولا قوة، فقد وصل التنكيل بنا إلى مداه، إلى درجة أنه كلما بحث حسين عبدالناصر عن عمل يقال له: لا نستطيع إلا بعد موافقة الرئيس، مع أن الرئيس هو الذى رباه، وعاش فى بيته كأحد أبنائه، ولم يعجب هذا الوضع، والد الرئيس عبدالناصر وكان رجلاً طيباً، فطلب منه مصالحة أخيه حسين، فوافق على أن يأتيه إلى منزله بمنشية البكرى، وفوجئ بتفتيشه فى مكتب سامى شرف قبل دخوله على أخيه، فاعتبرها إهانة له، وعاد غاضباً، ولما علم والد عبدالناصر بما حدث- وكنا فى رمضان- غضب هو أيضاً وغادر منزل ابنه صائما، عائداً بالقطار إلى الإسكندرية.
واجتمعت الأسرة لتقرر ما الذى يجب أن تفعله للخروج من الضائقة المالية التى أمسكت بخناقنا، وقررنا أن نطلب مقابلة الرئيس عبدالناصر، وتحدد لنا موعد فى اليوم التالى مباشرة، وذهبت أنا وأختى آمال التى كانت علاقتها بالرئيس تسمح لها بأن تحدثه وتناقشه دون حرج، ووجدت نفسها تتحدث بحرقة ومرارة عما حدث لوالدنا المشير، فقالت للرئيس: لماذا تركتهم يفعلون به ما فعلوه به، لماذا لم تمنعهم؟۔۔ الخ.
والرئيس يستمع بدهشة كأنه يسمع ما حدث للمشير لأول مرة.
وأردت تهدئتها، خاصة أن الحديث فيما مضى لم يعد يجدى، فقمت بتحويل مجرى الحديث، فقال لى الرئيس: طلباتكم.
فقلت له: إذا كان المشير عبدالحكيم عامر قد خدم الوطن ويستحق معاشاً، فلتعطوه معاشاً.. فقال الرئيس: الطلب اللى بعده.. فقلت: نريد السيارة التى سحبوها منا.
فقال الرئيس: الطلب اللى بعده.. فقلت: لا نريد شيئاً غير ذلك..
وأمر الرئيس عبد الناصر بمنح أسرة المشير معاشاً قدره مائتى جنيه، وأعطانا ثلاثة سيارات لاستعمالنا الشخصى.
هل اختلفت المعاملة فى عهد الرئيس السادات؟
بعد توليه رئاسة الجمهورية طلبنا الرئيس السادات للقائه فى المعمورة بالإسكندرية، وكان لقاءاً عائلياً قال لنا خلاله إن بيته مفتوح لنا بغير موعد، وأخذ علينا عهداً أن يكون حاضراً وشاهداً على كل من يتزوج من أسرة المشير، حتى أنه صمم أن يكون حفل زفاف أخى وأختى فى استراحته بالقناطر الخيرية، فقلنا له إن أهلنا من المنيا سيتكبدون مشقة المشوار وقد يتوهون، فوافق على إقامة حفل الزفاف فى بيتنا وحضره وكان شاهداً عليه، وأوجد لحسين عبدالناصر زوج أختى أمال وظيفة بوزارة الطيران المدنى۔۔ الحقيقة أنه تعامل معنا بود بالغ.
نأتى إلى عهد الرئيس حسنى مبارك.. كيف عشتم عصره؟
كان عصر الرئيس مبارك عصراً صعباً بالنسبة لنا، ولم نتوقع أن يطردنا من بيتنا الذى أقمنا فيه مع والدنا، صحيح أنه بيت خصصته الدولة له للإقامة فيه، ولكن أن يصل الأمر إلى أن يطلب إخلاءه، فهذا آخر ما كنا نفكر فيه، ولم يكن لنا بيت جاهز آخر ننتقل إليه، فقد قمنا بإيجار شقتنا المؤجرة أصلا لنستعين بإيرادها على قسوة الحياة التى تعرضنا لها، وفوجئنا بمالكها شقيق عبداللطيف البغدادى قد حصل على حكم بطردنا منها دون إخطارنا بسبب التواطؤ على إرسال الإنذارات إلى عنوان آخر غير عنواننا الحقيقى، وقد استطعنا أن نكسب القضية ونسترد الشقة فيما بعد، ولكن فى ذلك الوقت وجدنا أنفسنا حائرين: أين نذهب، فالتقيت بالمشير أبو غزالة وكان وقتها مستشاراً للرئيس مبارك، وقال لى قبل أن أحدثه عن سبب طلب الزيارة: أعرف سبب مجيئك، وقد تحدثت إلى الرئيس مبارك، ولكنه كان مصمماً، ولم أفهم سبباً لذلك، وقلت له إن المشير أحمد إسماعيل كان يسكن قصراً ملكتموه لأسرته فلماذا لا نفعل ذلك مع أسرة المشير عبدالحكيم عامر؟ ولكن كان من الصعب إقناعه، لأنه كان إذا اعتمد فكرة فإنه لا يتنازل عنها.
وأعطانا المشير أبوغزالة شقتين تابعتين للقوات المسلحة، واستطاع أن يحل مشكلتنا مع الرئيس مبارك، ولكن المشكلة لم تنته عند هذا الحد، فقد فوجئت بزكريا عزمى رئيس ديوان رئيس الجمهورية يحدثنى بشأن محاولاتنا الكشف عن حقيقة موت المشير، فقال لى: الرئيس مبارك لا يريدكم أن تمشوا فى الموضوع لأنه سيقلب الدنيا علينا.
فقلت له: ما هى الدنيا مقلوبة علينا من أربعين سنة.
فقال لى محذراً: باقولك الرئيس.
فقلت له: هذه مسألة لا نستطيع التراجع عنها.
إلى هذه الدرجة تحديتم الرئيس مبارك؟
نحن لا نتحدى أحداً، ولكننا تعهدنا لوالدنا بعد رحيله أننا لابد أن نظهر الحق، ونثبت أنه مات مقتولاً، لنعيد له مجده وكرامته مرة أخرى، ولابد أن يأتى يوم ليعلم الناس الحقيقة، ولهذا فإن حياتنا مكرسة لهذا الموضوع إلى أن نموت، ولذلك أطلب من الرئيس السيسى إنهاء هذه القضية وحسمها، لأن الطب الشرعى حسمها وقال كلمته فيها، وهى أن المشير مات مسموماً، وذلك من واقع التحقيقات، لذلك أرجو من الرئيس اتخاذ هذه الخطوة بإعلان يعيد له حقه، وينهى الجدل حول انتحاره.
أريد أن أعود بالذاكرة إلى هزيمة 1967.. والتى كانت الطريق إلى نهاية المشير.. ما الذى حدث لكى تتصاعد الأحداث فجأة لتصل إلى نهاياتها المأساوية؟
تلقى عبدالناصر معلومات عن حشود إسرائيلية على الحدود السورية، من مصدرين ثبت عدم صحتهما, هما الرئيس الفرنسى ديجول، والرئيس الرومانى شاوشيسكو، فأرسل عبدالناصر الفريق محمد فوزى رئيس الأركان لاستكشاف حقيقة هذه الحشود، واستطلع الأمر بطائرة خاصة وتحدث إلى عبدالناصر باللاسلكى من هناك: مفيش حشود إسرائيلية خالص.. ومع ذلك مضى عبدالناصر إلى حشد الجيش فى سيناء وإعلان حالة الطوارئ وإغلاق مضيق العقبة، فى وجه السفن الإسرائيلية، وإرسال قوات إلى شرم الشيخ - رغم أن هيئة أركان الحرب اجتمعت ورفعت تقريرها إلى المشير الذى رفعه إلى الرئيس وخلاصته أن الموقف لا يسمح بأى عمليات قتالية أو حتى تعرضية - وهى أضعف شىء.
فقد كانت لدينا ثلاثة فرق فى اليمن، وثلاثة فى سيناء، وهو ما يعنى أننا غير مستعدين للحرب.
وإلى جانب تحذير هيئة هيئة الأركان وتحذير المشير للرئيس شفوياً إلا أنه استمر فى تصعيد الموقف، وفى اجتماعه بالقادة فى مطار أبوصوير قبل أيام من الحرب أعلن الرئيس: نحن مستعدون للحرب.
وكان ذلك فى جلسة علنية، ولما أصبحت جلسة مغلقة قال الرئيس للفريق صدقى: لن نستطيع أن نبدأ الحرب؟!.
فلما سأله عن السبب؟
قال الرئيس: مانقدرش نحارب أمريكا.
فقال له الفريق صدقى: تقصد سيادتك إيه؟
فقال الرئيس: نتلقى الضربة الأولى ثم نرد
فقال صدقى: ضربة زى دى هتشل قواتنا الجوية۔۔ روسيا أو أمريكا تحتملها، نحن لا نحتملها.
الطيارين كانوا موجودين ومعهم حسين عبدالناصر هاجوا وقالوا: هذه مقامرة، فتركهم عبد الناصر، وبينما هو يغادر القاعة، المشير قال لهم: هتحاربوا ياولاد ما تخافوش ـ أراد أن يمتص غضبهم، ومضى عبد الناصر نحو التصعيد، والمشير يطلب منه أن يأخذ زمام المبادأة، فقواتنا لها 14 يوم فى صحراء سيناء، وهى مهيأة للهجوم، والخطة "فجر" الهجومية جاهزة لتنفيذها، بحيث تقوم القوات الجوية بالهجوم على المطارات الإسرائيلية مع أول ضوء يوم 27 مايو، فى الوقت الذى تتحرك فيه قواتنا بهجوم برى يخترق صحراء النقب،وصولا لاحتلال ميناء إيلات.
كان كل شئ معدا، وقامت طائرتان بتصوير مفاعل "ديمونة" النووى، وعادتا عن طريق الأردن إلى مطار العريش خلال دقيقيتن، والرئيس عبد الناصر اعتمد الخطة الهجومية "فجر"، ولكن الأمريكان علموا بالخطة من خلال جاسوس زرعوه بمكتب الرئيس نفسه، فحذروا عبد الناصر عن طريق الروس، ألا يكون البادئ بالحرب، وأنهم سيتولون حل الموقف، واقتضى ذلك أن يقابل السفير الروسى فى القاهرة، الرئيس عبدالناصر فى الثالثة فجراً، وتحدث عبد الناصر إلى المشير لإلغاء خطة الهجوم، ووقع صدام حاد بينهما، وقال المشير للرئيس: لماذا تصدق كلام الأمريكان، إنهم لن يحلوا الموقف،ممكن يخلفوا كلامهم، لازم نبدأ بالضربة الأولى، ولو لم نهاجم نتكسح - وهذا ما حدث، لأن الرئيس الأمريكى كان مصمما على الانتقام من عبد الناصر، لعداء شخصى بينهما بعد أن قال عبد الناصر فى إحدى خطبه: «إذا لم يعجب أمريكا أن تشرب من البحر المتوسط فلتشرب من البحر الأحمر»، ولهذا عمدت أمريكا إلى خداع عبد الناصر بألا يبدأ بالهجوم على إسرائيل لإعطاء الفرصة لتسوية سلمية، حتى تمنح إسرائيل الفرصة بالضربة الأولى.
ولكن عبد الناصر طلب من المشير أن يكون الجيش مستعداً لتلقى الضربة الأولى وحدد له موعدها يوم 5 يونيو؟
هذا غير صحيح، لأن اللجنة العسكرية والسياسية التى رأسها حسنى مبارك نائب الرئيس السادات، بتكليف من الرئيس نفسه وقتها، بحثت الموضوع واطلعت على كل محاضر الجلسات والشفرات، فلم يجدوا أى شئ يدل على أن عبد الناصر كان يعلم بموعد الضربة الإسرائيلية يوم 5 يونيو، بدليل أن المشير كان قد اعتزم التفتيش على قواته فى سيناء يوم 4 يونيو، فطلب منه الرئيس أن يؤجل جولته إلى اليوم التالى 5 يونيو، لأن عسكريين عراقيين بصحبة رئيس الوزراء العراقى طاهر يحيى سيقومون بجولة تفتيش على قواتهم بسيناء، وسيصحبهم حسين الشافعى نائب الرئيس، فكيف يعلم الرئيس بموعد الهجوم يوم 5 يونيو ويطلب من قائد الجيش إنه يطير لتفقد قواته فى نفس اليوم؟ إلا إذا كان خائنا ويريد تدمير قياداته!! وقد انتهت اللجنة العسكرية والسياسية بشأن التحقيق فى هزيمة 5 يونيو إلى أن الأنذار الوحيد هو الذى قام به المشير عندما رفع حالة الطوارئ للدرجة القصوى توقعا للهجوم الإسرائيلى.
ومع ذلك دمرت إسرائيل طائراتنا فى مطاراتها دون اتخاذ أى إجراءات لحمايتها؟
توقف بناء ملاجىء للطائرات لمدة ثلاث سنوات بقرار من رئيس الأركان الفريق محمد فوزى بحجة عدم وجود ميزانية.
ولكن ما نعلمه أن المشير جعل الفريق فوزى رئيسا للأركان بلا صلاحيات؟
المشير رشح الفريق مرتجى لكفائته ليكون رئيسا للأركان، ولكن الرئيس رشح الفريق فوزى لقرابته لسامى شرف، رغم أنه ظل مديراً للكلية الحربية 18 سنة، ولم يخض أى تجارب عسكرية، بعكس الفريق مرتجى الذى حارب فى اليمن ولديه خبرة عسكرية.
رغم ضرب المطارات وتحطيم قواتنا الجوية إلا أن قواتنا فى سيناء لم تعط الفرصة للقتال بسبب قرار الانسحاب الخاطئ الذى اتخده المشير؟
القرار كان قرار عبد الناصر، والمشير راجع عبد الناصر فى قراره وقال له إنه مستعد للصمود بقواته لمدة شهر ونصف، والطائرات التى فقدناها يمكن أن نستعوضها ونواصل القتال، أما الانسحاب فسيعرض قواتنا للتدمير فى صحراء سيناء المكشوفه، أما التمسك بمواقعنا ودباباتنا مؤمنة فى خنادقها، فيمكننا من الحرب لمدة تتراوح ما بين شهر، وشهر ونصف، وهو ما لاتتحمله إسرائيل، لأنها لم تتعود إلا على الحرب الخاطفة، ولكن عبد الناصر كان مصمما على الانسحاب وأصدر قراره، ومع ذلك عندما نجحت الفرقة الرابعة المدرعة - زهرة الجيش المصرى - فى الانسحاب سالمة بقيادة الفريق صدقى الغول، ووصلت بعض وحداتها إلى منشية البكرى، طلب الرئيس عبد الناصر عودتها مرة أخرى إلى سيناء، فكان رأى الفريق الغول، كيف يعود إلى سيناء، تحت قصف الطيران الإسرائيلى، ولكنها تعليمات الرئيس، فكانت النتيجة تدمير الفرقة المدرعة، والتحقيق مع الفريق صدقى الغول، والتحقيق مع الفريق صدقى قائد الطيران، لذلك خرجت الجماهير المصرية وهى غير مقتنعة بهذه المحاكمات الهزلية لامتصاص غضب الناس، فهتفت فى شوارع القاهرة: لا صدقى ولا الغول، عبد الناصر هو المسئول".
ولكن الفريق فوزى اعترف فى مذكراته أن المشير هو صاحب قرار الانسحاب وهو الذى كلفه بوضع خطة الانسحاب، ولما عاد إليه وجده قد أصدر قراره؟
هذه رواية لم تحدث إطلاقا، وكل ما يروى عن المشير لم يجرؤ أحد على التحدث به فى وجوده، ولكن بعدما قتلوه حملوه كل المصائب من أخطاء وخطايا الهزيمة، وكأن القيادة السياسية لعبد الناصر لم تكن مسئولة عما حدث بدءا بالتصعيد غير المبرر للحرب، ونهاية بالانسحاب غير المنظم.
وهل كان شمس بدران يصلح لرئاسة الجمهورية حتى يرشحة المشير بديلا لعبد الناصر بعد استقالتهما؟
المشير اتفق مع عبد الناصر على أن يستقيلا، وتحدث المشير إلى كل القيادات العسكرية لتقدم استقالاتهاو والتى جمعها الفريق فوزى ماعدا استقالته هو فلم يقدمها، وذهب المشير إلى بيته، فطلبه عبد الناصر ووجد معه شمس بدران، فقال المشير للرئيس: بعدما استقلنا هنعمل إيه؟
فقال الرئيس: نشوف نجيب مين؟
فقال المشير : ترشح مين؟
فقال الرئيس: رأيى نجيب شمس بدران.
فقال المشير: شمس مين؟ - قالها مستنكراً، وشمس بدران يجلس معهما.
إذن المشير لم يرشح شمس بدران، ولكنه ترشيح عبد الناصر، والمشير اعترض فى وجوده، وقال للرئيس إنه مسافر البلد، ولما شاهد المشير الرئيس يلقى بيان التنحى دون إذاعة استقالته معا كما اتفقا اتصل بسامى شرف وعنفه، وهذا هو سر الورقة التى كتبها سامى شرف وقدمها للرئيس أثناء خطاب التنحى، ولم يهتم بها عبد الناصر، مكتفيا بإذاعة استقالة المشير فى نشرة الإذاعة الأخيرة يوم 9يونيو، فلم يشعر بها أحد.
إذا كان المشير قد صمم على الاستقالة فلماذا كان التجمهر داخل بيته ومطالبة الضباط له بالعودة عن استقالته وهو الأمر الذى تطور إلى حد تصوير الأمر على أنه مؤامرة ضد عبد الناصر؟
الرئيس عبد الناصر نفسه زار المشير مرتين فى بيته وأنا شاهد على ذلك، وكان ذلك فى وجود الضباط الذين قيل إنهم عاملين مؤامرة، وفى هذه الأثناء كان المشير يذهب إلى الرئيس، وفى هذه الظروف ـ لك أن تعلم ـ أن المشير قد أدار معركة رأس العش من بيته، وكانت أول معركة كرامة و صمود بعد الهزيمة.
ماهى إذن حقيقة المؤامرة التى قبل إن المشير كان يدبرها مع قادته للعودة إلى القيادة العامة للقوات المسلحة والتى كانت مبرراً لتحديد إقامتة؟
المشير جلس فى بيته بعد تقديم استقالته، فجاءه مئات الضباط من مختلف الرتب يطالبونه بالعودة عن استقالته، فقال لهم: نحن فى حالة حرب، لا تتركوا مواقعكم.
قالوا له: لن نغادر قبل أن ترتدى ملابسك العسكرية وتنزل معنا على مقر القيادة۔ فاعتذر لهم بأنه قد استقال وانتهى الأمر، ليعطى الفرصة لقيادة جديدة، فهاجوا وماجوا، فتحدث إلى الرئيس عبد الناصر تليفونيا وأطلعه بنفسه على ما يحدث فى بيته، فقال الرئيس عبد الناصر: ما تروح معاهم، فقال المشير لعبد الناصر: لقد استقلت ولن أرجع مرة أخرى.
فلم يكن المشير بحاجة إلى مؤامرة للعودة لمقر القيادة، لأن عبد الناصر طلب عودته، وهو الذى رفض - يضيف جمال عبد الحكيم عامر ـ انتهت مكالمة المشير مع الرئيس وعاد المشير للضباط لتهدئتهم، وطلب منهم الانصراف على أن يقابلهم فى مقر القيادة فى صباح اليوم التالى، ولكنه كان عازما على أن يترك القاهرة حتى تهدأ الأمور، وتحدث إليه عبد الناصر محاولا إقناعه بعدم السفر وقال له: انت سايبنى ورايح فين، موش هينفع.
ولكن المشير كان مصمما على مغادرة القاهرة حتى لا يترك فرصة للقيل والقال، وسافر إلى المنيا بسيارته، فأرسل إليه عبد الناصر، صلاح نصر، ثم عباس رضوان ـ من الضباط الأحرار ـ لإقناعه بالعودة، ولم ينجح إلا محمد حسنين هيكل الذى قال له: الرئيس لا يستطيع التحدث إليك، فلا توجد خطوط مباشرة، ثم إن هناك أموراً لا يمكن الحديث بشأنها فى التليفون، والحديث بينك وبين الرئيس مباشرة هو الحل الوحيد لحل أى خلافات۔ وبالفعل عاد المشير ليعرض عليه الرئيس منصب نائب الرئيس، فاعتذر عنه وطالبه بالإفراج عن الضباط المعتقلين، فلم يستجب له، ولما كان الرئيس مسافرا إلى مؤتمر القمة فى الخرطوم وليس لديه وقت لمزيد من الحوار غير المجدى مع المشير، فقد قرر إنهاء الحوار معه وتحديد إقامته، فدعاه لزياته بحجة تناول العشاء معه، وقد حذرته الأسرة وأصدقائه من هذه الدعوة، وقالت له أمى وإخواته والضباط المقربين منه، ومنهم شمس بدران، ألا يذهب لتلبية دعوة عبد الناصر على العشاء، لشكهم وارتيابهم من هذه الدعوة. ولكن المشير قال: لا يمكن عبد الناصر يكون له قصد آخر من هذه الدعوة إلا تناول العشاء.
وذهب مطمئنا بحكم ثقته فى حكم الصداقة بينه وبين عبد الناصر، والتى تخطت مشاكل وعقبات كثيرة قبل ذلك، ولم يخطر بباله أنه العشاء الأخير، فقبضوا على سائقه، وصف ضابط الحراسة المرافق له، وفوجئ بأن فى انتظاره حسين الشافعى وأنور السادات وزكريا محيى الدين، فى وجود عبد الناصر، فقال له المشير: انت جايبهم برابطة المعلم.. فيه إيه؟
وبدأوا يتبادلون عليه باتهاماتهم له.
وكان كل شئ معداً قبلها، أن يكون الجلوس فى صالون مجهز لتسجيل كل مايدور من مناقشات حسب السيناريو المعد مسبقا، حتى وصل الرئيس إلى نقطة النهاية فى حواره الأخير مع المشير على النحو التالى" الرئيس: أنا هحدد إقامتك.
المشير: قطع لسانك.
الرئيس:إذا لم تكن خائفا على نفسك خاف على عيالك ومراتك.
وترك الرئيس صالون الاجتماع وصعد إلى غرفته، ليعود المشير بعد ذلك إلى بيته بعد أن وصلت علاقته بالرئيس إلى نقطة اللاعودة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تذبذب المناخ وارتفاع الرطوبة من أسباب الارتباك الفسيولوجى
3 أهداف وراء التوسع فى الجامعات الأهلية.. وفتح ملف المعاهد المتوسطة بتعليمات عليا
لا أخشى المنافسة.. وأسعى إلى التطور والتنوع سعيد بالمشاركة مع النجوم الشباب
دورى فى «أب ولكن» جرىء