بعد أداء مشرف شهد له العالم، خرج المنتخب الإيراني لكرة القدم من بطولة كأس العالم 2026، في أعقاب مواجهة تحبس الأنفاس مع نظيره المصري انتهت بالتعادل 1-1، ثم تعادل الفريقين الجزائري والنمساوي بنتيجة 3-3.
استطاع المنتخب الإيراني أن يقدم صورة مشرفة لبلاده رغم ما واجهه من عراقيل عديدة منذ بدأت المنافسات، تمثلت في صعوبة الحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، وإقامة معسكر التدريب في المكسيك، والمعاملة المهينة من قبل الجهة المنظمة والدولة المستضيفة.
مع ذلك استطاع المنتخب الإيراني خلال المباريات الثلاث التي خاضها، أن يلفت إليه الأنظار بشكل ملحوظ، حيث حصل الظهير الأيمن "رامين رضائيان" على لقب أفضل لاعب في مباراتي إيران ونيوزيلندا، وإيران ومصر.
أما حارس المرمى "علي رضا بيرانفند" الذي يتمتع ببنية جسدية قوية وقامة طويلة تكاد تصل إلى المترين، جعلته أشبه بشجر السرو الإيراني السامق، فقد كان حديث المحللين الرياضيين طيلة المباريات، ومحل إعجابهم لما أبداه من أداء مبهر في حماية المرمى وصد الكرات من الخارج قبل اقترابها من الشباك.
في مشهد سيظل عالقًا في أذهان المتفرجين حول العالم، أثناء مباراة إيران وبلجيكا، عندما مرت الكرة بين المدافعين الإيرانيين، وسدد اللاعب البلجيكي "يوري تيليمانس" من مسافة أقل من خطوة واحدة أمام مرمى الإيرانيين، امتدت يد بيرانفند مبعدةً الكرة عن خط المرمى، ثم ألقى بنفسه على الأرض محتضنًا الكرة بكلتي يديه، مسجلًا واحدًا من أفضل التصديات في كأس العالم 2026، وفق ما ذكره المحللون الكرويون، بالإضافة إلى تتويجه أفضل لاعب في المباراة.
هذا المشهد الأخاذ، جعل رئيس البرلمان الإيراني "محمد باقر قاليباف"، ينشر صورة بيرانفند، وهو ملقى على الكرة، عبر منصة "إكس"، ويكتب: "هكذا نحمي أرضنا" كإسقاط سياسي على شجاعة الفرد الإيراني في الدفاع عن أرضه أينما كان.
لم يكن هذا التصدي سوى واحد من بين عدة تصديات حاسمة قام بها بيرانفند خلال مباريات إيران الثلاث مع نيوزيلندا وبلجيكا ومصر، جعلته محط إعجاب المشجعين والمنافسين على حد سواء.
لقد رسخ بيرانفند أقدامه على المستطيل الأخضر منذ قرابة عقدين من الزمان كحارس مرمى استثنائي في تاريخ كرة القدم الإيرانية، حيث قطع رحلة طويلة تضم محطات من الإنجازات والإخفاقات؛ بدأت من مسقط رأسه في لُرستان، مرورًا بناديي "نفط طهران" و"برسبوليس"، ثم المنتخب الوطني، وحضور لا يُنسى في كأس العالم بروسيا، وصولًا إلى أزمات مع ناديي "برسبوليس" و"تراكتور"، ثم حضور ملفت في كأس العالم بالولايات المتحدة.
من سراب ياس إلى طهران
ولد "علي رضا بيرانفند" في 21 سبتمبر 1992 في عائلة قبلية بمنطقة "سراب ياس" الواقعة جنوبي مقاطعة "خُرم آباد" بمحافظة لُرستان، وهو من الأكراد الليكيين. أمضى سنوات طفولته في أجواء لم تكن كرة القدم جزءًا من حياة عائلته اليومية أو حتى اهتماماتها الثانوية، حيث يذكر في العديد من المقابلات التلفزيونية والصحفية، من بينها حواره الشهير في برنامج "شهر العسل: ماه عسل" مع "إحسان علي خاني" عام 2014، أنه كان يتنقل مع عائلته راحلًا، ويقضي جزءًا من وقته في رعاية الغنم، لكنه شغف بكرة القدم على عكس نمط حياة أقرانه حوله.
يقول بيرانفند عن هذه الأيام: "لم يكن والدي يعتبر أن كرة القدم مهنة، وكان يفضل أن أعمل معه من أجل العائلة. لقد عارض والدي الدراسة واحتراف كرة القدم على حد سواء، مما اضطرني إلى لعب كرة القدم خفيةً، وكان هذا الخلاف العائلي السبب في تغيير مسار حياتي".
على هذا النحو ترك بيرانفند مسقط رأسه متوجهًا إلى طهران؛ وهو قرار وصفه لاحقًا بأنه أهم منعطف في حياته. لم تكن طهران بالنسبة لفتى مراهق مثله خرج لتوه من طور الطفولة مدينة لتحقيق الأحلام فقط، بل كانت ميدانًا لاختبار القدرة على الصمود والبقاء.
يروي فيما بعد أنه عمل في مهن شتى من أجل تأمين تكاليف معيشته؛ حيث اشتغل في ورشة خياطة، ومطعم بيتزا، ومحطة بنزين وغسيل سيارات، واعتاد النوم على العشب في "ميدان آزادي"، كل هذا دون التوقف عن مواصلة تدريبات كرة القدم.
يعود جزء كبير من شهرة بيرانفند في السنوات اللاحقة إلى هذه القصة تحديدًا، حيث تحدث كثيرًا عن تلك الأيام التي لم يكن فيها عضوًا في أي نادٍ معروف، ولم يكن يعلم ما إذا كان سيقتحم في يوم ما عالم احتراف كرة القدم أم لا.
لقد أوضح في حوارات مختلفة دون خجل، أنه قضى فترة من الوقت يتنقل في محيط "مجمع آزادي الرياضي"، و"ميدان آزادي"، وأماكن إقامة مؤقتة أخرى. في تلك السنوات، لم يكن "ملعب آزادي" بالنسبة له مكانًا للشهرة وتجمعات المشجعين وهتافاتهم، بل كان حافزًا دائمًا للبقاء صامدًا في العاصمة الصاخبة.
لم تعر قصة كفاح بيرانفند اهتمام الجميع بسبب ما واجهه من صعاب خلال تلك السنوات فحسب، فالكثير من لاعبي كرة القدم حول العالم مروا بظروف قاسية حتى وصلوا إلى سلم المجد، أما الاختلاف في قصة بيرانفند، فيكمن في أن هذا الجزء من حياته أصبح لاحقًا أحد أشهر قصص النجاح الملهمة في عالم كرة القدم الإيرانية؛ قصة رواها على لسانه وتداولتها وسائل الإعلام مرارًا وتكرارًا.
بعد مرور سنوات، عندما أصبح بيرانفند حارس مرمى المنتخب الوطني، أعادت وسائل الإعلام مجددًا تسليط الضوء على تلك الأيام؛ على سنوات من حياته لم تعهد بعد بطولات الدوري الإيراني الممتاز، أو منافسات كأس العالم، أو مواجهة نجم المنتخب البرتغالي "كريستيانو رونالدو"، وصد ركلة جزاء منه لا تزال حديث العالم حتى الآن.
بداية الظهور: نادي نفط طهران
يعد انضمام بيرانفند إلى "نادي نفط طهران" عام 2011 نقطة تحول فارقة في مسيرته الكروية؛ فقبل ذلك، كان يلعب في أندية صغيرة، لكن نفط طهران قدمه كلاعب كرة قدم محترف على أعلى مستوى.
رسخ بيرانفند مكانته في تشكيلة الفريق تدريجيًا، ولفت انتباه المدربين إليه بفضل بنيته الجسدية القوية، وقامته الطويلة غير العادية، وردود أفعاله السريعة، وخروجه الواثق من المرمى من أجل صد الكرات، وقدرته الفائقة على اللعب بالقدم، ورميات يده بعيد المدى.
أداؤه المميز في نادي نفط طهران أهّله للانضمام إلى المنتخب الوطني، حيث استطاع مباراة تلو أخرى أن يحجز مكانه كأحد حراس المرمى الأساسيين في كرة القدم الإيرانية إلى جانب عدد من الوجوه البارزة في هذا الميدان.
الخطوة الكبرى: نادي برسبوليس
إذا اعتبرنا أن نادي نفط طهران كان مرحلة بزوغ نجم بيرانفند في سماء كرة القدم الإيرانية، فإن "نادي برسبوليس" كان مرحلة ترسيخ الأقدام. انضم بيرانفند إلى النادي عام 2016، وكان الفريق آنذاك تحت قيادة المدرب الكرواتي "برانكو إيفانكوفيتش" يشهد واحدًا من أكثر مواسمه نجاحًا.
خلال سنوات تواجده في برسبوليس، خاض منافسات الدوري الإيراني الممتاز، وسجل أرقامًا قياسيةً مهمةً في الحفاظ على شباكه نظيفة، وغدا أحد لاعبي الفريق الأساسيين، وفي الوقت نفسه، ثبت مكانته في المنتخب الوطني أيضًا.
بفضل عدة عوامل مثل: البروز الواسع والرائع على مستوى الأندية الإيرانية، والقاعدة الجماهيرية العريضة، ودعم وسائل الإعلام الرياضية؛ نجح بيرانفند في ترسيخ أقدامه في عالم كرة القدم والإطاحة بجميع منافسيه في ميدان حراسة المرمى.
مع نهاية العقد الثاني من الألفية؛ لم يعد بيرانفند حارس مرمى ناجحًا في الدوري الممتاز، بل غدا الحارس الأساسي في المنتخب الوطني، وعلى مسافة قريبة من خوض أهم تجربة في مسيرته الكروية.
ضربة جزاء كريستيانو: كأس العالم 2018
قبل كأس العالم 2018 في روسيا؛ كان بيرانفند وجهًا معروفًا في كرة القدم الإيرانية، لكن شهرته لم تكن قد تجاوزت بعد النطاق الآسيوي.
في مونديال 2018 وقعت قرعة إيران في مجموعة صعبة ضمت إسبانيا والبرتغال، حيث كان اللاعب الأبرز في هذه المجموعة نجم المنتخب البرتغالي و"نادي ريال مدريد" الإسباني "كريستيانو رونالدو".
كان لقاء المنتخب الإيراني مع نظيره البرتغالي هو الحدث الذي جعل بيرانفند اسمًا متداولًا على الصعيد العالمي، ففي الشوط الثاني، احتسب الحكم ركلة جزاء لصالح البرتغال، وقام "رونالدو" بتسديدها، لكن بيرانفند نجح في صدها. أصبحت هذه اللقطة واحدةً من أكثر الصور خلودًا في تاريخ كرة القدم الإيرانية عبر مشاركاتها في كأس العالم، وانتهت المباراة بالتعادل 1-1.
حتى ذلك الوقت، كان هدف "حميد إستيلي" في مرمى المنتخب الأمريكي خلال كأس العالم 1998 في فرنسا يحتل مكانة خاصة في ذاكرة مشجعي كرة القدم الإيرانية لما له من أبعاد سياسية وتاريخية بين طهران وواشنطن تجاوزت حدود الرياضة.
أما صد ركلة جزاء رونالدو فكان له طابع خاص بعيدًا عن السياقات السياسية، حيث تجلت قيمتها الرياضية على صعيد كرة القدم الإيرانية؛ مواجهة مباشرة بين حارس مرمى إيراني مغمور وأحد أشهر أساطير كرة القدم في العالم.
تجارب غير موفقة في الاحتراف الأوروبي
بعد عام واحد من كأس العالم 2018، توجه بيرانفند إلى الكرة الأوروبية، حيث انتقل إلى "نادي رويال أنتويرب" البلجيكي، ثم إلى "نادي بوافيشتا" البرتغالي، بيد أن فترة وجوده في أوروبا لم تحقق النجاح المتوقع له.
على مدار ثلاث سنوات، لم يقف بيرانفند أمام شباك هذين الفريقين سوى 18 مرة فقط، وكان عدد كبير من هذه المباريات إما في بطولات ودية أو في تصفيات كأس العالم.
المنافسة الشرسة لحجز مكان في التشكيلة الأساسية، وفرص اللعب المحدودة، والظروف المختلفة لكرة القدم الأوروبية عن كرة القدم الإيرانية؛ كلها عوامل حالت دون حصول بيرانفند على مكان مستقر في الكرة الأوروبية، مما جعل فترة احترافه الخارجي قصيرة وباهتة على عكس توقعات الكثيرين بعد أدائه المبهر في كأس العالم 2018.
في نهاية المطاف، فضل بيرانفند العودة إلى إيران؛ وهي عودة كُللت بنجاح ساحق، وأعادته إلى مكانه الأصلي كواحد من أهم حراس المرمى في البلاد.
الانتقال إلى تراكتور: بداية النزاع القضائي والجماهيري
يعد صيف 2024 من أكثر المواسم إثارة للجدل في مسيرة بيرانفند الكروية؛ حيث تحول فسخ عقده مع "نادي برسبوليس" وانتقاله إلى "نادي تراكتور" إلى أبرز قضية في ميدان الكرة الإيرانية.
لم تكن المسألة مجرد انتقال اعتيادي؛ فقد ظل بيرانفند عدة سنوات أحد اللاعبين الأساسيين في نجاحات برسبوليس، وكان قطاع عريض من جماهير النادي يرونه أحد رموز تلك الحقبة الذهبية.
نشب خلاف حاد عندما أقدم بيرانفند على فسخ عقده من طرف واحد مع برسبوليس، بحجة تأخر مستحقاته المالية، وهو ما نفته إدارة النادي واعتبرت فسخ العقد إجراء غير قانوني. هذا السجال المحتدم بين الطرفين، دفع بالملف إلى أروقة اللجان القضائية التابعة للاتحاد الإيراني لكرة القدم.
تواصلت الشكاوى المتبادلة واستمر النقاش شهورًا حول الأبعاد القانونية، أما على مستوى الرأي العام، فكان المحور الأساسي في هذا الأمر هو التحول الجذري في علاقة جماهير برسبوليس مع واحد من أكثر اللاعبين شعبية وقربًا إلى قلوبهم خلال السنوات الماضية بسبب انتقاله إلى نادٍ منافس.
حتى الآن لم يتم البت في القضية بشكل نهائي، لكن عوقب بيرانفند بالإيقاف عن ممارسة الأنشطة الرياضية لمدة أربعة أشهر، وغُرم بدفع مبلغ 19 مليارًا و875 مليون تومان (قرابة 315 ألف دولار أمريكي) كتعويض مالي. وفي أغسطس 2025، أيدت لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإيراني لكرة القدم عقوبة الإيقاف الرياضي الصادرة بحق بيرانفند، كما رفعت قيمة الغرامة المالية إلى 27 مليارًا و437 مليون تومان (قرابة 435 ألف دولار أمريكي).
عودة التألق في كأس العالم 2026
في ظل هذه الظروف، لم يكن تألق بيرانفند أمام بلجيكا في كأس العالم 2026 مجرد أداء مميز يُضاف إلى إنجازاته، فقد نجح في الشوط الأول في إحباط فرصة مهمة للمنتخب البلجيكي، وجاءت ذروة تألقه في الدقيقة 51 حين صد تسديدة "روميلو لوكاكو"، ثم وقف سدًا منيعًا أمام تسديدة "يوري تيليمانس". كما وُفِّقَ في قيادة خط الدفاع وتوجيه اللاعبين شفاهةً، وخروجه المتكرر من المرمى ممسكًا بالكرة قبل اجتيازها خط المرمى. هذا بالإضافة إلى إصراره على استكمال المباراة رغم إصابته في الدقائق الأولى إثر اصطدامه بلوكاكو.
اختيار بيرانفند كأفضل لاعب في هذه المباراة أضاف نقطة جديدة في سجل مسيرته الكروية الحافلة بالإنجازات الكبيرة؛ وهي مسيرة انطلقت من نفط طهران، واستمرت في بطولات برسبوليس، وبلغت ذروتها في كأس العالم 2018، قبل أن تشهد السنوات التالية صعودًا وهبوطًا مصحوبين بجدال لا يخلو من الإشادة والإعجاب.
جوائز وأرقام قياسية
حصد "علي رضا بيرانفند" العديد من الجوائز والألقاب خلال مسيرته الاحترافية؛ كان منها لقب أفضل حارس مرمى في الدوري الإيراني الممتاز لستة مواسم متتالية من (2014-2015) إلى (2018-2019)، بالإضافة إلى موسمي (2022-2023) و(2024-2025)، ولقب لاعب العام وأفضل لاعب في الدوري الممتاز خلال وجوده في نادي برسبوليس في موسم (2028-2019).
واختير كذلك بقميص برسبوليس كأفضل حارس مرمى في دوري أبطال آسيا عام 2018، وكان حارس المرمى الأساسي في المنتخب الوطني خلال كأس العالم 2018، وكأس الأمم الآسيوية عام 2019.
بالإضافة إلى ذلك، دخل بيرانفند موسوعة جينيس للأرقام القياسية باعتباره صاحب أطول رمية يد في العالم تصل مسافتها إلى 61 مترًا و66 سنتيمترًا، وصاحب أطول ركلة كرة في العالم تصل مسافتها إلى 78 مترًا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بعد أداء مشرف شهد له العالم، خرج المنتخب الإيراني لكرة القدم من بطولة كأس العالم 2026، في أعقاب مواجهة تحبس...
العميد يواصل كتابة التاريخ فى أمريكا محمــــد زيـــدان: أرفـــــع راسك فوق.. انت مصرى محسن صالح: إنجاز العمــيد لا يمكــــن الاستــهـــــانة...
الإعلام العالمى يشيد بالإنجاز التاريخى ليلة المجد.. حسام حسن ينتصر على المشككين وصلاح يقود مصر إلى العالمية من القاهرة إلى...
يدرس مجلس إدارة اتحاد الكرة خلال الفترة المقبلة إنشاء متحف للكرة المصرية فى مقر مشروع الهدف بمدينة السادس من أكتوبر...