من التنظيم الدولى إلى ترامب: كان غيـرك أشطـر!

الجماعة تحولت إلى قوة وظيفية تستخدمها واشنطن فى صراعاتها بأفغانستان وباكستان ودول الخليج لتطويع المجتمعات تجاه السياسات الأمريكية إبراهيم منير نائب المرشد العام الراحل قال إن قرار تصنيف الجماعة إرهابية أكبر من أن يتخذه رئيس أمريكى بمفرده

في الأيام الأخيرة أثار السيناتور الجمهوري ماركو روبيو جدلاً واسعا في واشنطن حين دعا إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا. مستندا إلى تقرير مطوّل تضمن إشارات إلى ارتباطات وثيقة بين جماعة الإخوان. وفروعها المختلفة بحركة حماس، وإلى أنشطة مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) بوصفه واجهة مؤثرة للتنظيم داخل الولايات المتحدة. مثل هذه الدعوات ليست جديدة. فقد تكررت في السنوات الماضية مع صعود دونالد ترامب ومع بعض النواب الجمهوريين، لكنها هذه المرة تكتسب رحماً لأنها تتزامن مع حملات انتخابية محتدمة، ومع تصاعد القلق من نفوذ الجماعة في الداخل الأمريكي، ومع ذلك، فإن السؤال الأهم يظل مطروكا هل يمكن للولايات المتحدة حقا أن تنهى علاقتها التاريخية بالإخوان؟

لفهم عمل هذه العلاقة لا بد من العودة إلى البدايات. فمنذ أربعينيات القرن العشرين، وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، كانت واشنطن تبحث عن أدوات تمكنها من النفاذ إلى العالم الإسلامي المواجهة الاتحاد السوفيتي من جهة واحتواء الحركات القومية العربية من جهة أخرى في ذلك السياق وجدت في جماعة الإخوان المسلمين ضالتها تنظيم ديني عابر للحدود، يملك قاعدة اجتماعية وشبكة واسعة ومستعد للانخراط في لعبة التوازنات الدولية مقابل دعم مالي وسياسي يضمن له البقاء والانتشار وكما رعت بريطانيا نشأة الجماعة في مصر في عشرينيات القرن الماضي، ورعت توسعها الاحقا، فإن الولايات المتحدة ورثت هذه الرعاية واستثمرتها في مشروعها العالمي.

لم يكن هذا التحالف حفيا بالكامل، فقد كشفت وثائق متعددة أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) كانت على تواصل مع قيادات إخوانية منذ الخمسينيات، وأنها سهلت لهم مسارات اللجوء والعمل في أوروبا والولايات المتحدة بعد صدامهم مع نظام عبد الناصر وشيئا فشيئا، تحول الإخوان إلى قوة وظيفية توظفها واشنطن في صراعاتها:

في أفغانستان خلال الحرب ضد السوفييت، وفي پاکستان عبر دعم التيارات الإسلامية السياسية. وحتى في الخليج حيث كان حضور الجماعة أداة لتطويع المجتمعات تجاه السياسات الأمريكية.

لكن لحظة الاختبار الكبرى جاءت مع أحداث 11 سبتمبر ۲۰۰۱، إذ وجهت أصابع الاتهام إلى جماعات سلفية جهادية خرجت من رحم الإخوان أو تشربت من خطابهم هنا ظهرت براعة واشنطن في إدارة التناقض فهي من جهة أعلنت حربها على الإرهاب ومن جهة أخرى أبقت على قنواتها مع الإخوان مفتوحة، بل وعززتها باعتبار أن الجماعة "إسلام معتدل" يمكنه أن يلعب دور صمام الأمان أمام مزيد من التطرف هكذا ولدت الفكرة الأمريكية الشهيرة استخدام الإسلاميين المعتدلين (الإخوان) ضد الإسلاميين المتشددين (القاعدة ومن بعدها داعش)

هذا ما يفسر كيف احتفى البيت الأبيض بثورات الربيع العربي واعتبر صعود الإخوان في مصر وتونس واليمن فرصة لإعادة صياغة المشهد السياسي بما يخدم المصالح الأمريكية. لقد كانت الرؤية في واشنطن أن الإخوان قادرون على تقديم نموذج إسلامي مستوعب للديمقراطية الليبرالية. وفي الوقت ذاته يحفظ مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية، وفي مقدمتها أمن إسرائيل لكن حين فشل الإخوان في إدارة الحكم في مصر وانكشف حجم التناقض بين خطابهم وممارساتهم. اضطرت واشنطن إلى التراجع خطوة إلى الخلف دون أن تقطع العلاقة جذريا.

اليوم حين تسمع دعوات من ماركو روبيو أو غيره لتصنيف الإخوان إرهابيين، علينا أن نضعها في هذا السياق التاريخي فالمؤسسة الأمريكية تعرف جيدا أن هذا التنظيم ليس غريبا عنها، بل هو جزء من بنيتها الوظيفية في الشرق الأوسط. حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، لم يكن حضور الإخوان حافثا فمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) تأسس على أيدى شخصيات مرتبطة بالتنظيم الدولى للإخوان وتحول إلى منصة مؤثرة في الدفاع عن قضايا الجالية المسلمة. وفي الضغط على الساسة الأمريكيين، وفي صياغة خطاب حقوقي يتيح للتنظيم مساحة شرعية واسعة التحقيقات التي تجرى اليوم في مصادر تمويل CAIR وصلاته المحتملة بحماس ليست سوى إعادة إنتاج لتساؤلات قديمة، لكنها لم تدفع واشنطن يوما إلى إغلاق هذه المنصة.

الأمر نفسه يتكرر مع شخصيات سياسية صاعدة في أمريكا مثل زهران ممداني، عضو مجلس ولاية نيويورك الذي يحظى بدعم جماعات ضغط قريبة من الإخوان مثل هذه الظواهر تكشف أن نفوذ الجماعة لم يعد مقتصرا على الشرق الأوسط، بل أصبح جزءا من النسيج السياسي الأمريكي ذاته.

فكيف يمكن لواشنطن أن تصنف تنظيما إرهابيا وهي تحتضن أذرعه في قلب مؤسساتها الديمقراطية ؟

الحقيقة أن تصريحات ماركو روبيو مهما بدت صادمة لن تغير من الواقع كثيرا، فالإخوان بالنسبة للمؤسسة الأمريكية ليسوا مجرد جماعة إسلامية، بل هم أداة سياسية، تم اختبارها العقود.

واستخدمت في أكثر من جبهة، وحتى إذا قررت إدارة ما في لحظة انتخابية أو شعبوية اتخاذ موقف متشدد، فإن الدولة العميقة في أمريكا -بمؤسساتها الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية تدرك أن خسارة هذه الأداة ستكون مكلفة. ولهذا قال إبراهيم منير نائب المرشد العام الراحل، ذات مرة إن قرار تصنيف الجماعة إرهابية أكبر من أن يتخذه رئيس أمريكي بمفرده". لم يكن ذلك تبجحا بقدر ما كان وصفا دقيقا لطبيعة العلاقة.

من هنا يمكننا فهم التناقض البنيوي في السياسة الأمريكية فهي تدعى محاربة الإرهاب، لكنها في الوقت نفسه تصنع تحالفات مع جماعة شكلت الحاضنة الأولى لكثير من التنظيمات الإرهابية. وهي تطرح في الكونغرس مشاريع قوانين لتصنيف الإخوان بينما تسمح لهم بالعمل بحرية تحت واجهات حقوقية وإعلامية ودينية، وهي ترفع شعار حماية الديمقراطية، بينما تستخدم الإخوان الإجهاض أي مشروع وطني مستقل في المنطقة العربية.

إن ما يكشفه تقریر مارکو روبيو ليس بادرة تحول استراتيجي بقدر ما هو انعكاس لقلق متجدد: قلق من أن نفوذ الإخوان في الداخل الأمريكي قد خرج عن السيطرة، أو أن الجماعة قد باتت عبنا على صورتها أكثر من كونها أداة ناعمة يمكن توظيفها.

لكن حتى هذا القلق لا يعنى أن واشنطن مستعدة

للتخلى عن الإخوان نهائيا. فالتجربة التاريخية

أثبتت أن كلما ضاقت الدائرة بالولايات المتحدة

في الشرق الأوسط، كلما عادت لتستدعى الجماعة

وتستخدمها. هذا ما جرى في أفغانستان، وهذا ما

جرى في الربيع العربي، وربما يتكرر غذا في ساحات

أخرى

بالنسبة لنا في مصر والمنطقة، الدرس واضح: لا يجب أن نرهن موقفنا الوطني بما يقال في واشنطن عن الإخوان، سواء بالتصنيف أو بالدعم. فالجماعة بالنسبة لنا ليست أداة سياسية" بل تهديد وجودي الأمن الدولة والمجتمع. وما يهمنا هو كشف حقيقتها الرأى العام العالمي، وربط حاضرها بماضيها، وإبراز التناقض في السياسة الأمريكية التي طالما قدمت نفسها كحامية للديمقراطية بينما هي الراعي الأكبر الأكثر الجماعات تخريبا في العالم الإسلامي.

في نهاية المطاف لن تغير تصريحات ماركو روبيو ولا غيره من حقيقة راسخة أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن يوما مستقلة عن الإرادة الغربية بل كانت دوما أداة وظيفية في يدها، ومن لا يزال يظن أن واشنطن قد تستيقظ فجأة لتصنفها إرهابية ويتوقف الدعم، عليه أن يراجع تاريخ سبعين عاما من التحالفات السرية والعلنية، فلو كشفنا وجوه الرعاة الحقيقيين للإرهاب سنجد بينهم البريطاني والأمريكي جنبا إلى جنب مع القيادات الإخوانية. وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تبقى في صدارة الخطاب أن المعركة ليست فقط مع جماعة وظيفية، بل مع من صنعها ورعاها وما زال حتى اللحظة يحافظ عليها بوصفها ورقة في لعبة كبرى هدفها إعادة ترسيم خريطة العالم عموما وعالمنا العربي على وجه الخصوص، وهو ما يتطلب تطوير أداءات أدوات الرسم وعلى رأسها تنظيمات الدين السياسي والإخوان لها اصل .

 	عبد الجليل الشرنوبي

عبد الجليل الشرنوبي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

محاولات جيش الاحتلال الإسرائيلى لإبادة الفلسطينيين بقانون إعدام الأسرى

النائب محمد فريد: الاحتلال يواصل انتهاكاته الصارخة ضد المدنيين.. وصمت مخيف للمنظمات الأممية الدكتور إبراهيم أحمد: دليل صارخ على بطء...

مخطط إسرائيلى لاستغلال الحرب الإقليمية لتنفيذ جريمة الإبادة الجماعية فى غزة

يستغل العدو الصهيوني انشغال العالم بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران المواصلة جرائمه بحق أهالى قطاع غزة.

ملفات حاسمة على مكتب الأمين العام الجديد للجامعة العربية

محمد العرابى: «عقل استراتيجى» قادر على قراءة التحولات الدولية الكبرى سلامة: «تصفير النزاعات» العربية – العربية كخطوة استباقية لمواجهة الأطماع...

التفاصيل الكاملة لصرف الحوافز الاستثنائية للمدرسين بتكلفة 14 مليار جنيه

أولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا خلال السنوات الماضية بملف تحسين أوضاع المعلمين، في إطار توجهات عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية...