أبعاد التحركات المصرية لتعزيز القدرات الدفاعية العربية وحماية أمن الأمة

في ظل أزمات وصراعات وتحولات متسارعة تعيد تشكيل خريطة التهديدات المحيطة بالدول العربية، يعود ملف الأمن القومي العربي إلى واجهة النقاش،

بالتزامن مع تحركات مصرية تستهدف دفع العمل العربي المشترك نحو مستويات أكثر فاعلية، وتعزيز التكامل الأمني والدفاعي بين الدول العربية، بما يسمح بتنسيق القدرات المتاحة والتعامل بصورة جماعية مع المخاطر التي تهدد أمن واستقرار المنطقة.

وتتجاوز الرؤية المصرية، في هذا السياق، حدود التنسيق السياسي التقليدي، لتطرح تساؤلات أوسع حول إمكانية بناء منظومة أمنية ودفاعية قابلة على تحويل الإرادة السياسية العربية إلى قدرات فعلية للردع وحماية المصالح المشتركة، خصوصًا في ظل تداخل الأبعاد العسكرية والأمنية والسياسية للأزمات التي تشهدها المنطقة.

وتبرز هنا تساؤلات عدة: هل يمكن أن تمثل التحركات المصرية بداية جديدة لإحياء فكرة التكامل الأمني والدفاعي العربي، بعد سنوات من تعثر محاولات إنشاء قوة عربية مشتركة؟ وما المجالات التي يمكن أن يبدأ منها هذا التكامل، سواء عبر تنسيق القدرات العسكرية، أو تبادل المعلومات والخبرات، أو إجراء المناورات المشتركة، أو تطوير آليات للتعامل الجماعي مع الأزمات والتهديدات؟

فكرة قديمة وتحديات جديدة

في هذا الإطار، يقول السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للعلاقات الخارجية، إن الرؤية التي طرحتها مصر بشأن دفع التكامل الأمني والدفاعي العربي ليست جديدة، إذ سبق للقاهرة طرح الفكرة ومناقشتها مع عدد من الدول العربية خلال فترات سابقة.

وأوضح أن المناقشات السابقة وصلت إلى مجموعة من النتائج، وكانت تقترب من استكمال بعض الترتيبات، قبل أن تتوقف في مرحلة لاحقة، مشيرًا إلى أن إعادة طرح مصر لفكرة التكامل الأمني والدفاعي العربي، على لسان وزير الخارجية، تستند إلى أن وجود منظومة أمنية عربية يمكن أن يمثل إحدى ضمانات الأمن القومي العربي، لافتًا إلى وجود اتفاقية للدفاع العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، يمكن الاستناد إليها كأساس لإعادة بناء منظومة دفاعية أكثر فاعلية.

توافق سياسي

ويشير السفير رخا أحمد حسن إلى إمكانية تعديل بعض بنود اتفاقية الدفاع العربي المشترك بما يراعي الالتزامات والاتفاقيات القائمة بين الدول العربية، معتبرًا أن تطوير الإطار القانوني قد يتيح استخدامه كأساس لإقامة منظومة أمنية ودفاعية عربية أكثر فاعلية.

لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديًا أساسيًا يتعلق بمدى ملاءمة الأوضاع السياسية والعلاقات القائمة بين الدول العربية في الوقت الحالي لإنشاء قوة مشتركة.

ويؤكد أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود إطار قانوني أو اتفاقيات يمكن البناء عليها، وإنما بمدى قدرة الدول العربية على تحقيق توافق سياسي يسمح بتحويل هذه الأطر إلى آليات عملية.

الخلافات العربية.. العقبة الأصعب

ويستشهد السفير رخا بعدد من الخلافات والأزمات القائمة بين دول عربية، معتبرًا أنها تعكس صعوبة الوصول إلى توافق عربي واسع بشأن إنشاء قوة ردع مشتركة.

ويشير إلى التوترات القائمة في علاقات عدد من الدول العربية، إلى جانب الأوضاع الداخلية المعقدة في دول أخرى، وما تواجهه دول عربية من أزمات سياسية وأمنية وحروب وصراعات ممتدة.

ويرى أن هذه الظروف تطرح سؤالاً جوهريًا حول الدول التي يمكن أن تشارك فعليًا في تشكيل قوة عربية مشتركة، ومدى إمكانية التوفيق بين الأولويات والمصالح المختلفة للدول المشاركة.

ويضيف أن اتجاه بعض الدول العربية إلى بناء ترتيبات أو شراكات دفاعية مع دول إقليمية ودولية يعكس، طبيعة المشهد الراهن ومدى صعوبة الوصول إلى صيغة عربية شاملة.

ومع ذلك، يؤكد السفير رخا حسن أن فكرة إنشاء قوة دفاع عربية مشتركة تظل مطروحة وضرورية، معتبرًا أنه طالما توجد جامعة الدول العربية، فمن المنطقي أن تكون هناك منظومة أمنية في إطارها، تتضمن آليات للتعاون العسكري وقوات عربية مشتركة.

البداية الممكنة

ويطرح السفير رخا تصورًا يمكن أن يبدأ من خلاله التكامل الدفاعي العربي، عبر إجراء مناورات عسكرية منتظمة، وتبادل الخبرات، ومناقشة التحديات والتهديدات التي تواجه الدول العربية.

ويرى أن وجود مثل هذه الآليات يمكن أن يمنح العمل العسكري العربي قدرًا أكبر من الجاهزية والقدرة على التعامل مع التحديات الأمنية، فضلاً عن تعزيز الموقف العربي في مواجهة المخاطر التي تهدد المنطقة.

ويؤكد أن العقبة الأساسية لا تتمثل في غياب الأطر التي يمكن أن تستند إليها القوة العربية المشتركة، بقدر ما تتمثل في عاملين رئيسيين: وحدة الصف العربي، وتجاوز الأوضاع الداخلية المعقدة في عدد من الدول العربية.

«وحدة الصف»

ويشدد السفير رخا أحمد حسن على أن وحدة الصف العربي ولم الشمل لا تزالان بحاجة إلى مزيد من العمل، مستشهدًا بتعثر انعقاد بعض القمم العربية في فترات شهدت حروبًا وأزمات إقليمية، رغم انعقاد اجتماعات وققم دولية وإقليمية لبحث التطورات نفسها.

ويرى أن استمرار الخلافات العربية يمثل عائقًا أمام بناء موقف عربي موحد، موضحًا أن تشكيل قوة دفاع عربية مشتركة يحتاج أولاً إلى تحقيق قدر من التوافق السياسي، ثم توافر الإرادة لدى الدول الراغبة في المشاركة.

الدعوة ليست جديدة

وفي السياق ذاته، يقول السفير معتز أحمدين، مندوب مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة، إن الدعوة المصرية إلى إنشاء قوة عربية مشتركة ليست طرحًا جديدًا، وإنما سبق طرح الفكرة خلال فترات سابقة، إلا أن التطورات الحالية أعادت وضعها على أجندة النقاش العربي.

وأوضح أن التحركات المصرية الأخيرة تأتي، بحسب رؤيته، في إطار أوسع يستهدف تعزيز الأمن القومي العربي، إلى جانب التأكيد على رفض التهجير والاستيطان، وطرح فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على التعامل مع التحديات التي تواجه المنطقة.

وأشار إلى أن الدعوة المصرية طرحت خلال الدورة الـ 161 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين، في سياق رؤية مصرية لتعزيز الأمن القومي العربي والتعامل مع التطورات الأمنية والسياسية المتلاحقة.

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

أحمد سلطان: مقاطعة بريطانيا ضربة لإسرائيل والجهود المصرية فضحت الاحتلال

مصر تتولى مهمة عزل إسرائيل دولياً.. و 12 دولة غربية تنضم لحملة مقاطعة منتجات المستوطنات د. ماهر صافى : القاهرة...

أبعاد التحركات المصرية لتعزيز القدرات الدفاعية العربية وحماية أمن الأمة

في ظل أزمات وصراعات وتحولات متسارعة تعيد تشكيل خريطة التهديدات المحيطة بالدول العربية، يعود ملف الأمن القومي العربي إلى واجهة...

أبعاد التحركات المصرية لتشكيل قوة ردع عربية موحدة فى مواجهة مخططات التفتيت

أمن أى دولة عربية هو امتداد مباشر ووثيق للأمن القومى المصرى الرؤية المصرية تستند إلى صياغة استراتيجية.. وتستهدف التصدى للحروب...

10 خطوط حمراء تُحدّد تحركات الدولة المصرية فى النظام العالمى الجديد

أعلنها الرئيس «السيسى» خلال مشاركته فى تجمع «بريكس».. التعامل مع القوى الكبرى على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة حتمية وقف...


مقالات

قصة القزم الراقص
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 01:00 م
أوروبا تستعد لعالم الصدمات
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 10:00 ص
من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م