بينما تقف المنطقة على فوهة بركان، وتتصاعد أعمدة الدخان من جبهات مشتعلة، تسابق الدبلوماسية المصرية الزمن للجم سيناريو "الحرب الشاملة"،
"التفاوض تحت النار" هو العنوان الأبرز للمرحلة، حيث تتشابك خيوط الوساطة المصرية مع تحركات دولية وإقليمية مكثفة. وتجد الدولة المصرية نفسها اليوم، وفي الربع الأول من عام 2026، أمام اختبار هو الأكثر تعقيداً في تاريخ دبلوماسيتها الحديث، حيث تتقاطع نيران الصراعات المشتعلة من الجبهة اللبنانية وصولاً إلى التصعيد المباشر بين القوى الكبرى والإقليمية، وهو ما فرض على القاهرة صياغة مفهوم جديد أطلق عليه الخبراء "الدبلوماسية الاستباقية الخشنة" التي لا تكتفى برد الفعل بل تسعى لانتزاع فتائل التفجير قبل وصولها إلى مرحلة اللاعودة. هذا التحقيق يبحث في آليات الإدارة المصرية لهذه الملفات الحساسة، ومدى قدرة "القوة الناعمة والصلبة" معاً على حماية الأمن القومي العربي والمصرى فى آن واحد من خلال استعراض رؤى صناع القرار والخبراء الاستراتيجيين الذين يرسمون ملامح التحرك المصرى في قلب العاصفة.
يرى السفير سامح شكرى وزير الخارجية السابق ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان أن العقيدة الدبلوماسية المصرية في عام ٢٠٢٦ باتت ترتكز على مبدأ تصغير الأزمات الإقليمية" كضرورة حتمية لحماية مسار التنمية المستدامة في الداخل مشيرا إلى أن التحركات المصرية الأخيرة مع العواصم الكبرى، لا سيما الاتصالات المكثفة مع الجانب الأمريكي والاتحاد الأوروبي، تهدف بالأساس إلى منع تحول الصراعات الراهنة إلى مواجهات شاملة تضرب بنية الطاقة العالمية وتدمر ما تبقى من استقرار فى الشرق الأوسط. ويؤكد عبد العاطي أن القاهرة نجحت فى بناء شبكة أمان دبلوماسية مع شركائها في الخليج العربي لضمان وحدة الموقف تجاه أي تهديدات تمس سيادة الدول أو محاولات التدخل في شؤونها الداخلية، مشددا على أن مصر لن تسمح بفرض واقع جيوسياسي جديد ينتقص من ثوابت الأمن القومى العربي، وأنها تتبنى مسارات تفاوضية موازية للتحركات الميدانية لضمان بقاء لغة الحوار هى الأعلى حتى في ذروة الصدام العسكري.
من جانبه، يوضح الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية وخبير الشؤون الإقليمية، أن مصر تضع استقرار مؤسسات الدولة الوطنية في المنطقة وعلى رأسها لبنان والسودان، كأولوية قصوى لا تقبل القسمة على اثنين، معتبرا أن الدعم المصرى المباشر للجيوش الوطنية والمؤسسات الرسمية هو الحائط المنبع الوحيد ضد تمدد الميليشيات المسلحة التي تستغلها القوى الإقليمية كأوراق ضغط سياسية.
ويشير فارس إلى أن "الدبلوماسية الاستباقية" التي تنتهجها القاهرة في عام ۲۰۲٦ تمكنت من رصد بور التوتر في وقت مبكر وتقديم بدائل تفاوضية حالت دون اتساع رقعة الصراع في جنوب لبنان مؤكدا أن الرؤية المصرية تقوم على أن الحلول العسكرية هي حلول مؤقتة وفاشلة تاريخيا، بينما يظل الحوار المنضبط والمدعوم بضمانات دولية هو السبيل الوحيد لإرساء سلام دائم يحفظ حقوق الشعوب ويمنع سيناريوهات الانهيار الشامل للدول الجارة.
وعن الموقف الإسرائيلي ومعضلة "حزب الله"، يرى السفير سامح شكري، وزير الخارجية السابق، أن قبول الولايات المتحدة بالتفاوض مع النظام الإيراني يمثل نقطة تحول كبرى، لكنه يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى شمول هذا التفاوض لملف "حزب الله" وبقية الأذرع الإقليمية.
ويؤكد شكرى أن الخبرة الدبلوماسية المصرية ترى أن استقرار المنطقة كل لا يتجزأ، وأن أي اتفاق لا يضمن تبريد كافة الجبهات الموالية لإيران لن يكتب له النجاح، مشددا على أن "التزام الاحتلال" بقرار وقف إطلاق النار يظل التحدى الأكبر، حيث تخشى تل أبيب من أن يكون الاتفاق وسيلة لإعادة التموضع الإيراني، مما قد يدفعها لاتخاذ خطوات أحادية الجانب الإجهاض أي تقارب لا يضمن أمنها بشكل مطلق.
وبالانتقال إلى كواليس التفاوض الساخن يحلل السفير محمد العرابي وزير الخارجية الأسبق ورئيس المجلس المصرى للشؤون الخارجية، طبيعة الشروط التي يضعها كل طرف لبدء مفاوضات جادة مؤكدا أن المنطقة تعيش مرحلة التفاوض تحت أصوات المدافع".
ويرى العرابي أن الشروط الإيرانية التي تطالب بضمانات سيادية ورفع كامل للعقوبات تصطدم بـ سقوف تعجيزية تضعها واشنطن تتعلق بتفكيك القدرات النوعية، معتبرا أن هذه الحالة من "عض الأصابع" تهدف لتحسين المواقع التفاوضية، لكنها تضع العالم أمام ترقب قلق لنتائج هذه المزايدات السياسية التي قد تقود لاتفاق "لحظة أخيرة" أو انفجار مفاجئ
وحول عمق التحرك الإقليمي، يشرح اللواء أركان حرب سمير فرج، الخبير الاستراتيجي الدور الحيوى للمحور المصرى التركى الباكستاني) في تقريب وجهات النظر، واصفا إياه بـ "مثلث الإنقاذ" الذي تحرك بكل جدية لإنقاذ المنطقة من حرب شاملة.
ويؤكد فرج أن التنسيق بين القاهرة وأنقرة وإسلام آباد في مارس ۲۰۲٦ نجح في خلق "قوة ضغط ثالثة" وازنت الصراع الإيراني الأمريكي، ووفرت ممرات دبلوماسية آمنة لنقل الرسائل الحساسة، مما أسهم بشكل مباشر في خفض نبرة التصعيد العسكرى وفتحآفاق لتفاهمات إقليمية كبرى كانت مستبعدة قبل أشهر قليلة.
ومن جنيف، ينقل لنا السفير علاء حجازي مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، صورة الموقف الدولي، مؤكداً أن محددات الموقف المصري في هذه الأزمة واضحة وصارمة، وترتكز على حماية السيادة الوطنية ومنع تصفية القضايا الإقليمية عبر الفوضى ويوضح حجازي أن الجهود المصرية المبذولة في المحافل الدولية تهدف لانتزاع قرار دولي يضمن وقفا شاملا للنار، مشيرا إلى أن السيناريوهات المنتظرة للعلاقة الإسرائيلية الإيرانية في حال عودة طهران ل الحظيرة الدولية ستتأرجح بين التعايش الحذر والمواجهة الاستخباراتية البديلة، وهو ما يتطلب دبلوماسية تبريد مستمرة لمنع أي شرارة قد تعيد
المنطقة للمربع صفر
معضلة "الأذرع والالتزام الإسرائيلي.
وحول التساؤل الملح عن مدى التزام الاحتلال الإسرائيلي بوقف إطلاق النار حال التوصل الاتفاق أمريكي إيراني يرى الدكتور محمد عباس ناجي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن إسرائيل تعيش حالة من القلق الوجودي" تجاه أي تقارب قد يعيد إيران إلى الحظيرة الدولية كقوة شرعية.
ويضيف ناجي القبول الأمريكي بالتفاوض مع النظام الإيراني بات يشمل بالضرورة ملف "حزب الله والجبهات الموالية، إذ لا يمكن فصل أمن الملاحة في البحر الأحمر أو الهدوء على جبهة الشمال اللبناني عن
سياق الاتفاق الشامل
ومع ذلك، يظل التحدى في سلوك الظل الإسرائيلي) قتل أبيب قد تلتزم بوقف العمليات الكبرى لكنها لن تتوقف عن استهداف القدرات النوعية الإيرانية، مما يجعل الاتفاق المنتظر هدنة قلقة أكثر منه سلاما مستداماً.
أما عن مستقبل العلاقات الإقليمية، فتشير السفيرة منى عمن مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية والدولية، إلى أن "اليوم التالي" للاتفاق يجب أن يرتكز على إعادة بناء الثقة بين ضفتي الخليج
وتؤكد عمر أن الموقف المصري يضع محددات صارمة لترميم العلاقات الخليجية الإيرانية، تتصدرها السيادة الوطنية ووقف تصدير الأزمات عبر الفصائل المسلحة
وإذا نجحت المفاوضات في إعادة إيران للالتزام بالمعايير الدولية، فإننا قد تشهد تحولا من التنافس الصفري إلى التكامل الاقتصادي، وهو المسار الذي تدعمه القاهرة يقول لضمان استقرار طويل الأمد يخدم طموحات الشعوب في التنمية والرخاء.
وفيما يخص سيناريوهات اليوم التالي، يجمع الخبراء على أن نجاح أي اتفاق دائم و شامل يكمن في مدى القدرة على إعادة ترميم العلاقات الخليجية الإيرانية
ويرى الجميع أن الرؤية المصرية تدفع باتجاه تحويل الاتفاق من طابعة الأمنى العسكري" الصرف إلى مشروع تكامل اقتصادي وتنموي" يضمن استدامة السلام حيث تصبح مصلحة كافة الأطراف مرتبطة. بالاستقرار وليس بالتصعيد، وهو المسار الوحيد الذي يمكن من خلاله إعادة بناء الثقة المهدرة وإعادة رسم خارطة النفوذ في المنطقة بما يخدم مصالح شعوبها. بعيداً عن صراع الوكالات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
د.عبد العليم محمد: لا حياة لإسرائيل دون دعم أمريكى.. ونتنياهو يبحث عن نصر للفرار من لعنة 7 أكتوبر د. حامد...
د. طارق البرديسى: غياب الثقة وتشابك الملفات تعرقل التقدم فى المفاوضات
هدى الملاح: الحكومة تحاول السيطرة على العجز رغم زيادة بنود الإنفاق وضرورات الحماية الاجتماعية