تدمير الحفار الإسرائيلى.. ملحمة الضفادع البشرية المصرية فى قلب إفريقيا

اللواء بحرى محمود سعد يروى أسرار العملية: عبد الناصر قال لنا: «شرف مصر بين أيديكم» قبل تنفيــــــــــــذ المهمة السفير المصرى فى ساحل العاج للرائد جودت: «اعتبرنى مجندًا معك.. وشوف عاوز إيه أعمله» لغّمنا الحفار من أحد أضلاعه.. وفجرناه بعد سباحة كيلومتر ذهابًا ومثله إيابًا

بعد 53 عامًا على انتصار أكتوبر العظيم، تظل حرب الاستنزاف وما سبقها من عمليات نوعية إحدى الصفحات المهمة فى تاريخ العسكرية المصرية، بعدما مهّدت تلك العمليات الطريق أمام استعادة الثقة والقدرة على المبادرة، وصولًا إلى عبور قناة السويس فى السادس من أكتوبر 1973.

ومن بين أبرز العمليات التى ارتبطت بتلك المرحلة، عملية تدمير الحفار الإسرائيلى الذى حاولت إسرائيل استخدامه للتنقيب عن البترول فى خليج السويس، فى واحدة من العمليات التى حملت طابعًا شديد السرية، ونُفذت بعيدًا عن الأراضى المصرية، بالتنسيق بين القوات البحرية والمخابرات العامة.

اللواء بحرى محمود سعد، أحد المشاركين فى العملية، روى فى عدد من لقاءاته تفاصيل مهمة عن هذه المهمة الاستثنائية، منذ مراحل الإعداد والتدريب، مرورًا بمحاولة التنفيذ الأولى فى السنغال، ثم الانتقال إلى ساحل العاج وتنفيذ العملية، وصولًا إلى متابعة محاولات إصلاح الحفار وتدميره نهائيًا.

كما تحدث سعد عن سنوات التدريب الشاق مع الضفادع البشرية، والعمليات النوعية التى سبقت حرب أكتوبر، والمهام الخارجية التى شارك فيها، ودور رجال المخابرات العامة فى توفير المعلومات والتنسيق وتأمين تحركات القوات المشاركة فى العمليات السرية.

 من كلية الطب إلى الضفادع البشرية

بدأ اللواء محمود سعد حديثه بالعودة إلى بدايات التحاقه بالقوات البحرية، موضحًا أنه التحق فى البداية بكلية الطب، قبل أن يجذبه شغفه إلى الحياة العسكرية، ولا سيما القوات البحرية. وقال إن التحاقه بالقوات البحرية جاء فى مرحلة شديدة الحساسية، إذ تخرج بعد أيام قليلة من نكسة يونيو 1967، وهى الفترة التى تركت أثرًا كبيرًا فى تكوينه العسكرى والوطنى. وأضاف أن التدريبات التى خضع لها كانت شديدة القسوة، واعتمدت على بناء قدرات بدنية واستثنائية، خاصة بالنسبة إلى عناصر الضفادع البشرية.

وأوضح أن التدريب كان يشمل السباحة لمسافات طويلة تبدأ تدريجيًا، وقد تتجاوز فى بعض الظروف 20 كيلومترًا، خاصة عند الإعداد لعمليات تتطلب التمركز بعيدًا أو التعامل مع ظروف مناخية وعسكرية صعبة.

كما شملت التدريبات الغوص لمسافات بعيدة، والتعامل مع معدات مختلفة، وإجراء تدريبات تحاكى ظروف العمليات الفعلية، من دون أن يعرف المتدربون بالضرورة الهدف الحقيقى من تلك التدريبات.

وقال سعد إن التدريب الشاق جعل بعض العمليات الفعلية تبدو وكأنها نزهة، مقارنة بما خضعوا له خلال فترة الإعداد.

 سباحة من أبو قير إلى جزيرة نيلسون

وأشار إلى أن بعض التدريبات كانت تتضمن السباحة لمسافة نحو سبعة كيلومترات ذهابًا ومثلها إيابًا بين مركز التدريب فى أبو قير وجزيرة نيلسون، وهى مسافة تقارب، المسافة بين العقبة وإيلات.

وأوضح أن تلك التدريبات جاءت فى إطار إعداد الضفادع البشرية لتنفيذ عمليات نوعية، مشيرًا إلى أن المنافسة بين أفراد جيله كانت كبيرة، خاصة أنهم كانوا من أبناء الجيل الذى تخرج فى أعقاب النكسة.

وأضاف أن الشعور بالمرارة والرغبة فى استعادة الثقة كانا من أهم دوافع التدريب، مؤكدًا أن هذه المرحلة أظهرت معدن الجندى المصرى وقدرته على بذل جهود كبيرة فى ظروف شديدة الصعوبة.

وضرب مثالًا باللواء نبيل عبد الوهاب، أحد أبطال عملية إيلات، والذى وصفه بأنه زميل دفعة محبوب، مشيرًا إلى ما قام به من مجهود بدنى كبير خلال إحدى المهام.

وقال إن هذه القدرات لم تكن لتتحقق لولا التدريبات القاسية التى خضعت لها عناصر الضفادع البشرية، والتى شملت السباحة لمسافات طويلة وفى ظروف جوية ومناخية مختلفة.

 إعادة بناء القوات المسلحة

وتطرق سعد إلى فترة ما بعد النكسة، موضحًا أن القيادة السياسية بدأت، فى إعادة النظر فى عدد من الأوضاع والقيادات، والعمل على إعادة بناء القوات المسلحة.

وأشار إلى تولى الفريق محمود فهمى قيادة القوات البحرية، موضحًا أن هذه المرحلة شهدت تنفيذ عدد من العمليات النوعية.

وقال إن عملية إيلات كانت من أبرز العمليات التى شهدتها هذه المرحلة، وإنه كان يتمنى المشاركة فيها، بعدما كان مقررًا أن يكون ضمن إحدى المجموعات المكلفة بالمهمة، لكنه لم يشارك فى النهاية.

وأضاف أن عدم مشاركته فى عملية إيلات جعله يشعر بالحزن، لكنه التقى بعد ذلك بالرائد خليفة جودت، الذى وصفه بأنه كان صديقًا وأخًا أكبر لأفراد دفعته، وهو الضابط الذى تولى قيادة عملية تدمير الحفار.

 تدريبات تحاكى أصعب الظروف

وأوضح سعد أن تدريبات الضفادع البشرية لم تكن تقليدية، بل كانت تحاكى ظروف العمليات المحتملة.

وأشار إلى تدريبات جرت فى مياه السلوم وتشبه، من هذه الزاوية، طبيعة المياه فى منطقة إيلات، بما يتطلب مزيدًا من التدريب على التخفى.

كما تحدث عن تدريبات باستخدام قوارب «الزودياك» من أبو قير حتى سيدى كرير، فى ظروف جوية شتوية صعبة.

وقال إن بعض هذه التدريبات كان مرتبطًا بمهام محددة، وإن إحدى المهام التى جرى الإعداد لها كانت تستهدف تنفيذ عملية فى الجنوب اللبنانى ضد القوات الإسرائيلية، قبل أن يتم إلغاء المهمة لأسباب تتعلق بالقيادة، وإعادتهم إلى القاهرة.

 لماذا كان الحفار الإسرائيلى هدفًا؟

وعن بداية التخطيط لضرب الحفار الإسرائيلي، قال سعد إن العملية كانت ضرورية، بعدما وصلت معلومات إلى القيادة المصرية تفيد بقيام شركة ذات مساهمات بريطانية وإسرائيلية وأمريكية باستئجار حفار عملاق من إحدى الشركات الكندية المتخصصة فى أعمال حفر آبار البترول.

وأوضح أن الهدف كان استخدام الحفار فى أعمال التنقيب عن البترول فى خليج السويس، وهى مياه سيادية مصرية.

وأضاف أن الرئيس جمال عبد الناصر طلب من المسؤولين المصريين التحرك دبلوماسيًا لدى الدول المرتبطة بالشركة، وطلب عدم تقديم المساعدة لإسرائيل، إلا أن الرد لم يكن على مستوى المطالب المصرية.

وقال سعد إن الأمر لم يكن يتعلق فقط بالحفار باعتباره وسيلة للتنقيب عن الثروات المصرية، وإنما ارتبط أيضًا بما وصفه بالحملة الدعائية الإسرائيلية التى كانت تستهدف إظهار تفوق إسرائيل والتقليل من قدرة الدولة المصرية.

 خطة سرية.. والمخابرات تتعقب الحفار

وأوضح سعد أن عبد الناصر كلف سامى شرف، من رئاسة الجمهورية، وأمين هويدي، رئيس المخابرات العامة، ومحمد فوزي، وزير الحربية، بإعداد ملف كامل عن الحفار وإمكانية استهدافه ووسائل تنفيذ العملية، على أن تتم فى سرية كاملة.

وأشار إلى أن الظروف العسكرية والسياسية لم تكن تسمح بكشف هوية المنفذين، ولذلك كان الهدف تنفيذ العملية دون أن تتمكن إسرائيل من إثبات أن مصر تقف وراءها.

وبدأت الاجتماعات والتنسيق بين القيادات المعنية، بمشاركة عدد من المسؤولين، من بينهم وزير الداخلية شعراوى جمعة، وتم الاتفاق على تنفيذ العملية بواسطة الضفادع البشرية قبل وصول الحفار إلى البحر الأحمر ودخوله المياه الإقليمية المصرية.

وبحسب رواية سعد، تولت المخابرات العامة متابعة الحفار الذى كان يرفع العلم الكندى ويحمل اسم «كينتينج»، واستفادت فى ذلك من معلومات مصدر يعمل مهندسًا على الحفار، وكان ينقل تفاصيل تحركاته وتوقفه فى الموانئ.

 المحاولة الأولى.. داكار

بعد تلقى الفريق محمود فهمى الأوامر، بدأ اختيار عناصر الضفادع البشرية المكلفة بتنفيذ المهمة.

وقال سعد إن الرائد خليفة جودت اختاره ضمن الضباط المشاركين، وإن المجموعة قسمت إلى فريقين.

وأوضح أن المجموعة الأولى، التى كان ضمنها، تولى قيادتها الرائد أنور عطية، وتحركت من القاهرة إلى فرانكفورت، ومنها إلى داكار، بينما تحركت المجموعة الأخرى عبر أديس أبابا.

وأضاف أن المعدات والألغام حملت داخل حقائب دبلوماسية، بينما استخدم أفراد المجموعة هويات مختلفة أعدتها المخابرات العامة، بحسب طبيعة الغطاء المطلوب لكل فرد، فمنهم من ظهر باعتباره مدرسًا أو مهندسًا.

وانطلقت المجموعة من القاهرة فى 19 فبراير 1970، ووصلت إلى داكار، حيث كان الحفار راسيًا فى الميناء.

 اعتراض السفير.. وتحرك الحفار

وأشار سعد إلى أن الرائد خليفة جودت توجه مع مندوب المخابرات أحمد هلال إلى السفير المصرى لإطلاعه على طبيعة المهمة واحتياجات المجموعة.

لكن المفاجأة، كانت فى رفض السفير للعملية، وإرساله طلبًا إلى القاهرة بوقف تنفيذها، خشية أن تؤثر العملية فى العلاقات المصرية مع دول إفريقيا.

ولم تكد المجموعة تستوعب الموقف حتى تحركت القاطرة التى تجر الحفار من الميناء فى نحو الخامسة مساءً، ما أدى إلى فشل المحاولة الأولى.

وعادت المجموعة إلى مصر، وظلت فى انتظار التعليمات، حتى وصلت معلومات جديدة تفيد بوجود الحفار فى ميناء أبيدجان بساحل العاج.

 «شرف مصر بين أيديكم»

ويقول سعد إن المجموعة تحركت من الإسكندرية إلى القاهرة، ثم جرى التنسيق مع مندوب المخابرات محمد نسيم، المعروف باسم «نسيم قلب الأسد».

وأضاف أن نسيم نقل إليهم تحيات أمين هويدي، وأبلغهم أن الرئيس جمال عبد الناصر قال له: «بلغ الولاد إن شرف مصر بين أيديكم». وجرى تقسيم المشاركين إلى مجموعتين؛ ضمت مجموعة سعد الرائد خليفة جودت، والملازم حسنى الشراكي، وصف الضابط أحمد المصري، بينما قاد الرائد أنور عطية المجموعة الثانية.

وتحركت مجموعة جودت عبر باريس إلى أبيدجان، بينما سلكت المجموعة الأخرى طريقًا مختلفًا عبر أثينا، مع الحفاظ على الفصل الكامل بين أفراد المجموعتين، بحيث لا يبدو أنهم يعملون فى مهمة واحدة.

 «اعتبرنى مجندًا معاك»

وصلت مجموعة جودت إلى أبيدجان، وتوجهت مباشرة إلى منزل السفير المصرى إحسان طلعت، الذى كان ضابطًا بحريًا قبل التحاقه بالسلك الدبلوماسى.

وقال سعد إن جودت شرح للسفير طبيعة المهمة، فكان رد فعله مختلفًا تمامًا عن موقف السفير فى داكار.

وأضاف أن السفير رحب بهم، وقال للرائد جودت: «اعتبرنى مجندًا معاك، وشوف عاوز إيه أعمله».

وبدأت المجموعة فى نقل المعدات إلى منزل السفير، والاستعداد للاستطلاع وتنفيذ المهمة.

 نقطة الإنزال

أوضح سعد أن المجموعة استطاعت تحديد نقطة إنزال مناسبة على بعد نحو كيلومتر واحد من الحفار، وكانت منطقة شجرية تصلح للتمركز. وقال إن هذا الموقع كان أفضل كثيرًا من موقع داكار، الذى كان يتطلب السباحة لمسافات أطول بكثير. وأضاف أن المسافة لم تتجاوز كيلومترًا واحدًا ذهابًا ومثله إيابًا، وهو أمر كان سهلًا بالنسبة إلى عناصر تدربت على السباحة لمسافات طويلة. وأشاد سعد بالسفير إحسان طلعت، مشيرًا إلى أنه كان يقود السيارة بنفسه لنقل أفراد المجموعة، بعدما أخرج معظم العاملين من المنزل، ولم يبقَ معهم سوى زوجته التى ساعدت فى توفير احتياجات المجموعة حتى اكتمال الاستعداد.

 فجر 8 مارس.. ساعة التنفيذ

مع اقتراب موعد التنفيذ، قررت المجموعة عدم انتظار الفريق الآخر، خشية أن يتحرك الحفار مرة أخرى كما حدث فى داكار.

وبحسب رواية سعد، جرى الاتفاق على تنفيذ العملية ليلًا، معتمدين على القاعدة التى كان يرددها الفريق محمود فهمى لعناصره: طالما أن الهدف متاح ويمكن تدميره، فلا تنتظر حتى تضيع الفرصة.

وفى فجر الثامن من مارس 1970، تحرك السفير بالمجموعة إلى موقع الإنزال، ثم عاد، بينما ارتدى أفراد الضفادع البشرية ملابسهم واستعدوا للنزول إلى المياه.

وكانت المجموعة مكونة من أربعة أفراد: الرائد خليفة جودت قائدًا، والملازم محمود سعد، والملازم حسنى الشراكي، وصف الضابط أحمد المصري.

واقترح سعد تغيير طريقة النزول، بحيث ينزل ثلاثة أفراد معًا إلى المياه، بينما يبقى جودت للقيادة والإعداد، وهو ما تم الاتفاق عليه بعد مناقشة صعوبة حمل الألغام.

 السباحة إلى الحفار

نزل سعد والشراكى وأحمد المصرى إلى المياه، بينما بقى جودت لمتابعة العملية.

وقال سعد إنه كان فى المنتصف ويحمل البوصلة، بينما كان الشراكى على يمينه، وأحمد المصرى على يساره، وكان كل منهم مرتبطًا بالآخر بحبل.

وأضاف أن السباحة لم تكن صعبة بسبب قصر المسافة، خاصة مقارنة بما خضعوا له خلال التدريبات.

لكن أثناء السباحة لاحظ سعد ما بدا له كأنه جذوع أشجار تسقط فى المياه وتختفى تحت سطحها.

وقال إنه ظن أن بعض السكان المحليين يقومون بإلقاء الأخشاب فى المياه، لكنه فوجئ بأنها لا تطفو.

 «خليك فى شغلك»

خلع سعد قناع الوجه، وعاد إلى الشاطئ ليسأل جودت عن طبيعة هذه الأخشاب.

ويقول إن جودت رد عليه بلهجة حاسمة: «خليك فى شغلك وركز بس». وعادت المجموعة إلى تنفيذ المهمة، حيث جرى تلغيم الحفار من أحد أضلاعه.

وأوضح سعد أن الحفار كان يتخذ شكلًا مثلثًا، وأن اختيار أحد أضلاعه لاستهدافه كان الطريقة المثلى لضمان تدميره وإغراقه. وضبطت الألغام بحيث تنفجر فى توقيت واحد بعد نحو ثلاث ساعات.

وأشاد سعد بدقة الملازم حسنى الشراكى فى وضع أحد الألغام فى نقطة حساسة أسفل الضلع، مؤكدًا أن الدقة التى تعامل بها مع المهمة كانت أحد عوامل نجاحها.

وأشار إلى أن المجموعة لم تقم بتلغيم القاطرة الهولندية التى كانت تجر الحفار، لأن التعليمات كانت واضحة بتدمير الحفار فقط، وعدم توسيع نطاق العملية إلى دولة أخرى.

 إغلاق مطار أبيدجان

بعد الانتهاء من زرع الألغام، عادت المجموعة إلى الفندق، استعدادًا للتوجه إلى المطار. وكانت المجموعة الأخرى قد وصلت فى الرابعة فجرًا، دون أن تعلم شيئًا عن تنفيذ المجموعة الأولى للمهمة.

ويقول سعد إنه التقى الملازم عادل الصحراوي، الذى سأله عن موعد تنفيذ العملية، فأجابه: «خلصنا يا صديقى». وفى تلك اللحظات بدأت أصوات الانفجارات تتردد، بينما كانت المجموعة فى طريقها إلى المطار.

وبسبب الانفجارات التى هزت المدينة، قررت السلطات إغلاق المطار كإجراء أمني، إلا أن وجود مسؤول فرنسى رفيع كان يستعد للسفر إلى باريس ساهم فى السماح بإقلاع الرحلة التى كانت تقل المجموعة.

وبعد ذلك أُغلق المطار، بينما بقيت المجموعة الأخرى فى أبيدجان، قبل أن تعود لاحقًا إلى القاهرة.

 إنكار رسمى لمعرفة مصر بالعملية

وصلت المجموعة إلى باريس، حيث كان فى استقبالها السفير المصرى حافظ إسماعيل، الذى نسق مع مندوب المخابرات عملية العودة إلى القاهرة. ومن باريس توجه أفراد المجموعة إلى القاهرة، عبر ترانزيت فى زيورخ.

ويقول سعد إن عددًا من المواقف الطريفة وقعت خلال رحلة العودة، من بينها موقف قائد الطائرة الذى كان يحاول التعرف على «الشخص المهم» الذى تحدث عنه السفير المصري.

وأضاف أن السفير قال لقائد الطائرة إن على متنها شخصًا مهمًا جدًا بالنسبة إلى الرئيس عبد الناصر، ما جعل قائد الطائرة يتفحص وجوه أفراد المجموعة. وبعد فترة، قال لهم إنه أدرك أنهم هم من قاموا بتدمير الحفار.

لكن المجموعة، وفق رواية سعد، أنكرت معرفتها بالأمر، بينما أصر قائد الطائرة على استنتاجه، وقدم لهم السجائر خلال الترانزيت فى زيورخ تعبيرًا عن الترحيب.

وأشار سعد إلى أن مسؤولًا فرنسيًا رفيعًا أبلغ السفير المصرى فى فرنسا بأن ما حدث كان عملًا عظيمًا، إلا أن السفير أنكر علاقة مصر بالعملية.

وكانت إسرائيل قد حاولت اتهام مصر بتدمير الحفار، لكن لم يكن لديها، بحسب سعد، دليل حاسم، باستثناء قطعة ملابس تخص أحمد المصرى عثر عليها الجانب الإسرائيلى بعد نحو أسبوع من التفجير.

 تكريم لم يتم.. و«النجمة العسكرية»

بعد الوصول إلى القاهرة، التقت المجموعة بأمين هويدي، الذى احتضن أفرادها وطلب منهم سرد تفاصيل الرحلة. كما حضر سامى شرف من رئاسة الجمهورية للحصول على التقارير الكاملة عن العملية. وطُلب من أفراد المجموعة عدم مغادرة القاهرة انتظارًا للقاء الرئيس عبد الناصر وتكريمهم.

لكن اللقاء لم يتم، بحسب سعد، بسبب انشغال عبد الناصر فى ذلك الوقت بملف السودان.

وبعد العودة إلى الإسكندرية، قرر الفريق محمود فهمى طلب تكريم المجموعة.

وقال سعد إن وزير الحربية محمد فوزى وافق على منح أفراد المجموعة النجمة العسكرية تقديرًا لدورهم فى العملية.

 الحفار لم ينته بعد

لكن قصة الحفار لم تنتهِ عند عملية التفجير الأولى. فقد بدأت إسرائيل، وفق رواية سعد، فى محاولة إصلاح الحفار بعد سحبه إلى مكان آمن.

وأشار إلى أن المخابرات العامة حصلت على معلومات تفيد بنقل الحفار المدمر إلى ميناء أكرا فى غانا، بهدف إصلاحه داخل الحوض الجاف. وعلى إثر ذلك، جرى إعداد خطة جديدة لمتابعة الحفار واستهدافه إذا نجحت محاولات إصلاحه.

 شهر كامل على متن قارب صيد

قال سعد إن رجال المخابرات قاموا باستئجار مركب للصيد فى أعالى البحار، هو مركب «رأس بناس»، على أن يكون الغطاء الظاهرى له القيام برحلات صيد فى لاجوس بنيجيريا. وكان الهدف الحقيقى هو البقاء بالقرب من موقع إصلاح الحفار ومتابعة تحركاته، واختيار الوقت المناسب لتنفيذ عملية جديدة إذا استدعى الأمر.

وأوضح سعد أنه تلقى تعليمات بالمهمة من خليفة جودت، وأن المجموعة ضمت الملازم عادل الصحراوى وعبد الرؤوف سالم، إلى جانب ثلاثة من صف الضباط وضابط من سلاح الإشارة. وبقيت المجموعة فى لاجوس نحو شهر كامل، بينما كانت المعلومات تصل بصورة مستمرة عن صعوبة إصلاح الحفار.

وفى النهاية، اضطرت إسرائيل، بحسب روايته، إلى بيع الحفار خردة بعد فشل محاولات إصلاحه.

وعادت المجموعة إلى القاهرة دون الحاجة إلى تنفيذ عملية تفجير جديدة، لتنتهى بذلك، وفق رواية سعد، محاولة إسرائيل التنقيب عن البترول فى المياه الإقليمية المصرية.

 شائعة الفيلم السينمائي

وعن حقيقة تخفى فرقة من الضفادع البشرية ضمن فريق عمل أحد الأفلام السينمائية لتنفيذ العملية، نفى سعد صحة هذه الرواية. وقال إن أحدًا لم يكن يعلم بطبيعة المهمة أو خط سيرها، باستثناء عناصر البحرية والمخابرات العامة المشاركين فى العملية.

وأوضح أن انتشار هذه الشائعة ربما جاء بسبب تصوير فيلم «عماشة فى الأدغال» فى فترة قريبة من العملية، إلا أنه لا يتزامن معها، بحسب روايته.

 عمليات أخرى بعد الحفار

وأكد سعد أن مواجهة القوات الإسرائيلية لم تتوقف بعد عملية الحفار، مشيرًا إلى استمرار مهام الضفادع البشرية وعملياتها فى المياه الإقليمية المصرية.

وتحدث عن عمليات للمرور من منطقة رأس العش، التى كانت توجد بها قوات إسرائيلية، وتنفيذ مهام إمداد ودعم وعمليات نوعية، إلى جانب مواجهات مباشرة مع اللانشات البحرية الإسرائيلية التى فتحت نيرانها على القوات المصرية.

وأشار إلى أن بعض هذه المواجهات وقعت أثناء التحرك من الزعفرانة إلى نقاط العبور فى خليج السويس، مؤكدًا أنها أسفرت، بحسب روايته، عن خسائر فى صفوف القوات الإسرائيلية.

 «هما يعرفونى منين يا فندم؟»

ويروى سعد موقفًا طريفًا للبطل أحمد المصري، قائلًا إن جنود العدو كانوا يطلقون النيران ويصرخون: «سلم نفسك يا مصرى». وكان المصرى يرد مداعبًا: «هما يعرفونى منين يا فندم؟». ويقول سعد إن هذه المواقف عكست الروح المعنوية العالية التى كان يتمتع بها أفراد الضفادع البشرية حتى فى أصعب الظروف.

 مهام خارجية.. ومهمة «الدسوقى»

وأوضح سعد أن مهام القوات البحرية لم تقتصر على مواجهة العدو داخل المياه الإقليمية المصرية، بل شملت عددًا من المهام الخارجية. وأشار إلى عملية نقل معدات إلى بيروت على متن سفينة تجارية تحمل اسم «الدسوقي»، كانت قد دخلت ميناء الإسكندرية من الرصيف الحربي. وقال إن إحدى مهام السفينة كانت إخلاء كتيبة الرادار الموجودة فى العقبة بأفرادها ومعداتها. وأضاف أنه شارك فى الرحلة دون أن يحمل أوراقًا تثبت هويته، تنفيذًا لتعليمات القيادة، موضحًا أن طبيعة هذه المهام كانت تفرض قدرًا كبيرًا من السرية، حفاظًا على المصالح المصرية وعدم تحميل الدولة تبعات سياسية فى حالة حدوث أى مكروه.

 المخابرات العامة.. «رجال الظل»

وأشاد سعد بالدور الذى قامت به المخابرات العامة فى العمليات النوعية، مؤكدًا أن المعلومات كانت عنصرًا أساسيًا فى التخطيط والتنفيذ.

وقال إن عناصر الضفادع البشرية لم تكن تستطيع التحرك من دون المعلومات التى توفرها المخابرات، والتى كان يرافقهم فيها مندوب يتغير حسب المكان والظروف، بينما تظل مهمته الأساسية توفير المعلومات وتسهيل الدخول والخروج وتذليل العقبات.

وأضاف أن من دواعى سروره العمل مع محمد نسيم، المعروف باسم «نسيم قلب الأسد»، خلال عملية الحفار.

وأشار إلى أن نسيم كان يستطيع الانتظار فى السفارة بعد انتهاء مهمته، لكنه رافق المجموعة إلى موقع الإنزال، وكان إلى جوار السفير إحسان طلعت الذى قاد السيارة بنفسه. وأوضح أن نسيم لم يغادر أبيدجان مع المجموعة، وإنما بقى هناك لمتابعة ردود الفعل على تدمير الحفار والاطمئنان على المجموعة الثانية.

 ملحمة من السرية والانضباط

وتبقى عملية الحفار واحدة من القصص التى تكشف جانبًا من طبيعة العمل الذى قامت به القوات البحرية المصرية والضفادع البشرية خلال مرحلة حرب الاستنزاف، حيث امتزج التدريب الشاق بالسرية الكاملة، والتنسيق بين القوات المسلحة والمخابرات العامة، والعمل فى ظروف جغرافية وسياسية شديدة التعقيد.

وبعيدًا عن تفاصيل العملية العسكرية نفسها، تكشف رواية اللواء بحرى محمود سعد عن جيل من المقاتلين الذين خاضوا مهامهم فى صمت، وتحركوا بهويات مختلفة، وعملوا خارج الحدود، وكان هدفهم الأساسى تنفيذ المهمة والعودة سالمين، مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من السرية.

ومن داكار إلى أبيدجان، ومن السباحة تحت المياه إلى تفجير الحفار، ثم متابعة محاولات إصلاحه على مدى شهر كامل، ظلت العملية واحدة من أبرز المهام التى ارتبطت بمرحلة الاستعداد الطويلة التى سبقت نصر أكتوبر، بما حملته من تدريب وتخطيط ومخاطرة وانضباط.

 	أحمد جمال

أحمد جمال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

هيلا أليعازر تكشف كواليس التنكيــل بجيش الاحتلال فى رمال سيناء
قصة الأظرف المغلقة لقواتنا البحرية قبل ساعة الصفر بـ«10» أيام سر إصرار

المزيد من سياسة

حرب أكتوبر .. تعظيم سلام

عند الحديث عن سيرة شهداء الوطن يحتاج الأمر الى مجلدات لرصد التضحيات والبطولات التى قام بها ابناء مصرعلى مدار التاريخ.....

إبراهيم الرفاعى.. صيّاد أولاد الأفاعى

إبراهيم الرفاعى بطل مصرى، تربى فى أسرة وطنية، كان جده يحمل رتبة أمير آلاى ـ عميد ـ فى الجيش المصرى...

لمحات من سيرة حياة الفريـق سعد الشاذلى

أسباب ثورة قائد الحرس الملكى فى وجه الشاذلى ووصفة بالجنون تفاصيل خطة «المآذن العالية».. وفتح الطريق لتدمير خط بارليف

سيناء الأمن القومى.. وصمام أمــان الدولة المصرية

حسانين: تطوير الموانئ يستهدف دعم عمليات الشحن والتفريغ والتخزين ناصر: المشروعات التنموية هى السبيل الحقيقى لتجفيف منابع الإرهاب