53 عامًا على حرب أكتوبر و50 على رحيل الجنرال المهزوم.. موشى ديَّان خان رئيس أركانه أمام لجنة أجرانات وتخلَّى عنه رفيق مقر القيادة
تزامنت ذكرى مرور 53 عامًا على 6 أكتوبر 1973 مع الذكرى الـ50 لوفاة رئيس أركان الجيش الإسرائيلى فى الحرب ذاتها ديفيد (دودو) أليعازر. ابنته هيلا، المتخصصة فى الطب النفسى، والبالغة من العمر 71 عامًا، انتهزت المناسبة، وأفرغت فى حوار لصحيفة «معاريف» دراماتيكية واقع عايشته، سواء فيما يتعلق بالحرب، أو رحلاتها مع والدها إلى شرم الشيخ قبل يوم الغفران، علاوة على ملابسات عبور المصريين قناة السويس، وانعكاسات كست رأس ديفيد أليعازر بالشعر الأبيض قبل الأوان، وكانت سببًا مباشرًا فى زحف الشيخوخة المبكرة إلى كامل أعضاء جسده النحيل.
كان طبيعيًا أن تتحدث هيلا عن أبوَّة القائد العسكرى، لكنها ما لبثت إلى جانب ذلك قذف اعترافات، ربما لا يعلمها الداخل والخارج الإسرائيلي؛ خاصة بعد مرور ما يربو على 5 عقود على الحرب؛ وكان من بينها خيانة رفاق السلاح، والتشكيك فى مهنية أو حتى نزاهة لجنة أجرانات، وتنصُّل وزير الدفاع موشى ديَّان من المسؤولية، وظروف تلقى أليعازر قرار إقالته من قيادة الأركان عبر رئيسة الوزراء جولدا مئير.
بوصفها محللة نفسية، أشارت هيلا إلى أن والدها كان يفضِّل الموت على الإصابة، وأبلغها غير مرة بأن «الموت أفضل من الحياة بجروح بالغة مثخنة بطعم الهزيمة على أيدى المصريين». وأضافت: «لم يطق فكرة رؤية نفسه ضحية، أو شخصًا يحتاج إلى الرعاية، أو محتاجًا للآخرين بعد نهاية الحرب». لكنه لم يتنازل فى المقابل عن طمأنتها برسائل، أكد فيها استحالة مباغتة جيشه، خاصة وهو يعتمد إلى حد كبير على الإنذارات الاستباقية.
التانجو والغوص
كانت هيلا قد أنهت دراستها فى المرحلة الثانوية، واستعدت لرحلة تسبق أداء الخدمة العسكرية. واستعدادًا لانفتاحها على عالم أوسع، لقَّنها القائد العسكرى رقصة التانجو، وعلَّمها كيف تشرب الكحول، وسمح لها بتذوقه؛ و«كأنه كان يعلم أن عليه حشد الكثير من التجارب فى وقت محدود». ذهبا معًا للغوص فى شرم الشيخ، قبل أيام من اندلاع حرب يوم الغفران؛ ونظرًا لعدم درايتها بأصول الغوص، رتّب الأمر ليرافقهما مدرب مختص.
أما على اليابسة، فكانت رياح الحرب تهب فعليًا؛ إذ كان الجيش الإسرائيلى ينتقل باستمرار من حالة تأهب إلى أخرى، ولم تكن الشابة اليافعة ترى والدها تقريبًا. كان يغادر فى الصباح – بمظهر مهندم ومثالى، وتفوح منه رائحة منعشة - ثم يعود منهكًا تمامًا فى وقت متأخر من الليل. وذات مرة، تساءل شقيقها الأصغر يائير: «لا أفهم كيف يغادر أبى إلى العمل فى الصباح منتصبًا، لكنه يعود فى المساء وقد بدا أقصر قامة!».
اندلعت الحرب
قبل 4 أيام من موعد تجنيدها، وتحديدًا عشية يوم الغفران، كانت فى زيارة صديقتها أوريت، التى أصبحت فيما بعد زوجة رئيس الأركان الأسبق شاؤول موفاز؛ وفى اليوم التالى، بددت مكالمة هاتفية حالة الهدوء، وقلبت حياتها رأسًا على عقب؛ إذ صرخت والدتها: «هيلا، عودى إلى المنزل بسرعة... اندلعت الحرب». أصيبت هيلا بصدمة، وتساءلت فى نفسها «ماذا تعنى أمى بكلمة حرب؛ فلو كانت هناك حرب، لكان والدى على علم بالأمر، ولصدرت تحذيرات مسبقة؛ فقد كان يطمئننى دائمًا: «إذا وقعت حرب، فسيكون هناك إنذار مسبق؛ ولن تحدث فجأة ودون سابق إنذار».
التحقت هيلا بالخدمة العسكرية بينما كان الجيش غارقًا فى صدمة هجوم المصريين المباغت، وكانت الأجواء فى إسرائيل مشحونة بالذعر، مع توارد أنباء عن أصدقاء سقطوا فى المعارك، ومواقع عسكرية اجتاحتها مصر، علاوة على وحدات أُبيدت بالكامل.
لا تتذكر هيلا متى رأت والدها لأول مرة بعد الحرب؛ ومن الأيام التى تلت وقف إطلاق النار، تظل صورة واحدة محفورة فى ذاكرتها: «كنا نجلس مع أبى فى المطبخ، وكان منشغلًا طوال الوقت بإعادة بناء الجيش؛ وأوضح أنه ليس بوسعه التفكير فى أى شىء آخر». أما عن هيئته بعد الحرب، فتؤكد هيلا أن فروة شعره اكتست تمامًا بالشيب. كان فيها القليل من الشيب قبل الحرب، لكنه غزا رأسه بالكامل، وداهمته الشيخوخة فجأة. ذات مرة دخلت عليه السكرتيرة «أوسنات» فوجدته يبكى وحيدًا.
عارض ديفيد اليعازر تشكيل لجنة تحقيق فى أسباب الهزيمة، موضحًا أن جيشه لا زال فى مخاض حرب استنزاف ضد سوريا، ويعمل على إعادة بناء قواته، والاستعداد لتحديات المستقبل. طلب القائد من رئيسة الوزراء جولدا مئير: «دعونا نعرض عليكم أولًا نتائج تحقيقاتنا الداخلية»، إلا أن اقتراحه قوبل بالرفض، وتُشكّلت رغمًا عنه «لجنة أجرانات».
أدلى بشهادته أمام اللجنة على مدار 18 ساعة ونصف الساعة، موزعة على 5 جلسات، وكان يعود إلى منزله فى كل مرة وهو يستشيط غضبًا.
وفى معرض حديثه عن اثنين من أعضاء اللجنة، علق قائلًا: «يبدو وكأنهم ينتمون إلى العصر الحجري»؛ وحسب تقديره، طرح أعضاء اللجنة أسئلة منفصلة عن واقع المرحلة، وبدلًا من مناقشة تصرفاته طوال فترة الحرب، ركزوا نقاشهم حصرًا على المناورات العسكرية.
وتقول ابنته: «دفع وزير الدفاع موشى ديَّان والدى إلى حافة الجنون»، وأدلى أليعازر بشهادته أمام لجنة أجرانات حول خلافاته مع ديَّان؛ وكيف أن الأخير حال دون قيامه باستدعاء قوات الاحتياط، ومنعه من شن ضربة استباقية. وفى وقت لاحق، روى سائقه نعيم كوهين أنه كان يوصل - بناءً على طلب سائق ديان - المظروف الذى يحتوى على شهادة أليعازر إلى مقر وزارة الدفاع بشكل يومي؛ مما أتاح لوزير الدفاع فرصة الاستعداد لأسئلة أعضاء اللجنة، وبالتالى تحصين نفسه ضد أى اتهام.
بعد انتهاء التحقيقات، استبعد أليعازر إمكانية إقالته من المنصب غير أن اللجنة اتخذت القرار المستبعد، إذ حملته المسؤولية الشخصية، وأوصت بعزله من المنصب. وقبل وفاته بيوم واحد، سلَّم الكاتب حانوخ بارتوف وثائقًا بخط يده، تضمنت روايته عن ذلك اليوم الذى تلقى فيه استنتاجات لجنة التحقيق؛ وأدرج الكاتب الشهادة فى مستهل كتابه «48 عامًا، وعشرون يومًا أخرى»، الصادر عن دار نشر «معاريف». قبل يوم واحد من اطلاعه على توصيات لجنة أجرانات، تأهبت مروحية مجهَّزة لنقله إلى الجبهة السورية فى الجولان. حينها، أبلغه رئيس طاقمه بأن رئيسة الوزراء جولدا مئير تنتظر حضوره العاجل إلى القدس، فأدرك رغبة الأخيرة فى الحديث معه حول تقرير اللجنة الذى تلقته فى وقت سابق (الأول من أبريل).
دخل مكتب جولدا، فرمق التقرير مطروحًا على مكتبها. سألها: «هل الأمر سيء؟»، فأجابت: «يمكنك قراءته». بعد قراءة سريعة، قال: «أفهم من ذلك أنه يتوجب عليّ تقديم الاستقالة؟»، فردت رئيسة الوزراء: «للأسف الشديد، نعم. لكنك لن تغادر فقط؛ فهناك اجتماع لمجلس الوزراء هذا المساء، وأود منك الحضور وطرح وجهة نظرك».
هيلا التى كانت رهن التجنيد آنذاك، قضت معظم وقتها فى الانتقال بين جنازات قتلى الجيش الإسرائيلى، وعندما تعود إلى المنزل تجد شخصًا مهزومًا، يرزح تحت وطأة همٍّ ثقيل، ويفارقه النوم ليلًا ونهارًا، وكثيرًا ما يطلب من زوجته تالما الخروج فى جولة بالسيارة دون وجهة محددة.
واجهت هيلا السؤال الأصعب وفى تقديرها، حين سألتها «معاريف» عن أصدقاء والدها الذين تخلوا عنه فى محنته، فأجابت بلا تردد: «طاليك. نائب والدى فى هيئة الأركان العامة وسلاح المدرعات. كان أحد أقرب أصدقائه. انحاز ببساطة إلى الجانب الآخر. كان الأمر مؤلمًا للغاية».
ووفقًا لما نقلته الصحيفة العبرية عن وثائق ديفيد أليعازر، احتدمت خلافاته مع طاليك، لا سيما فيما يخص الجبهة الجنوبية، وعلاقتها بعبور المصريين قناة السويس، وتأكد رئيس الأركان بتخلى طاليك عنه أمام لجنة أجرانات، واتهمه بالتقصير فى أداء مهامه.
حتى قبل الحرب — وبحدة أكبر بعدها — تبددت طاقة ديفيد أليعازر، وتعطش لراحة البال بفعل المصريين. شعر بالمسؤولية، ليس فقط عما حدث، بل أيضًا عن جهود التعافى. لم يتنصل من استنتاجات لجنة التحقيق، وعكف على التعايش مع ظروفه الجديدة بعد الاستقالة؛ وقال لابنته: «أريد أن أسافر كالغجر؛ ألا أبقى فى مكان واحد، بل أن أكون دائم التنقل».
وعن الأسباب التى أفضت إلى وفاته، ارتدت هيلا قناع المعالجة النفسية، وقالت: «يبدو أن السبب الرئيسى يتعلق بجوانب فسيولوجية أيضًا، إذ لم يعتنِ بصحته، وكان يدخن يوميًا علبتين من السجائر؛ لكن السبب الأهم كان سيكولوجيًا، ويكمن فى شعوره بالظلم، لا سيما وأنه تحمَّل عبء دولة وحكومة بأكملهما خلال حرب مروعة. ولم يكن الأمر مقتصرًا على الظلم فحسب، بل شمل المسؤولية أيضًا، فعجز قلبه ببساطة عن تحمل كل ذلك».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
عند الحديث عن سيرة شهداء الوطن يحتاج الأمر الى مجلدات لرصد التضحيات والبطولات التى قام بها ابناء مصرعلى مدار التاريخ.....
إبراهيم الرفاعى بطل مصرى، تربى فى أسرة وطنية، كان جده يحمل رتبة أمير آلاى ـ عميد ـ فى الجيش المصرى...
أسباب ثورة قائد الحرس الملكى فى وجه الشاذلى ووصفة بالجنون تفاصيل خطة «المآذن العالية».. وفتح الطريق لتدمير خط بارليف
حسانين: تطوير الموانئ يستهدف دعم عمليات الشحن والتفريغ والتخزين ناصر: المشروعات التنموية هى السبيل الحقيقى لتجفيف منابع الإرهاب