بعد مرور 53 عامًا على يوم النصر العظيم حرب الاستنزاف مهَّدت لهزيمة تل أبيب وقادت الإسرائيليين إلى حالة من الهدوء المضلل
لم تسقط حرب أكتوبر من ذاكرة العقل الجمعى الإسرائيلى، فرغم مرور 53 عامًا على التنكيل بفيالق جيش الاحتلال فى رمال سيناء، ما زالت أدمغة تل أبيب تبحث حتى الآن عن إجابة لأسئلة عريضة: كيف فعلها المصريون؟ وكيف ضبطوا الجيش الإسرائيلى خانعًا لدرجة أفقدته التوازن، وأجبرته على التسليم بحقيقة عبور الفراعنة قناة السويس، ونسف حصون خط بارليف فى بضع ساعات؟ صحيفة «معاريف» خالفت جدول أعمال تقاريرها المرتبطة بالأحداث الإقليمية، وانبرت فى إعادة دراسة أسباب جرح لم يلتئم، فرض نفسه ولا يزال على دهاة الحرب ومراكز الأبحاث فى تل أبيب.
عادت الصحيفة العبرية إلى يوم عطلة الغفران، الذى هرول فيه الجنود الإسرائيليين من المعابد لوقف زحف المصريين والسوريين، والحيلولة دون إجهاض نظرية الجيش الذى لا يقهر. وقالت إنه مع الفشل الذى اعترف به جنرالات الاحتلال، عاد السؤال إلى ناصية البحث: لماذا أخفق الجيش الإسرائيلى فى مواجهة المصريين والسوريين؟، ورأت أنه منذ السادس من أكتوبر 1973، خاصة فيما يتعلق بالجبهة المصرية، ما برحت الرؤوس عجزًا عن الإجابة، لكنها استثنت من ذلك حقيقة أن تل أبيب لم تستوعب الدرس حتى اليوم.
روتى باينز فيلدمان، باحثة أولى فى معهد «ميسجاف» للأبحاث، وطالبة دكتوراه فى جامعة تل أبيب، شاركت فى تقصى حقائق وأسباب هزيمة إسرائيل، مشيرة بحسب ما نقلته عنها «معاريف» إلى أن الخلافات البحثية لا زالت قائمة، لكن أكثر المعتقدات رجاحة، تكمن فى عدم استيعاب إسرائيل للدرس حتى الآن، وأقرَّت بأن سرعة أداء المصريين فى الحرب، تمكنَّت من تدمير الجاهزية القتالية للجيش الإسرائيلى، وقادت بشكل أذهل الجميع إلى حالة من الخلل الهيكلى الشامل.
هدوء مضلل
ولفتت الباحثة الإسرائيلية إلى أن حرب الاستنزاف مهَّدت لهزيمة الجيش الإسرائيلى، لا سيما أن جنرالات وقادة تل أبيب تراخوا فى مواصلة تحسين قدرات الجيش، وأصيبوا بالركود وسط حالة من الهدوء المضلل؛ فى حين كان الجيش المصرى يتعلم ويطور قدراته ويستعد بجدية؛ ونتيجة لذلك، طرأ تحول جذرى على ميزان القوى على الأرض، وهو ما أكد أن القدرة العسكرية ليست مسألة نظرية، بل تُقاس عمليًا فى ساحة المعركة.
وفقًا للباحثة، كان أبرز مثال على تفكير إسرائيل الخاطئ عام 1973 هو المفهوم الدفاعى المتعلق بسلسلة النقاط الحصينة المعروفة باسم «خط بارليف». كانت هذه المواقع الممتدة على طول القناة تفتقر إلى القوة البشرية الكافية، كما أن خطة الدفاع عنها لم تكن ملائمة لاستراتيجية الهجوم المصرية، إذ اعتمد الهجوم المصرى على قوات من المشاة والقوات الخاصة التى تمكنت - باستخدام الصواريخ المضادة للدبابات ودعم المدفعية الثقيلة من الضفة الشرقية للقناة - من قطع طرق الوصول إلى تلك النقاط الحصينة، فى حين عبرت موجة هجومية ضخمة قوامها نحو 60 ألف جندى القناةَ عبر الفجوات الموجودة بين المواقع (التى كانت تفصل بينها مسافات تبلغ حوالى 10 كيلومترات). وبهذا، تمكن المصريون من إقامة موطئ قدم شرقى القناة والاستيلاء على النقاط الحصينة من خلال مهاجمتها من الخلف.
احتياط هزيل
وترى روتى باينز فيلدمان أن فكرة إمكانية الدفاع عن «خط المعاقل» (Stronghold Line) عام 1973 بقوة احتياطية هزيلة بدلًا من قوات مشاة نخبوية (كالمظليين أو القوات الخاصة) مدعومة بمدفعية ووحدات مدرعة مدربة على العمليات الدفاعية، مثلت إخفاقًا تخطيطيًا جسيمًا فى صفوف الجيش الإسرائيلي؛ وكشفت عن قصور فى فهم قدرات المصريين؛ ولم يكن ذلك مجرد تصرف نابع عن غطرسة، بل كان دليلًا على افتقار قادة الجيش الإسرائيلى للمهارة القتالية قياسًا بمهارات المصريين.
ورغم أنه لا يجوز بكافة الحسابات المقارنة بين مباغتة حرب أكتوبر 1973، وأحداث 7 من الشهر ذاته عام 2023، إلا أن المقاربة بين التاريخين والحدثين تكمن فى ضبط الجيش الإسرائيلى على نفس حالة انعدام الجاهزية والاستعداد للمواجهة؛ ويضاف إلى الفجوة بين المواجهتين اختلاف الأسباب السياسية والجيوسياسية، فضلًا عن العوامل التكتيكية والاستخباراتية. ومع ذلك، كانت النتيجة واحدة؛ إذ لم يكن الجيش الإسرائيلى بمنأى عن مخاطر نقص الجاهزية، علاوة على استهانته بقوة الخصم، وانهيار انضباطه العملياتى.
محدودية القدرات
من جانبه، يؤكد إيهود باينز، وهو أستاذ فخرى فى جامعة بن جوريون أن الجيش الإسرائيلى وقف أمام حرب أكتوبر 73، وأحداث 7 من الشهر ذاته عام 2023، فاشلًا باقتدار من الناحية العملياتية، لا سيما فى ظل عجز الجيش وجهاز الأمن العام «الشاباك» عن تطبيق بروتوكولات الجاهزية والدفاع الأساسية، إذ عانت قوات الجيش الإسرائيلى نقصًا كبيرًا بسبب عطلات الأعياد، كما كانت قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية - بما فى ذلك وحدات سلاح الجو - فى حالة انخفاض تام لمستوى النشاط والعمليات.
وجزم البروفيسور الإسرائيلى بأن الجيش الذى يتقاعس عن الاستعداد لسيناريوهات هجومية، محكوم عليه بالانهيار فى اللحظة الحاسمة عند مواجهة عدو أعدّ العدة جيدًا لشن هجوم؛ مشيرًا إلى أن المهنية الحقيقية تقتضى إدراك أن الجيش قد يتعرض للمباغتة؛ ليس فقط بسبب نوايا العدو، بل - وهذا هو الأهم - نتيجة اصطدامه المباغت والمؤلم بمحدودية قدراته العملياتية. وعند تحليل الإخفاقات العسكرية الإسرائيلية، لا ينبغى حصر اللوم فى فرد بعينه، أخفق فى نقل تحذير استخباراتى فى الوقت المناسب؛ وإنما يجب أن تنطوى نقطة الانطلاق على إجراء فحص شامل للمنظومة بأكملها.
مراجعة شاملة
وخلص إيهود باينز إلى أن الجيش الإسرائيلى، ورغم مرور 53 عامًا على حرب أكتوبر، لا زال بحاجة كبيرة إلى مراجعة شاملة للمنظومة، مؤكدًا أنه «حان الوقت لمواجهة الحقيقة: نحن لا نتفوق فى كل المواقف، والعدو ليس بالضرورة أقل شأنًا عندما يستعد للحرب على مدى فترة طويلة، استنادًا إلى معطيات ثابتة ومعروفة، خاصة وأن معيار تقييم الجيش لا يكمن فى خطط الطوارئ، أو الصورة الذاتية، أو الإنجازات السابقة، بل يُقاس حصرًا بلحظة الحقيقة حين يشن العدو هجومه. وهذا درس لم نستوعبه نهائيًا، حتى بعد مرور 53 عامًا على حرب «يوم الغفران»، بحسب اعترافه.
إلى ذلك، عادت صحيفة «معاريف» إلى تفسيرات تقليدية اعتبرتها مقبولة للإجابة على سؤال: كيف فعلها المصريون؟، مشيرة إلى تراوح التفسيرات بين الإخفاقات الاستخباراتية فى عهد الجنرال إيلى زعيرا، وأداء قائد القيادة الجنوبية، الجنرال شموئيل جونين (جوروديش). لكنها رأت أن السبب الرئيسى وراء الأداء العسكرى الإسرائيلى المتواضع خلال حرب أكتوبر كان أعمق من ذلك بكثير؛ إذ تمثل فى غياب الاحترافية العسكرية التى تدهورت باطراد فى السنوات التى تلت حرب الاستنزاف.
فخلال تلك الفترة، ترسخت لدى الجيش الإسرائيلى قناعة بأن المصريين عاجزون عن تنفيذ مناورة عسكرية ذات شأن. ولم تقتصر تداعيات هذا التصور على التقديرات الاستخباراتية فحسب، بل امتدت لتؤثر - وهذا هو الأهم - على الجاهزية العملياتية الميدانية، وعلى كيفية تقييم الجيش لقدراته الذاتية فى مواجهة العدو.
تعديل العقيدة
وفى المقابل، عدَّل المصريون عقيدتهم القتالية؛ إذ أدركوا استحالة السيطرة على كامل سيناء، فتخلوا عن هذا الطموح، وركزوا بدلًا من ذلك على الاستيلاء على «خط بارليف»، وإنشاء رؤوس جسور محدودة العمق، وهى خطوة صُممت لتمكينهم من الصمود بنجاح أمام أى هجوم إسرائيلى مضاد.
وفقًا لمنظور إسرائيل، بدأت حرب أكتوبر بهجوم مفاجئ ومتزامن، شنته كل من مصر وسوريا على طول الحدود التى رُسِّمت عقب حرب 1967. وبالنسبة لمصر، كانت الحرب فى المقام الأول صراعًا حدوديًا، فى حين كانت بالنسبة لسوريا حربًا لاستعادة هضبة الجولان - وربما حتى المناطق المتاخمة لها قرب بحيرة طبريا ومنطقة «إصبع الجليل». وعلى الجبهة الجنوبية، نجح المصريون فى اختراق «خط بارليف» وإقامة رؤوس جسور تمتد لنحو عشرة كيلومترات فى العمق على طول قناة السويس. وعقب فشل الهجوم المضاد الذى شنه الجيش الإسرائيلى فى 8 أكتوبر، عزز المصريون مواقعهم وتقدموا نحو ممرّى «الجدي» و«متلا»، الواقعين على مسافة تقارب 40 كيلومترًا من القناة. ومع ذلك، اختار المصريون استغلال هذا النجاح الأولى للتقدم إلى ما بعد تلك الممرات. وعلى الجبهة الشمالية، حقق السوريون نجاحًا أوليًا أكبر؛ إذ تمكنوا من اختراق خطوط الدفاع الإسرائيلية فى وسط وجنوب هضبة الجولان، والتوغل فى عمق الهضبة، وهو إنجاز فاق التقديرات التى وُضعت قبل الحرب، وفق تقديرات تل أبيب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
عند الحديث عن سيرة شهداء الوطن يحتاج الأمر الى مجلدات لرصد التضحيات والبطولات التى قام بها ابناء مصرعلى مدار التاريخ.....
إبراهيم الرفاعى بطل مصرى، تربى فى أسرة وطنية، كان جده يحمل رتبة أمير آلاى ـ عميد ـ فى الجيش المصرى...
أسباب ثورة قائد الحرس الملكى فى وجه الشاذلى ووصفة بالجنون تفاصيل خطة «المآذن العالية».. وفتح الطريق لتدمير خط بارليف
حسانين: تطوير الموانئ يستهدف دعم عمليات الشحن والتفريغ والتخزين ناصر: المشروعات التنموية هى السبيل الحقيقى لتجفيف منابع الإرهاب