د.عبد العليم محمد: لا حياة لإسرائيل دون دعم أمريكى.. ونتنياهو يبحث عن نصر للفرار من لعنة 7 أكتوبر د. حامد فارس: إسرائيل لا تستطيع خوض حرب واسعة بمفردها.. ونتنياهو يخطط لضم جنوب لبنان د. محمد عبود: منظومة الدفاع الإسرائيلية جبنة سويسرية مليئة بالثقوب.. ونتنياهو ضرب نظرية بن جوريون فى الصميم
مع تجاوز الحرب الإيرانية الأمريكية عتبة الشهر الأول يتابع العالم عن كتب جهود الوساطة التي تبذلها مصر والسعودية وتركيا وباكستان لوقف التصعيد في المنطقة، وإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وقطع الطريق على توسيع المواجهة لتشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
ويحاول الوسطاء إقناع طرفي الحرب الأساسيين وهما الولايات المتحدة وإيران بالجلوس على مائدة المفاوضات لكن كل طرف لديه تشكك في نوايا الطرف الآخر بسبب استخدام الجانب الأمريكي للمفاوضات كوسيلة لخداع إيران في مرات سابقة وإشعال الحرب الحالية وقبلها حرب الإثنى عشر يوما أثناء انعقاد جولات المفاوضات وهو ما يجعل إيران تتمسك بالتفاوض عبر وسطاء مع استمرار القتال. وكانت آخر مقترحات الوسطاء هي وقف الحرب لمدة 7 أيام لحين رد طرفي الحرب على مقترحات التهدئة، وهو ما قبلته إيران ورفضته الولايات المتحدة.
لكن هذه الحرب رغم تداعياتها على منطقة الشرق الأوسط إلا أنها كشفت هشاشة قوة الكيان الصهيوني، فهذا الكيان لا يستطيع خوض مواجهة واسعة مع دولة أخرى أو حتى تنظيم صغير دون الدعم الأمريكي الكبير، فهذا الجيش الذي يحترف قتل النساء والأطفال وقصف المستشفيات ودور العبادة لا يستطيع مواجهة أي قوة أخرى، حتى لو كانت مكونة من عناصر مسلحة بأسلحة شخصية إلا بامتداد الحبل السرى" الأمريكي لإنقاذ هذا الكيان غير الشرعي.
ورغم هذا الدعم الأمريكي إلا أن الوضع داخل الكيان الصهيوني يسير من سيئ إلى أسوأ، ويقضى المستوطنون عشرات الساعات يوميا في الملاجئ فرارا من هجمات الصواريخ والمسيرات وهو ما يتحول تدريجيا إلى حالة من الغضب الشعبي ضد رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو الذي توهم أنه بتوريط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حرب إيران يكون قد حقق أكبر أحلامه بإسقاط النظام في إيران والفوز بالانتخابات المقبلة والبقاء في منصبه.
"الحبل السرى" الأمريكي
يقول مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عبد العليم محمد إن الإجابة عن أي سؤال يتعلق بقدرة إسرائيل على الصمود في مواجهة عسكرية كبيرة دون دعم أمريكي متواصل هي "لا"، والإجابة هنا قاطعة وحاسمة. فهذا الجيش المسلح بأحدث وأقوى الأسلحة الأمريكية لم يستطع الصمود أمام فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وهى فصائل لا تمتلك إلا أسلحة بسيطة معظمها تصنيع محلى داخل قطاع محاصر منذ سنوات. ومع ذلك لم تستطع إسرائيل التقدم في قطاع غزة إلا بجسور جوية أمريكية متلاحقة تحمل إلى هذا الكيان الأسلحة والذخائر، فضلا عن الدعم التكنولوجي عبر تقديم صور الأقمار الصناعية والإحداثيات. وربما تكشف الوثائق والأيام المقبلة عن مشاركة أمريكية مباشرة في هذه الحرب كما أكد كثيرون. مضيفا أن حرب غزة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الكيان لن يصمد لأيام معدودة دون هذا الحبل السرى" الأمريكي.
وأضاف "محمد" أن إسرائيل لن تقبل بوقف الحرب مع إيران إلا مجبرة بالضغط الأمريكي فإسرائيل حددت أهدافا للحرب لم تحقق أيا منها وهي إسقاط النظام وتدمير البرنامجين النووى والصاروخي، وهذه الأهداف يسبقها هدف رئيسي يسعى نتنياهو لتحقيقه هو تحقيق أي نصر عسكري بعد هزيمة إسرائيل المخزية في ۷ أكتوبر ۲۰۲۳. لافتا أن إسرائيل التي خدعت ترامب وأقنعته بأن نظام إيران سيسقط بعد مقتل الصف الأول، ستسعى الإفشال أي جهود للوساطة وإنهاء الحرب كما فعلت وأشعلت حرب الإثنى عشر يوما، لأنها تدرك أن أي اتفاق لإنهاء الحرب سيعنى خروج إيران منتصرة من الحرب بصمود نظامها ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة، ومن ثم إعادة الحياة لاقتصاد إيران ولقوتها العسكرية بالتبعية.
نتنياهو والبحث عن نصر وهمى
وأشار محمد إلى أن الولايات المتحدة قد تجبر إسرائيل على وقف الحرب ضد إيران فتحاول تل أبيب تحقيق نصر معنوى على جبهة أخرى هي لبنان فنتنياهو يحاول الفرار من مطاردة لعنة 7 أكتوبر، وهو ما تدركه القيادة الإيرانية فشددت على الربط بين الجبهتين، فأي وقف للحرب على جبهة إيران يتطلب وقفها على جبهة لبنان ولكن الضغوط الأمريكية قد لا تنجح أمام مساعی نتنياهو لتحقيق نصر عسكرى بالتوغل البرى في لبنان من أجل مكاسب انتخابية تسمح له بالاستمرار في الحكم. مؤكدا أن إسرائيل قد تتوغل بريا في أرض عربية أخرى هي جنوب سوريا بزعم حماية الدروز وهو ما قد يتم بمباركة ترامب لأنه يرى أن إسرائيل دولة صغيرة المساحة ويجب أن تتوسع على حساب جيرانها.
وأكد عبد العليم محمد أن ترامب يسعى للسيطرة على نفط إيران كما حدث مع فنزويلا والغرض الرئيسي من السيطرة على النفط هو حرمان الصين وروسيا من عناصر القوة الاقتصادية وهو ما تدركه البلدان وتعمل على إفشاله عبر دعم إيران بصورة غير مباشرة، فالصين وروسيا تدعمان إيران بقطع الغيار والمسيرات وإحداثيات الأهداف الأمريكية لكن هذه المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وموسكو من الصعب أن تتحول إلى حرب، لأن ذلك سيعني إشعال حرب عالمية ثالثة، فكلا الدولتين على الأغلب، بينهما اتفاق غير مكتوب بأن تطلق الولايات المتحدة يد روسيا في أوكرانيا مقابل سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا ومناطق نفوذ أخرى حول العالم. لكن الوضع قد يصل إلى توتر كبير حال نجاح ترامب في تشكيل تحالف دولى واسع لتأمين الملاحة فى مضيقي هرمز وباب المندب لأن الأمر وقتها قد ينزلق إلى اتساع نطاق الحرب.
إسرائيل "نمر من ورق"
من جانبه يقول أستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس إن إسرائيل دولة صغيرة جغرافيا وذات قوة بشرية محدودة فضلا عن حالة العداء المحيطة بها بسبب سياساتها العنصرية وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني وغيره من شعوب المنطقة كل ذلك يجعل صمودها في مواجهة مفتوحة مع ایران مسألة مرهونة بالدعم الأمريكي اللامحدود فلولا هذا الدعم لاتهارت إسرائيل ليس في مواجهة ایرن فحسب بل في مواجهة أي قوة أخرى في منطقة الشرق الأوسط مضيفا أن دولة الاحتلال تدرك هذه الحقيقة وهو ما يدفعها إلى محاولة إضعاف أي دولة في محيطها وهو ما رأيناه عقب سقوط النظام السوري، ففي يوم الهيار نظام بشار الأسد هاجمت إسرائيل ما تبقى من قوات الجيش السوري و دمرت مخازن أسلحته وجزءا كبيرا من سلاحه الجوى وذلك تمنع قيام دولة سورية قوية
شمال دولة الاحتلال.
وأضاف فارس أن نتنياهو يسعى إلى إقناع الإدارة الأمريكية بمواصلة الحرب ضد إيران لأن استمرارها يصب في مصلحته الشخصية، ومصلحة الثلاثة الحاكم في دولة الاحتلال الذي سيخوض انتخابات تشريعية حاسمة في نهاية العام الجاري مشيرا إلى أن قرار إنهاء الحرب بيد ترامب وحده، لكن وهو الوحيد القادر على إجبار إسرائيل على الالتزام يوقف الحرب ضد إيران، لكن نتنياهو يعتمد على قوة اللوبي اليهودي الداعم الإسرائيل والذي يمكنه إجبار ترامب على استمرار الحرب لكن ضغوط هذا اللوبي وغيره من أعضاء الكونجرس الدعمين الإسرائيل قد لا تؤتي أكلها ويصدر الرئيس الأمريكي قرارا بتوقيع اتفاق مع إيران حال أدرك ترامب أن استمرار الحرب يضر بموقفه في الداخل الأمريكي خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفى للكونجرس ويسمى ترامب إلى جسمها الصالحالحزب الجمهوري ليواصل الهيمنة على الكونجرس وهذا قد لا يحدث حال ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب وتصاعد المظاهرات الرافضة الاستمرارها. و ترمب ومستشاروه يدركون جيدا أن تداعيات حرب إيران على الشارع الأمريكي قد تحدد نتيجة. انتخابات التجديد الصفى الكونجرس
الحرب على لبنان مستمرة
فيما يتعلق بمرحلة ما بعد الحرب يقول فارس إن الحرب قد تتوقف في إيران لكن من الصعب أن يعتد الاتفاق على وقتها إلى الوضع في لبنان، فإسرائيل لن تتراجع عن سيطرتها على مناطق واسعة في جنوب لبنان والجيش الإسرائيلي يعهد المرحلة ضم المناطق الموجودة جنوب نهر الليطاني إلى إسرائيل وذلك عبر نسف الجسور لمنع سكان المنطقة من العودة إليها، وهذا المخطط لم يعد سرا فقد صرحبه وزير المالية المتطرف سموتيرتش قبل أيام لافتا إلى أن واشنطن لن تضغط على إسرائيل للربط بين الجهلين كما تريد طهران فواشنطن قد تجبر إسرائيل على وقف الحرب مع إيران لكنها متطلق يدها في الجبهة اللبنانية خاصة وأن إسرائيل لا تستطيع توسيع الحرب على الجبهة السورية فهذا لن تسمح به واشنطن خاصة وأن هناك تفاهمات بين النظام السوري والإدارة الأمريكية وإسرائيل وبين الأطراف الثلاثة تفاهمات واسعة، وربما تكشف الأيام القادمة عن دور الدمشق في الحرب ضد إيران خاصة وأن إيران للهم سوريا باستضافة ضباط مخابرات أمريكيين وإسرائيليين في بعض فنادق العشق وهو ما يعنى احتمال قيام إيران بمهاجة بعض المواقع في سوريا خلال الفترة المقبلة.
شيح الحرب العالمية
وأشار فارس إلى أن الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مصر والسعودية وتركيا وباكستان الوقف هذه الحرب تأتي من حرص الدول الأربع على وقف اتساع رقعة الحرب خاصة وأن هناك سيناريوهات خطيرة قد تصل إليها هذه الحرب، خاصة إذا شعر النظام الإيراني باقتراب سقوطه ففى هذه اللحظة قد تصل إلى سيناريو تدمير المحطات النووية واستهداف مرافق وأبار النفط والكهرباء في الخليج العربي كله، وهو ما يتبعه توقف المحطات تحلية المياه وهي كارثة كبيرة قد تتبعها موجات نزوحبالملايين فضلاً عن تهديد الملاحة وربما وقفها في مضیقی هرمز وباب المندب وربما دخول أطراف أخرى في الحرب بما ينذر باتساع نطاقها.
ولفت فارس إلى أن حرب إيران قد تلقى بظلالها على عدة قضايا أخرى فيسبها أصبحت العلاقة بين واشنطن والناتو في أسوأ حالاتها بل وربما تكون حرب إيران سببا في خروج الولايات المتحدة من حلف الناتو كما أنها قد تدفع ترامب إلى الانسحاب بصورة كبيرة من الملف الأوكراني وترك الدول الأوروبية بمفردها في مواجهة روسيا.
دكتور محمد عبود
الدفاعات الإسرائيلية جبنة مليئة بالثقوب
ويقول الخبير في الشئون الإسرائيلية وأستاذ اللغة. العبرية بجامعة عين شمس الدكتور محمد عبود ان الحرب الأخيرة كشفت بصورة لا تقبل كثيرا من الجدل، أن صورة القوة العسكرية الإسرائيلية التي جرى تضخيمها لعقود، سواء في الإعلام الغربي أو في الوعى الإقليمي ليست بالصورة الأسطورية التي حاولت إسرائيل ترسيخها ما جرى أثبت أن إسرائيل من دون المساندة العسكرية والسياسية والاستخباراتية الأمريكية المباشرة، لم تكن قادرة على الصعود في مواجهة حرب استنزاف واسعة. بهذا الحجم، فضلا عن أن تحسمها.
وأضاف عبود أن إسرائيل لكي تواجه الخطر الإيراني لم تدخل المعركة منفردة بل خاضتها بالشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة، وتحت مظلتها وقد دخلت هذه الحرب وهي ترفع سقف عاليا جدا من الأهداف تدمير البرنامج النووي الإيراني وتفكيك القدرات الصاروخية، وضرب الوكلاء الإقليميين، وصولا إلى إسقاط النظام نفسه. لكن بعد مرور شهر على الحرب، لا يبدو أن أيا من هذه الأهداف قابل للتحقق الكامل على أرض الواقع كل ما تطمح إليه إسرائيل الآن في أفضل الأحوال، هو إحداث خصم مؤلم وملموس في القدرات الإيرانية. بما يشترى لها وقتاً إضافياً في صراع طويل لا أن تفرض نهاية حاسمة لهذا الصراع، مؤكداً أن الأهم من ذلك أن هذه الحرب كشفت أن منظومة الدفاع الجوى الإسرائيلية، التي طالما تم تقديمها باعتبارها درعا شبه محکم باتت أشبه بقطعة جبنة سويسرية. مليئة بالثقوب وصارت تمثل في الحقيقة نقطة ضعف مركزية في حسابات القوة الإسرائيلية، فرغم وجود ثلاث طبقات دفاعية إسرائيلية معروفة. من حين إلى القبة الحديدية إلى مقلاع داود ورغم الضمام الرادارات الأمريكية وبطاريات تاد وباتريوت إلى هذه الشبكة، فإن الصواريخ الإيرانية. وكذلك صواريخ حزب الله والحوثيين، نجحت في الوصول إلى نقاط عسكرية ومدنية داخل العمق الإسرائيلي، وأحدثت خسائر ملموسة، ومن المرجحأن الرقابة العسكرية الإسرائيلية ما زالت تتكتم على جزء كبير منها
وأشار عبود إلى أنه يمكن القول إن الحرب كشفت ثغرات واضحة في القدرة العسكرية الإسرائيلية.
نعم ما زالت إسرائيل تحتفظ بتفوق نوعى في سلاح الطيران، وبقدرات استخباراتية وسيبرانية كبيرة، مدعومة أمريكيا على نحو غير مسبوق، لكن خصومها نجحوا في تعويض جزء معتبر من هذا الفارق عبر تطوير منظومات صاروخية متنوعة من الباليستي إلى الانشطاري إلى الفرط صوتي، وعبر استخدام هذه القدرات بطريقة نقلت جزءاً كبيراً من المعركة إلى الداخل الإسرائيلى نفسه. وهنا تكمن الضربة الأخطر لأن هذا التطور لا يهدد منشآت أو قواعد فحسب، بل يضرب في الصميم نظرية الأمن الإسرائيلية التي صاغها ديفيد بن جوريون على قاعدة نقل المعركة إلى أرض الخصم والمفارقة أن نتنياهو، الذي يحاول أن يقدم نفسه بوصفه المؤسس الثانى الإسرائيل هو نفسه الذي أسهم في تأكل صورة الردع، وفى نقل الحرب إلى العمق الإسرائيلي، لا إلى أراضي الخصوم فقط.
وأوضح عبد أن إسرائيل لم تكن قادرة على حسم المواجهة مع إيران لا في غياب الدعم الأمريكي ولا حتى في ظل هذا الدعم المسألة هنا لا تتعلق فقط بحجم الإسناد الأمريكي، بل بطبيعة الصراع نفسه، وبحقيقة أن إسرائيل تواجه خصما كبيرا وممتدا وقادراً على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج أدوات الاشتباك فإسرائيل خاضت بالفعل معركة كبرى مع إيران في يونيو الماضي، وخرج بعدها ترمب ونتنياهو ليعلنا الانتصار، ويؤكدا أنهما دمرا البرنامج النووى الإيراني، وأعادا المشروع الإيراني أجيالا إلى الوراء، ووجها ضربة قاصمة للقدرات الصاروخية لكن المفارقة الفاضحة أن 9
أشهر فقط كانت كافية لاندلاع حرب جديدة، تحت العناوين والأهداف نفسها تقريبا. وهذا وحده يكشف أن ما قيل عن الحسم لم يكن سوی خطاب دعائی للاستهلاك السياسي والإعلامي لا توصيفا حقيقيا لما جرى على الأرض. ولهذا، فإن السؤال الأدق ليس هل تستطيع إسرائيل الحسم من دون أمريكا؟ بل هل تملك أصلا القدرة على فرض حسم استراتیجی ضد إيران حتى وهى تتحرك تحت المظلة الأمريكية الكاملة؟ وفى تقديرى الإجابة هي لا لأننا أمام صراع لا يحسم بضرية جوية، ولا باغتيالات نوعية ولا بحملات سيبرانية بل أمام معادلة استنزاف مركبة تختلط فيها الجغرافيا بالقدرات الصاروخية بالوكلاء الإقليميين وبالقدرة على امتصاص الضربة ثم الرد.
ولفت عبود إلى أنه في الداخل الإسرائيلي نفسه هناك من يقول إن نتنياهو قضى ٤٠ عاما يدعو إلى الحرب على إيران، وانتظر كل هذه العقود حتى يجد رئيسا أمريكيا "أحمق" مستعدا للانخراط في حرب استنزاف بهذا الحجم، من دون أن يحقق الأمريكيون من ورائها مكاسب واضحة أو ملموسة. وهذه القراءة تعكس حجم التوتر المتصاعد داخل النخبة الإسرائيلية نفسها، لا سيما لدى من بدأوا يدركون أن الحرب التي تم تسويقها باعتبارها معركة حسم تتحول تدريجيا إلى عبدء استراتیجی مفتوح
الاغتيالات سلاح إسرائيل لإفشال التهدئة
وشدد عبود على أن إسرائيل تنظر إلى أي اتفاق أمريكي إيراني محتمل بوصفه تهديداً مباشراً المصالحها، وكابوسا استراتيجيا، لا مجرد تسوية مؤقتة لوقف إطلاق النار ومن هنا، فالمتوقع أن تبذل كل ما تستطيع الإفشال أي مسار تفاوضي قد ينتهى إلى تفاهمات بين واشنطن وطهران، خصوصا إذا تضمن هذا المسار تقليصاً للدور الإسرائيلي أو فرضا لإيقاع أمريكي لا ينسجم مع رغبات نتنياهو.
وأول ما يقلق إسرائيل هو احتمال التراجع الأمريكي المفاجئ عن الانخراط العسكري المباشر خاصة أن ترامب يدير السياسة الخارجية بعقلية رجل الصفقات أكثر مما يديرها بعقلية التحالفات الثابتة والإسرائيليون لديهم سابقة حاضرة في هذا السياق، حين أدار ترامب ظهره لهم في ملف الحوثيين، وذهب إلى تفاهم منفرد أوقف بموجبه الضربات الأمريكية مقابل ضمان عدم استهداف السفن الأمريكية، تاركا إسرائيل وحدها في مواجهة الصواريخ والمسيرات الحوثية. لهذا السبب تخشى
تل أبيب من سيناريو مشابه مع إيران أن يخرج ترامب من الحرب بصفقة تحفظ المصالح الأمريكية المباشرة، ويترك إسرائيل غارقة في تبعات الصراع.
ويتوقع عبود عدة مسارات إسرائيلية الإفشال أي اتفاق أولها: التصعيد الميداني المتعمد، عبر تنفيذ عمليات نوعية أو اغتيالات أو ضربات استفزازية يمكن أن تدفع طهران إلى رد فعل ينسف أجواء التفاوض ثانيها تكثيف الضغوط داخل واشنطن عبر اللوبي الصهيوني وحلفاء إسرائيل في الكونجرس ومراكز التأثير الإعلامي لتصوير أي اتفاق باعتباره استسلاما أمريكيا يهدد أمن إسرائيل. ثالثها: تسريب معلومات استخباراتية أو تضخيم تقديرات أمنية حول قرب امتلاك إيران القدرات أخطر، بهدف خلق مناخ ذعر سياسي يمنع البيت الأبيض من الذهاب بعيدا في التهدئة. لافتا إلى أن هناك بوادر خلاف داخل الإدارة الأمريكية نفسها وخصوصا بين نائب الرئيس ورئيس الحكومة الإسرائيلية. فداخل بعض الدوائر الأمريكية، بدأت تتشكل قناعة بأن نتنياهو ورط واشنطن في حرب مفتوحة من دون عائد واضح، وأن الموساد قدم صورة مضللة عن هشاشة النظام الإيراني وإمكان إسقاطه السريع، ثم تبين أن أن الرهان على تفجير الداخل الإيراني لم يكن أكثر من حبر على ورق، وفى المقابل، ستسعى إسرائيل، كما يبدو، إلى ضرب هذا التيار الأمريكي الداعى إلى التهدئة، وتشويه رموزه سياسيا وإعلاميا وقطع الطريق على أي صوت يرى أن التفاوض هو المخرج الأقل كلفة من حرب الاستنزاف الحالية.
والمؤكد أن أحد الأهداف الإسرائيلية لهذه الحرب لم يكن فقط إضعاف إيران عسكريا، بل السعى إلى
تغيير النظام نفسه، أو على الأقل خلق بيئة داخلية تسمح بولادة سلطة جديدة أكثر استعدادا للتعاطى مع المصالح الأمريكية، وأكثر قابلية للاعتراف بإسرائيل، والانخراط في هندسة إقليمية جديدة يسعى إليها نتنياهو، تكون فيها إسرائيل مركز الثقل والهيمنة هذا هو الحلم الإسرائيلي الذي عبر عنه نتنياهو أكثر من مرة، واعدا الإسرائيليين بتغيير وجه الشرق الأوسط، وفى تصريحه عن تماهيه مع مفهوم أرض إسرائيل الكبرى. لكن ما حدث لاحقا كشف أن هذا الهدف الذي بدا في الخطاب السياسي وكأنه قابل للتحقق، كان في الواقع أبعد بكثير من الحسابات الميدانية الفعلية ولهذا بدأت. التسريبات في الصحافة الأمريكية تتحدث عن فشل هذا الرهان، وتلقى بجزء من المسئولية على الموساد ونتنياهو، باعتبار أنهما قدما لواشنطن تقديرات مبالغ فيها حول هشاشة الداخل الإيراني وإمكانية انهياره السريع.
اشعال جبهة لبنان للهروب من مأزق إيران
وشدد عبود على أنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاق دائم بين طهران وواشنطن فهذا لا يعنى تلقائيا أن إسرائيل ستتوقف عن النظر إلى حزب الله والحوثيين باعتبارهما تهديدين قائمين بذاتهما بل على العكس، قد يدفعها ذلك إلى محاولة تعويض ما تحبره تراجعا في هامش المناورة ضد إيران عبر تركيز الجهد العسكرى والأمنى على هاتين الجبهتين كل وفق طبيعه الخاصة. وفيما يتعلق. بالحوثيين فالمشكلة بالنسبة الإسرائيل شديدة التعقيد ومركبة فاليمن ليس ساحة تقليدية يمكن الإسرائيل أن تفرض فيها نموذج الاشتباك الذي تفضله الطبيعة الجغرافية الوعرة، والتضاريس الجبلية، والقدرة العالية على الإخفاء والتمويه، كلها عوامل تمنح الحوثيين هامشا كبيرا لحماية منصات الصواريخ والمسيرات ومخازنها ومراكز إدارتها. يضاف إلى ذلك أن إسرائيل تعاني أصلا من فجوة استخباراتية واضحة في هذه الساحة، سواء على مستوى العناصر البشرية المزروعة على الأرض أو على مستوى المعرفة الاجتماعية واللغوية. أو حتى في القدرات السيبرانية والتنصتية ذات الصلة بالبيئة اليمنية. وقد ظهر ذلك بوضوح في لجوء الاستخبارات الإسرائيلية إلى البحث عن عناصر تجيد اللهجة الحولية بين يهود اليمن داخل إسرائيل، بعد أن تحول الحوثيون إلى لاعب مؤثر في الصراع منذ انطلاق حرب الإبادة على غزة لذلك. ستظل إسرائيل تميل في هذه الجبهة إلى الضربات البعيدة، ومحاولات الاحتواء والضغط عبر الحلفاء. أكثر من ميلها إلى تحقيق حسم مباشر
أما فيما يتعلق بحزب الله فالصورة مختلفة وأكثر خطورة من المنظور الإسرائيلي هناك داخل إسرائيل قرار استراتيجي يتبلور على نحو متزايد بأن ما بدا في طهران يجب أن ينتهى في الضاحية الجنوبية. والسبب أن حزب الله يحكم القرب الجغرافي لا يمثل تهديدا نظريا أو بعيد المدى فقط، بل خطرا مباشرا وفوريا على المستوطنات الشمالية. وعلى العمل الإسرائيلي وعلى منشآت عسكرية واستراتيجية تعدد حتى حيفا وتل أبيب.
وما يضاعف القلق الإسرائيلي أن الحرب الحالية. أظهرت أن حزب الله رغم الضربات القاسية التي تلقاها في عام ٢٠٢٤، بما في ذلك عملية البيجرن واغتيال حسن نصر الله، واستهداف الصف الأول من القيادات لم يخرج من المعادلة، ولم ينكسر على النحو الذي كانت تل أبيب تتصوره بعضی آخر الحزب تلقى ضربات موجعة، لكنه ما زال واقفا على قدميه، وما زال يحتفظ بقدرة تهديد معتبرة لذلك قد تلتقي هنا مصلحة لتنياهو الشخصية. ورغبته الدائمة في الهروب إلى الأمام عبر تمديد حالة الحرب مع تقديرات المؤسسة العسكرية التي ترى أن المواجهة الواسعة مع حزب الله قد تصبح. من وجهة نظرها، مسألة وقت لا أكثر بهدف تقليم أظافره، ونزع جزء كبير من أنيابه الصاروخية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
د.عبد العليم محمد: لا حياة لإسرائيل دون دعم أمريكى.. ونتنياهو يبحث عن نصر للفرار من لعنة 7 أكتوبر د. حامد...
بينما تقف المنطقة على فوهة بركان، وتتصاعد أعمدة الدخان من جبهات مشتعلة، تسابق الدبلوماسية المصرية الزمن للجم سيناريو "الحرب الشاملة"،
د. طارق البرديسى: غياب الثقة وتشابك الملفات تعرقل التقدم فى المفاوضات
هدى الملاح: الحكومة تحاول السيطرة على العجز رغم زيادة بنود الإنفاق وضرورات الحماية الاجتماعية