تحركات مصر لإحباط «مؤامرة التهجير».. وإنهاء الانقسام الفسطينى ضرورة وطنية

عزام شعث: إسرائيل قد تعاود الحرب على غزة بعد إتمام عملية تبادل الأسرى حسام الدجنى: أهل غزة رفعوا صور الرئيس السيسى تقديراً لموقفه الرافض لمؤامرة "التهجير"

فى الوقت الذى خرجت فيه دعوات ترامب لتفريغ قطاع غزة من سكانه وإجبارهم على الهجرة إلى الدول العربية، كان الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة المدمر بفعل آلة الحرب الصهيونية يرد على هذه الدعوات المشبوهة بطوفان بشرى هادر متوجه من مخيمات النزوح فى جنوب القطاع إلى أطلال منازلهم فى شماله. وكانت هذه السيول البشرية الرد الأكبر على سيد البيت الأبيض مسنودة بمواقف مصرية صريحة وواضحة، مواقف ترفض أى مساس بحقوق الشعب الفلسطينى فى أرضه. وجاءت هذه التصريحات الواضحة على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسى والذى أكد رفض مصر لأى مساس بحقوق الشعب الفلسطينى فى أرضه ورفضها محاولة تصفية القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية تحرر وطنى إلى قضية لاجئين تحاول واشنطن دعم الكيان الصهيونى بتوطينهم فى هذا القطر العربى أو ذاك.

ترامب أوقف الحرب على غزة

ويقول الكاتب والباحث فى العلوم السياسية الدكتور عزام شعث إن وقف الحرب على قطاع غزة جاء نتيجة تعرض نتنياهو لضغوط داخلية وخارجية كبيرة، أهمها التدخل الشخصى للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وهذه الضغوط دفعت نتنياهو للقبول باتفاق وقف إطلاق النار فى غزة، ولولاها ما كان يفكر فى الوصول إلى الاتفاق وهو الذى خاض 15 شهرًا من أعمال الإبادة والعدوان المفتوح ضد المدنيين الفلسطينيين فى قطاع غزة.

وأضاف شعث أنه من غير المستبعد أن تعاود إسرائيل عدوانها على قطاع غزة بعد انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق، بما يضمن إطلاق سراح العدد الأكبر من الأسرى الإسرائيليين وتخفيف الضغوط الداخلية على نتنياهو، لافتاً إلى أن دوافع هذه الرؤية تتمثل في: تراجع الضغوط الداخلية المطالبة بوقف الحرب وذلك بعد إطلاق غالبية أو جميع الأسرى الإسرائيليين لتحل محلها ضغوط المتشددين المطالبة باستئناف العدوان على القطاع لتحقيق هدف إسرائيل المعلن وهو القضاء على حركة حماس؛ وكذلك بسبب المظاهر المسلحة التى تلجأ إليها حماس خلال مراسم تسليم الأسرى الإسرائيليين، وكذلك إعادة إحياء جهازيها، الإدارى والوظيفى، ما سيشكل ذريعة لإسرائيل للعودة إلى الحرب على غزة من جديد. لكن هذه الضغوط المتوقعة على نتنياهو للعودة إلى الحرب ستقابلها ضغوط أمريكية لعدم إشعال الحرب من جديد، وهى عامل مهم فى منع إسرائيل من العودة إلى القتال فى غزة، لكن لا يمكن التعويل كثيراً على هذه الضغوط لأن سيد البيت الأبيض الجديد من أكبر الداعمين والمؤيدين لإسرائيل.

 عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة

وأشار شعث إلى أن مستقبل قطاع غزة فى "اليوم التالي" للعدوان الإسرائيلى مرهون بالتوافق الفلسطينى الداخلى، وإقرار حماس بضرورة الشراكة مع السلطة الفلسطينية فى إدارة القطاع، وعودة السلطة الفلسطينية إلى تولى جميع مسئولياتها، أو على الأقل القبول بالمقترح المصرى والذى يدعو لاتفاق الفصائل الفلسطينية على طبيعة دور "لجنة الإسناد المجتمعي"، وهذا المقترح المصرى لإدارة القطاع وافقت عليه القوى والتنظيمات الفلسطينية باستثناء السلطة الفلسطينية وحركة فتح. مشيراً إلى أنه فى مقابل ذلك كله ينبغى أن تدرك حماس أنها لم تعد مقبولة فى إدارة شئون القطاع، وأن عليها أن تغادر المشهد السياسى حتى تبدأ عملية إعادة إعمار القطاع وهى عملية تحتاج لسنوات طويلة.

وأوضح شعث أنه يجب على حركة فتح البدء فى تطبيق المصالحة الداخلية مع حركة حماس، كما أن عليها إعادة توحيد حركة فتح من الداخل وإنهاء حالة الانقسام داخل الحركة التى تمزق قاطرة النضال الفلسطينى، خاصة فى هذه المرحلة المفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية.

وأكد شعث أن مشهد الحكم فى قطاع غزة، يخضع لثلاثة تصورات: الأول هو مد السلطة الفلسطينية لولايتها فى القطاع بتوافق واتفاق داخلى، ثانيا: الاتفاق الفلسطينى على لجنة الإسناد المجتمعى، ثالثا هو التوافق على تشكيل قوة عربية ودولية مؤقتة لإدارة شؤون قطاع غزة حال اتفاق الدول العربية على ذلك. وذلك بعدما فشلت إسرائيل فى خلق قيادة بديلة فى القطاع تحت وصايتها خلال أشهر الحرب.

وأوضح شعث أن العودة إلى مسار المفاوضات مع إسرائيل تتطلب تهيئة المناخ داخل إسرائيل، كما أنها تتوقف على موقف الإدارة الأمريكية الجديدة والتى ربما تسعى لإنجاز صفقة سياسية متكاملة تتصل بموضوع التطبيع بين السعودية وإسرائيل، والعودة لمبدأ حل الدولتين، وربما لا يسمح الظرف الحالى بالتسوية الشاملة للقضية، لكنه قد يسمح بترتيبات مرحلية للوضع فى غزة.

وشدد شعث على أن الفلسطينيين وبمختلف اتجاهاتهم يجمعون على معارضة سياسة التهجير من قطاع غزة، ويواصلوا تشبثهم بأرضهم رغم صعوبة الأوضاع المعيشية بفعل العدوان الإسرائيلى. ودعوة ترامب لتهجير الفلسطينيين تهجيراً قسرياً أو طوعياً مرفوضة على كل المستويات، مضيفاً أن المفارقة أن دعوة ترامب تزامنت مع اندفاع سكان شمال غزة وعودتهم الجماعية إلى ديارهم بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار رغم إدراكهم للتدمير الواسع الذى لحق ببيوتهم وممتلكاتهم، وهذا المشهد الشعبى هو الرد الطبيعى المباشر على طلب ترامب بتهجير سكان غزة إلى مصر أو الأردن، عامل الدفع الاضافى لمواجهة قرار التهجير وإحباط إجراءاته هو مواقف مصر والأردن والتى عبر عنها الرئيس السيسى والملك عبدالله الثانى وعبرت عنها قطاعات مصرية واسعة.

  "ضرورة وطنية"

من جانبه يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور حسام الدجنى إن إسرائيل عودتنا على أن جميع الاتفاقيات التى توقع عليها "هشة"، ودليل على ذلك اتفاق أوسلو وغيره من الاتفاقيات التى تمت برعاية دولية واسعة، وهذا ما يمكن اسقاطه على الاتفاق الأخير والذى بموجبه توقف العدوان على قطاع غزة. لكن الظروف الموضوعية التى أسهمت فى الإعلان عن المرحلة الأولى والإجراءات التى رافقتها ما زالت قائمة للمراحل الأخرى وهذا يتطلب مزيدا من الجهد من الوسطاء لضمان استمرارية الاتفاق بين الطرفين.

وأضاف الدجنى أن الانقسام الفلسطينى عقبة كأداء لا تقل خطورة عن حرب الإبادة الجماعية التى تعرض لها الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، لأن الانقسام يشكل عقبة حقيقية أمام الإعمار وأمام بناء نظام سياسى جديد على أسس ديمقراطية، نظام لا يقصى أحد بل يجمع الجميع تحت إطار استراتيجية وطنية متوافق عليها وطنيا، والذى سيخلق حالة وطنية قادرة على التفاوض مع إسرائيل وإجبارها على القبول بدولة فلسطينية مستقلة على الأرض المحتلة سنة 1967. لافتاً إلى أن المزاج الدولى يدعم ذلك والتحالف الدولى لحل الدولتين الذى تقوده مصر والسعودية يصب فى هذا الاتجاه الصحيح. وأن هناك قناعة لدى الجميع بأن الحروب لن تجلب الأمن والاستقرار، وينبغى توظيف هذه الفرصة التاريخية التى ترسخت كنتيجة لعملية "طوفان الأقصى" من أجل خلق مسار سياسى جديد يؤسس لدولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأرض المحتلة سنة 1967 وعاصمتها القدس الشريف.

وأوضح الدجنى أن السلطة الفلسطينية هى مؤسسة انبثقت نتيجة اتفاق أوسلو لمهام محددة وأن على "الكل الفلسطينى" الارتقاء بمؤسسات هذه السلطة لتصبح مؤسسات دولة، وهذا يحتاج لتوافق فلسطينى عام، يضمن إنهاء حالة الانقسام التى تكاد تعصف بالحلم الفلسطينى.

وحول دعوة ترامب لتهجير سكان قطاع غزة إلى خارج فلسطين التاريخية يقول الدجنى إن هناك تطابقاً كبيراً فى الرؤى بين الفصائل الفلسطينية والرؤية المصرية والأردنية برفض التهجير القسرى أو حتى التهجير الطوعى، مشيراً أن جماهير الشعب الفلسطينى رفعت صور الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الميادين العامة بقطاع غزة دعما لموقفه الصلب، والرافض لمؤامرة تهجير سكان القطاع، وهذا الموقف ينطبق على جميع مكونات الشعب الفلسطينى والمصرى والأردن، ولا أخالف الحقيقة لو قلنا أن هذا الموقف عليه حالة إجماع من كل الشعوب العربية. وذلك لأن الشعب العربى يدرك أن فكرة تهجير سكان القطاع يعنى إنهاء القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية تحرر وطنى إلى قضية مجموعات من اللاجئين.

 نتنياهو يخطط لإشعال الحرب مرة أخرى

ويقول الباحث فى الشئون السياسية والعلاقات الدولية الدكتور منصور أبوكريم إنه بخصوص مستقبل الهدنة فى قطاع غزة فإن إسرائيل تسعى للعودة إلى حالة الحرب بعد انتهاء المرحلة الأولى من صفقه التبادل، وهو ما يضمن تخفيف الضغط على الحكومة من جانب القطاعات الرافضة للحرب وأولهم ذوى الأسرى الإسرائيليين، والذين ستتوقف مظاهراتهم فور الإفراج عن ذويهم. كما أن نتنياهو يسعى للعودة إلى الحرب للإفلات من المحاكمات الداخلية، ولإرضاء اليمين المتشدد وضمان عدم انهيار الكتلة الداعمة لهذه الحكومة داخل الكنيست، وهو ما يعنى انهيارها والذهاب إلى انتخابات مبكرة.

وأشار أبو كريم إلى أن انتهاء المرحلة الأولى من صفقه التبادل قد يشجع نتنياهو، مدعوماً من اليمين الإسرائيلى، إلى العودة للحرب لكن فى المقابل هناك ضغوط أمريكية كبيرة تمارسها إدارة ترامب على الطرفين لاستمرار صفقة التبادل وإطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين.

 عودة السلطة إلى غزة

وأوضح أبو كريم أن المخرج الوحيد للحالة الفلسطينية المعقدة فى قطاع غزة تتمثل فى الموافقة على وجود قوات عربية ودولية فى قطاع غزة مع عودة جزئية للسلطة الفلسطينية بوصفها الكيان الإدارى والسياسى المعترف به دولياً، وأن تتسلم السلطة الفلسطينية إدارة معبر رفح، لأنه بدون عودة السلطة إلى القطاع لن تكون هناك عملية إعادة إعمار كما أن عودتها ستكون بداية لإنهاء النتائج الكارثية لهذه الحرب كما أن عودة السلطة سيقطع الطريق أمام الذرائع الإسرائيلية للعودة مره أخرى إلى الحرب. وهو ما يعنى بداية عودة الاستقرار إلى المنطقة برمتها.

ولفت أبو كريم إلى أن مستقبل الصراع الفلسطينى الإسرائيلى مرتبط بالترتيبات التى ستخرج بها المرحلة المقبلة، وتحديدا المرحلة من اتفاق وقف إطلاق النار، فهل ستعود السلطة الفلسطينية أم ستستمر المواجهة مع إصرار حركة حماس على التمسك بحكم القطاع بصورة منفردة، كما أن مستقبل الصراع مرتبط بالرؤية الأمريكية للتسوية لأن ترامب لديه الرغبة فى إنهاء هذا الصراع لتسجيل اسمه فى التاريخ بوصفه الرئيس الأمريكى الذى نجح فى إنهاء الصراع الإسرائيلى الفلسطينى وإنهاء قضيه الشرق الاوسط وأول زعيم أمريكى يحقق السلام الدائم فى الشرق الأوسط لذلك فان مستقبل الصراع مرتبط بعدة عوامل بينها الموقف الأمريكى وقناعة الحكومة الإسرائيلية بضرورة إنهاء هذا الصراع لكن يبقى العامل الأهم وهو تحقيق الهدف الفلسطينى بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأرض المحتلة فى 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وأعتقد أن الصراع سيستمر حال عدم تحقيق هذا الهدف لأنه الشرط الوحيد من جانب الجانب الفلسطينى لإنهاء هذا الصراع.

وحول دعوة ترامب لتهجير سكان قطاع غزة قال أبو كريم إن موقف القوى السياسية الفلسطينية من تهجير سكان غزة موحد ورافض لهذه الدعوات، وهناك مخاوف ومخاطر تحيط بالقضية الفلسطينية لعل أبرزها محاوله تهجير سكان قطاع غزة إلى مصر أو الأردن بما يعنى تصفية القضية الفلسطينية. لافتاً إلى أن مخططات ترامب ومن خلفه إسرائيل يجب أن تكون دافعاً للفصائل الفلسطينية لمواجهة هذه المخططات بتوحيد الصف الفلسطيني، وتقديم المصالح العليا للشعب الفلسطينى على المصلحة الفصائلية الضيقة.

Katen Doe

ناصر حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع
  • الجمعة، 23 يناير 2026 11:00 ص
دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م