محضر اجتماع مجلس الحرب الإسرائيلى بعد عودة الرئيس الراحل إلى القاهرة

تل أبيب تأهبت لـ«غفران» جديدة بعد 72 ساعة من زيارة السادات للكنيست

بعد 72 ساعة من زيارة الرئيس الراحل أنور السادات لإسرائيل في 19 نوفمبر 1977 اجتمع قادة مجلس الحرب الإسرائيلي للتباحث حول نية «الداهية»، وما إذا كان يعتزم فعلا إبرام اتفاقية سلام، أم يمهد الأرض بر أمام «خدعة جديدة»، ربما تزيد في صدمتها عن حرب أكتوبر 1973. ووصلت الإرهاصات حد تقدير رئيس الأركان حينها موتى جور في نفس يوم الزيارة، بأن السادات يجهز مسرحعمليات حرب جديدة ضد إسرائيل، بعد عام من الزيارة، وتحديدًا في 1978، ما دعا وزير الدفاع عيزرا وايزمان إلى نفى تقديرات جور، وقال في تصريح لصحيفة دافار»، إن «تصريحات موتى جور لا تعبر عن موقف حكومة تل أبيب، ولا تمثل سوى وجهة نظره الخاصة».

وبعد مرور 48 عامًا على زيارة السادات لإسرائيل، نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» بروتوكولات اجتماعات مجلس الحرب الإسرائيلي، التى أوردت نص مداولات قالوا فى مستهلها إن «زيارة الرئيس المصرى الراحل لإسرائيل، تعد علامة فارقة فى تاريخ العلاقات المستقبلية بين مصر وإسرائيل، لا سيما أن السادات هو أول زعيم عربى يقدم على الخطوة، تمهيدًا لاتفاق سلام شامل بين البلدين.»

ووفقًا للصحيفة العبرية، سبقت الزيارة اتصالات دبلوماسية سرية، تم إخفائها حتى عن الأجهزة الأمنية؛ فقبل أسبوع تقريبًا من وصول السادات، أعلن رئيس الوزراء مناحم بيجن، خلال فعالية فى فندق هيلتون بتل أبيب، دعوته السادات لزيارة إسرائيل؛ وبعد يومين، نقل بيجن الدعوة الرسمية إلى السفير الأمريكى لدى إسرائيل، صموئيل لويس.

  خدعة أخرى

فى يوم وصول السادات، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" حوارًا مع رئيس الأركان، اللواء موتى جور، أحرج الحكومة الإسرائيلية، لا سيما بعد تأكيده أنه «يجب أن يعلم الرئيس السادات، أنه إذا كان يخطط لخدعة أخرى، مثل حرب «يوم الغفران»، فإن نواياه واضحة لنا»، وأضاف لاحقًا أن الجيش الإسرائيلى «يعلم» أن مصر فى خضم الاستعدادات «لشن حرب على إسرائيل بحلول عام 1978، رغم إعلان السادات استعداده لزيارة إسرائيل».

وفى اليوم التالي، صرح وزير الدفاع عيزرا وايزمان لصحيفة «دافار» بأن «جور أجرى الحوار دون إذن من وزارة الدفاع، وأنه استدعاه للعودة من إجازته، وأبلغه بأن تصريحاته ستُعجِّل من تقديمه الاستقالة من منصبه.» كما انتقدت مصادر سياسية تصريحات جور بشدة، وقالت إنه «أدلى بتصريح سياسي، لا يقع ضمن صلاحياته ومسؤولياته العسكرية».

ويكشف أرشيف الجيش الإسرائيلى وثائقًا تنشر للمرة الأولى عن زيارة السادات وما تلاها فى إسرائيل، وركزت على اجتماع عاصف، عقدته قيادة الأركان العامة بعد 3 أيام من زيارة الرئيس المصرى الراحل. وفى ظل التوتر بين المستويين السياسى والأمني، انقسم أعضاء هيئة الأركان العامة حول تفسير وصول الرئيس المصرى ودلالات خطابات القادة.

فهل هذه محاولة صادقة وحقيقية للتقارب المصرى مع إسرائيل، وانطوائه على فرصة وأفق للتغيير الإقليمي، أم أنها خطوة تهدف إلى ممارسة ضغط شعبى ودولى على إسرائيل، لتقديم ما يوصف بالتنازلات؟. وفقًا للوثائق، التى نقلت محضر اجتماع قيادة الأركان، قال قائد الجبهة الجنوبية، اللواء هرتزل شابير: «لا أعتقد أن هذا المنتدى يعلم كل شيء، أقول ذلك من باب الفرضية. كما لا أعتقد أن السادات ساهم بأى شيء مميز خلال الزيارة».

  علامات استفهام

كان شافير يُعبّر إلى حد كبير عن المزاج العام الإسرائيلي، وعلامات الاستفهام التى كانت تحوم فى القاعة، فى ضوء الشروع فى بلورة حراك سياسى دون أى تحديث أو تنسيق مع القيادة العسكرية. وأوضح لاحقًا: «فى الحقيقة، لن نستطيع صياغة تقدير موقف واضح إزاء نوايا السادات؛ فأنا لا أعرف، وأنتم أيضًا لا تعرفون.»

وأبدى رئيس الأركان موتى جور من جانبه، تمسكًا بالموقف نفسه الذى عبّر عنه فى حوار صحفى مع «يديعوت أحرونوت» خلال زيارة السادات، معربًا عن شكوكه الهائلة الكبيرة بشأن الزيارة وصاحبها. وفى معرض وصفه للوجبة المشتركة للوفود رفيعة المستوى التى شارك فيها، قال: «السادات لم يضف شيئًا بزيارته»؛ وأضاف: «التوجيه العملياتى الذى تلقيته بعد زيارة السادات من أعضاء اللجنة الوزارية للدفاع، ومن شريحة كبيرة من أعضاء الكنيست، قال نصًا: «جهّزوا قادة السرايا للحرب»، واستشهد جور على ذلك بحوار مقتضب دار بين السادات وبيجن، حين سأله الأخير: هل تدعونى لزيارة القاهرة قريبًا؟ فرد السادات: «بل أدعوك لزيارة سيناء»! وهو ما لكن نائب رئيس الأركان، الجنرال رفائيل إيتان، الذى تم تعيينه رئيسًا للأركان بعد 5 أشهر من الاجتماع الوزاري، أعرب عن تفاؤله بشأن الخطوة الدبلوماسية. وأضاف: «أعتقد أن تباعد المواقف بين الجانبين المصرى والإسرائيلى فى هذا التوقيت أمر طبيعى فى مثل هذه الزيارة الاستثنائية، من المستحيل أن يكون الطرفان على قدر كبير من التقارب. ما حدث كان من الصعب تصوره، لكنه بدأ يتحقق الآن».

  استياء شديد

ورد رئيس الأركان جور، أن «عضاء الوفد المصرى أعربوا عن استيائهم الشديد من خطاب بيجن فى أن لدينا مفاوضات مباشرة ومفتوحة لأول مرة فى التاريخ. دعونا نتصرف بهذه الطريقة ونرى ما يحدث.»

واستعرض رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية (أمان) شلومو جازيت، ردود الفعل فى مختلف الدول العربية على زيارة السادات، لكنه حلل خطاب الرئيس المصرى بإعجاب. وقال: «كان هدف السادات أن يأتى إلى إسرائيل ليقول للأطراف الثلاثة (إسرائيل، والرأى العام الإسرائيلي، والرأى العام العربي:) عندما أقدم لكم التحية، فأنا أعنى ذلك بكل جدية».

وأضاف غازيت: «كان السادات شجاعًا بما يكفى ليأتي، ويعلنها صراحة: تعالوا بنا نبرم اتفاق سلام، ليكون هناك تعايش، وتصبح إسرائيل جزءًا من تركيبة المنطقة.» وفيما يتعلق بخطاب بيجن، أوضح جازيت: «لم يبد بيجن ردًا دبلوماسيًا على خطاب السادات. ركز الرئيس المصرى بقوة على لهجة الخطاب، وعلى السعى والشوق للسلام، وعلى ضرورة منع سفك الدماء، لأنه يدرك الحساسية المفرطة التى سادت إسرائيل بعد حرب «يوم الغفران»، لا سيما ما يتعلق منها بقتلى إسرائيل فى الحرب. لم يقترب خطاب بيجن من المواقف التى طرحها السادات.»

وفيما يتعلق بردود فعل الرأى العام المصرى على الزيارة، قال جازيت: «هناك شعور فى مصر بأن السادات عرض القضية العربية برمتها، وليس القضية المصرية فقط، وظهر كمتحدث باسم الجماهير العربية أينما وُجدت، من أجل المطالب العادلة لجميع العرب. بل إن هناك تصريحات مفادها أنه لو انتظرت إسرائيل، فمن يدرى ماذا يحدث؟.»

  ضغط دولي

وأضاف جازيت: «خطاب بيجن فى الكنيست أصاب الجميع بخيبة أمل، إذ كان صارمًا أكثر من اللازم، ولم يتضمن أى تنازلات، لا فى قضية الانسحاب من سيناء، ولا حتى إزاء القضية الفلسطينية. وفى مواجهة ضخامة خطوة السادات، لم يكن هناك رد فعل إسرائيلى على نفس المستوى، واكتفى بالإسهاب فى الحديث عن الحقوق التاريخية لليهود فى أرض إسرائيل، وتجاهل تمامًا القضية الفلسطينية التى ركز عليها السادات فى خطابه.»

وفيما يتعلق بردود فعل العالم العربي، قال جازيت: «باستثناء ليبيا والعراق، كانت جميع الدول العربية، إما حذرة فى تصريحاتها، أو عبرت عن مواقف معتدلة، مع أن بعض المواقف المعتدلة كانت تهدف من البداية إلى إخفاء الدعم لخطوة السادات، أو كانت صامتة».

الرد السوري، وفقًا لجازيت، كان متحفظًا وخاليًا

 

من «النقد اللاذع»، بينما انطوى الرد الأردنى على «إدانة فاترة نوعًا ما»، رغم أن العاهل الأردنى الملك الحسين، رأى أن «خطاب السادات كان جيدًا»، وما برح التعليق السعودية وضعية «الصمت التام».

وخلص جازيت إلى أن «نية السادات الرئيسية من الزيارة وخطاب الكنيست كانت ممارسة ضغط الدولى على إسرائيل. وتساءل: «ما الذى نعرفه عن نية السادات؟ قبل مغادرته من القاهرة إلى إسرائيل، قال: يجب أن تعلموا أننى لست خائنًا للقضية العربية، أريد أن أخاطب الرأى العام الإسرائيلي، وأن أقوض دعمه لقيادته، عندما أجيء وأشرح له أن هناك فرصة للسلام الحقيقي. لا أعتقد أن ذلك سينجح. حينها سأخاطب الرأى العام الدولى والأمريكي، الذى سيضغط على إسرائيل، بعد الخطوة الكبيرة والشجاعة التى اتخذتها».

 	محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أول حوار للسادات  مع صحفية إسرائيلية بعد زيارة تل أبيب
وسائل الإعلام العبرية

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م