أوروبا تستعين بالتجربة المصرية لمكافحة الهجرة غير الشرعية

القاهرة نجحت فى التعامل مع هذا الملف بشكل كبير

الهجرة غير الشرعية من اهم الملفات التى تعتنى بها الدولة المصرية، وتوليها اهمية كبيرة نظرا لحساسيته المفرطة، خاصة بعد التوترات التى شهدتها منطقة الشرق الاوسط بشكل عام وجيراننا تحديدا (السودان ،ليبيا ، سوريا ،واخيرا فلسطين ) فقد اصبحت مصر هى الملاذ للاجئى تلك الدول، فقد استقبلت مصرفى الفترة الاخيرة ما يزيد عن 10 ملايين لاجيء من مختلف الجنسيات.

بالطبع المشكلة ليست مقتصرة على مسألة تواجد هؤلاء اللاجئين فى مصر وانما الخطر الاكبر فى اعتبارها بوابة ومنفذا لهم للهجرة إلى العديد من الدول الاوربية سواء عن طريق مراكب الصيد التى تغرق عبر البحار أو غيرها من الطرق غير الشرعية للسفر.

وقد بذلت مصر مجهودات كبيرة للقضاء على هذه الظاهرة بشكل شبه تام، لاسيما مع عدم خروج قوارب للمهاجرين غير الشرعيين من الشواطئ المصرية منذ عام 2016 وقد نجحت بشكل كبير فى وقف تلك المحاولات غير المشروعة من خلال احكام وضبط الحدود البرية والبحرية، ووضع إطار تشريعى وطنى لمكافحة تلك العمليات غير المشروعة وكانت نقطة البداية هى إطلاق أول استراتيجية وطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية (2016- 2026)، حيث أعلن الرئيس السيسى فى عام 2016 عدم خروج أى مركب هجرة غير شرعية من السواحل المصرية، بالإضافة إلى إصدار قانون 82 لعام 2016 لمكافحة الهجرة غير الشرعية، والذى وضع عقوبات وتأسيس اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر.

د. طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة قال:ان مصر تمشى بخطى ثابتة فى استكمال مسارها فى ملف الهجرة غير الشرعبة مع الولاية الجديدة للرئيس السيسى طوال الفترة الماضية، وهو ما جعل دول الاتحاد الاوربى تضع مصر فى اعينها وتحاول ايجاد تعاون مشترك معها فى الفترة المقبلة، فالمسألة ليست مرتبطة بما يحدث فى قطاع غزة بشكل رئيسى وانما مرتبطة بالدولة المصرية وعلاقتها بالاتحاد الاوربى بشكل اساسى، فقد قمنا بتجربة مهمة وهى تجربة ضبط الحدود والحد من مسألة الهجرة غير الشرعية، وهذا الموضوع مهم للغاية لانه مرتبط بقضايا مهمة لمواجهة المخاطر والتحديات الاوربية، لان هذا الموضوع مهم جدا بالنسبة لهم، ويرون ان القاهرة نجحت فى هذا الملف بشكل كبير جدا، وقد قمنا باستحداث آليات وأدوات  كبيرة فى التعامل مع هذه الظاهرة، وبالتالى قلت جدا مسألة الاعتماد على القاهرة كمصدر للهجرة غير الشرعية، فقد كنا قبل ولاية الرئيس السيسى لدينا قرى باكملها فى الدقهلية يتم الهجرة منها عبر شاطىء المتوسط وكل ذلك قد تم منعه لانك اصبحت تمتلك قوات بحرية تقوم بدور كبير جدا واصبح لديك وعى وهناك إجراءات، وقد اتخذتها الحكومة على المدى المفتوح، وسنت القوانين التى تجرم تلك العمليات المشبوهة والقائمين عليها، وبالتالى ساعدنا الأوربيين فى هذا الملف، لأن الهجرة غير الشرعية ليس معناها الانتقال من مكان إلى آخر بغرض البحث عن فرصة عمل، لأن هناك ارتباطا وثيقا بمسألة تمدد العناصر الإرهابية، وعودة هؤلاء تحت مسمى الهجرة غير الشرعية، وبالتالى الأوربيون يهمهم أمنهم والتخوف من المستقبل بدخول عناصر ارهابية محسوبة على العناصر الجهادية السلفية والارهابية إلى أراضيهم، وبالتالى يريدون ان يؤمنوا تلك الجزئية، ومصر قامت بدور كبير جدا بالشراكة مع الاوربيين، وبالتالى لابد للاوربيين ان يقدروا ذلك، ومصر تواصل انجازاتها فى هذا الملف مع الولاية الجديدة للرئيس وذلك من خلال الانفتاح مع أوروبا والتعاون فى مواجهة الهجرة غير الشرعية والتطرف والارهاب وتمدده عبر الحدود، وهو ما يؤكد على قوة العلاقات الاوربية ومتانتها وانها سوف تشهد مراحل كبيرة فى الفترة القادمة، ومن الطبيعى ان يكون هناك استثمارات اوربية مشتركة، ولكن لا نريد ان نحمل الموضوع بعدا اقتصاديا حتى لو تكلمنا عن 10 مليارات يوروا، لان البعد السياسى هنا يطغى على البعد الاقتصادى بشكل كبير، ولكن لا مانع من تطوير منظومة التعاون الاقتصادى فى مجال الاستثمارات بين أوربا ومصر على اعتبار ان ذلك يخدم التوجه والبعد السياسى والاقتصادى للبلدين، فنحن نتحدث عن شراكة اقتصادية واستثمارات اوربية فى مصر، وأخيرا الأوربيون يخشون من الهجرة غير الشرعية، فهم يتحدثون الان عن منفذ قبرص البحرى وهى دولة اوربية، وبالتالى هم يبحثون عن حلول فى دول الشرق الأوسط للحد من تلك الظاهرة.

د.أكرم بدر الدين استاذ العلوم السياسية يقول: الهجرة غير الشرعية مشكلة دائما ما تؤرق الدول الغربية ودول البحر المتوسط، وبالطبع لها العديد من الأسباب نتيجة الصراعات التى تحدث فى المنطقة بشكل عام وكذلك الحروب الداخلية فى بعض الدول، وحرب اوكرانيا بالطبع، بالإضافة إلى الازمات الاقتصادية فى البلاد التى تدفع العناصر الشبابية إلى الهجرة غير الشرعية، ومصر بذلت جهودا كبيرة لضبط المياه الإقليمية، وبالتالى لم تخرج أى عملية غير مشروعة للهجرة من مصر فى السنوات الأخيرة، وهذا الموضوع يهم العالم بالكامل، لأنه مرتبط بموضوع الإرهاب، ويمثل لهم تهديدا اقتصاديا وأمنيا فى نفس الوقت، ومصر كان لها دور مهم جدا فى ضبط هذه العملية، وكان واضحا جدا فى المباحثات التى كانت تتم على مستوى القمة الأوربية مع الرئيس السيسى وقادة وزعماء الدول الاوربية والبحر المتوسط، وكان هناك  اهتمام كبير فى لقاء مصر بالاتحاد الاوربى مؤخرا، وتم التأكيد على الاشادة بالدور المصرى فى هذا الملف، وكان من ضمن سلسلة التفاهمات بين الطرفين الأخذ فى الاعتبار بملف النمو الاقتصادى والتنمية الاقتصادية، وتقليص العناصر التى تدفع بهؤلاء المهاجرين وإذا تحقق النمو الاقتصادى بالتالى يقلل هذا بالطبع من مسألة الهجرة، وهو ما يتطلب مزيدا من التعاون فى ملف الاقتصاد ومزيدا من المشروعات المشتركة ومزيدا من الاستثمارات التى توجه لرفع الاقتصاد، وكل هذه عوامل تساعد على تقليص هذا الخطر الذى تعانى منه الدول الأوربية، لأنه يرتبط بعملية الارهاب.. مصر منذ عدة سنوات استطاعت أن تقوم بدور كبير فى ضبط الحدود، فلا نجد هجرات تخرج من مصر رغم التداعيات التى تحدث فى غزة، وكذلك ما يحدث فى البحر الأحمر والتأثير على التجارة الدولية والاقتصاد العالمى، وكل ذلك ادى إلى تزايد دوافع الهجرة غير المشروعة، وبالتالى دور مصر مقدر فى مسألة المكافحة، وهذا يتطلب مزيدا من التعاون بين الجانب الأوربى ومصر فى المجال الاقتصادى وتبادل المعلومات والتعاون الأمني، لأن ذلك يصب فى النهاية ضمن تحقيق الهدف المطلوب، وهو التخلص أو تقليص تلك الظاهرة.

د. أيمن سمير أستاذ العلاقات الدولية، الخبير السياسى، قال: مصر لديها رؤية متكاملة لحل قضية الهجرة غير الشرعية، هذه الرؤية تقوم على مجموعة من الثوابت والمحددات، اولها ضرورة حل الصراعات من جذورها، فمصر ترى أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية هى عرض لمرض، وإذا ما تم القضاء على المرض يمكن وقتها ألا يكون هناك عرض، والأمراض تتعلق بالصراعات والتنازعات فى المنطقة العربية أو الشرق الأوسط أو إفريقيا، وموجات الهجرة الكبيرة التى ذهبت إلى أوربا فى الفترة الأخيرة نتيجة وجود تلك الصراعات فى المنطقة، تحديدا مثلا الحرب الاهلية فى سوريا ونفس الامر عدم الاستقرار السياسى فى العراق قاد إلى ذلك الوضع، والحروب فى إفريقيا أيضا وبالتالى وجهة النظر المصرية تقول لابد من حل الصراعات من جذورها، كذلك تأتى فى المقدمة أيضا القضية الفلسطينية، فمصر تقول بدون حل نهائى للقضية الفلسطينية لن يكون هناك سلام أو استقرار فى المنطقة، وبالتالى سوف تزيد الهجرات غير الشرعية إلى دول أوروبا.

ويضيف أستاذ العلاقات الدولية أن  مصر تبذل كل السبل للحد من الهجرة غير الشرعية إلى أوربا، فقد اتفقت مع الاتحاد الأوربى أن الهجرة لابد أن تكون وسط اطاراتها الشرعية، وهناك دول أوربية تحتاج بالفعل إلى الهجرة، لكن لابد أن يكون هذا الأمر بشكل منظم وقانونى وشرعى، وكذلك مصر تنظر إلى القضية من طرف إنسانى، وهو القاء الشباب لانفسهم فى البحار وهو عمل لا يتفق مع الإنسانية، ولذلك نجحت مصر فى منع الهجرة غير الشرعية من كل سواحلها منذ سبتمبر 2016 وإلى الآن لم يخرج مركب واحد من مصر يحمل هجرة غير شرعية، وهو نجاح كبير جدا يحسب للاجهزة الامنية وحرس السواحل.

وأكد أستاذ العلاقات الدولية أن مصر تقوم بكل مشروعاتها سواء المشروعات الاقتصادية او البنية التحتية التى توفر ملايين  فرص العمل للشباب، وهى طريقة غير مباشرة لمنع الهجرة غير الشرعية للشباب المصرى إلى أوربا، أما فيما يتعلق ببعض الدول الأخرى الذين ينظرون إلى مصر بأنها دولة معبر لهم إلى أوربا، فمصر ترفض هذا الأمر بشكل قاطع، لكنها فى نفس الوقت توفر البديل، بمعنى أن مصر تستضيف ما يزيد عن 10 ملايين لاجئ من الدول العربية والإفريقية، وهم ضيوف كما قال الرئيس، فهى لا تبنى لهم مخيمات على الحدود أو فى الصحراء، بل يتمتعون بكافة الخدمات، وبالتالى مصر تقدم نموذجا مشرفا فى كيفية التعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية، والعالم كله يشيد بحكمة مصر فى هذه القضية، ولذلك جاء 6 زعماء أوربيين لعقد القمة الأوربية هنا فى القاهرة، وعقد الاتفاق مع المفوضية الأوربية على حزمة من الدعم تقدر بـ 7.4 مليار يورو، والتى تصب فى النهاية لدعم الاقتصاد المصرى والبنية التحتية المصرية التى تستوعب مزيدا من الشباب حتى لا يكون هناك هجرة غير شرعية.

وأوضح أستاذ العلاقات الدولية أن اسرائيل تساعد فى تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية من خلال الحرب على قطاع غزة، لأن نتيجة الحرب اندفاع الآلاف لترك قطاع غزة والبحث عن مناطق آمنة بعيدا عن الحرب، وبالتالى هدم القطاع والبنية التحتية والبيوت يجعلها منطقة غير آدمية، وهو ما يؤدى إلى الهجرة.

وأكد أن التوترات الجيوسياسية التى تمر بها المنطقة العربية والشرق الأوسط يفاقم من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، فحتى الآن لا يوجد حل لما يحدث فى سوريا بشكل نهائى رغم بدايته من مارس 2011، بل إن هناك دعم للمجموعات والمنظمات الارهابية الموجودة فى حلب وادلب وشمال سوريا.. والتى تعمل ضد الدولة السورية، وهناك ايضا حديث ان تنظيم داعش بدأ يعود للعراق، وهو ما يؤدى إلى عدم الاستقرار فى مناطق الاكراد أو الايزيديين أو مناطق الاقليات فى شمال العراق وشمال غربه، وبالتالى كل ذلك يؤدى فى النهاية إلى موجات جديدة من الهجرة غير الشرعية باتجاة اوربا، كذلك الحرب السودانية الجديدة، وهناك اكثر من 8 ملايين نازح من السودان وبالتالى التطورات الجيوسياسية والحروب الاهلية تفاقم من ظاهرةالهجرة غير الشرعية، ولابد من حل تلك القضايا من الجذور.

وكشفت دراسة  كان قد اعدها المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية عن أهمية ملف الهجرة غير الشرعية، والذى جعله على أجندة التعاون الاستراتيجى بين الاتحاد الأوروبى ومصر، موضحة أن قضية الهجرة غير الشرعية  واللجوء  كانت مسيطرة على مناقشات وجدول أعمال اجتماعات الاتحاد الأوربى فى عام 2023.

وأكدت الدراسة أن الاتحاد الأوربى اعتبر مصر شريكا  إقليميا واستراتيجيا مهما؛ نظرًا للدور الذى لعبته فى مكافحة الهجرة غير الشرعية.

وتتمثل أبرز الجهود المصرية على الصعيد الدولى فى ملف الهجرة غير الشرعية فى العديد من المحاور، ومنها  مشاركة مصر فى إعلان روما بشأن “مبادرة الاتحاد الأوروبى للهجرة فى القرن الإفريقي”، والتى سميت بـ “عملية الخرطوم” فى نوفمبر 2014، وكذلك مشاركتها فى “قمة فاليتا” بمالطا حول الهجرة غير الشرعية فى نوفمبر 2015.

وفى أكتوبر 2018 وقعت مصر اتفاقية مع الاتحاد الأوربى لمكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب الأشخاص والاتجار بالبشر، وتضمنت الاتفاقية 7 مشروعات فى 15 محافظة بقيمة 60 مليون يورو، لمعالجة الأسباب الرئيسية المسببة لظاهرة الهجرة غير الشرعية، ورصدت الدراسة سلسلة من الفعاليات بين مصر وأوروبا لمواجهة الهجرة غير الشرعية.

أووضحت الدراسة دور مصر على الصعيد المحلى فى مواجهة الهجرة غير الشرعية، حيث اطلقت  الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية 2016 – 2026، وكذلك انشاء  اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشررسميًا فى 23 يناير 2017 بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 192 لسنة 2017، وهى لجنة تابعة لمجلس الوزراء، وتضم 29 وزارة وهيئة، بخلاف رئيس اللجنة واثنين من الخبراء، وتعمل  على رفع مستوى الوعى العام بمخاطر الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر.

كذلك نظمت وزارة الهجرة فى عام 2019 المبادرة الرئاسية “مراكب النجاة” للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية، حيث وفرت فرص عمل للشباب وكذلك قدمت لهم دروس توعية عن اضرار ومخاطر الهجرة غير الشرعية.

 	عرفة محمود

عرفة محمود

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

خطة ملادينوف تصطدم بـ«سلاح المقاومة».. ومخطط إسرائيلى للبقاء فى غزة

ديمترى دليانى: تحويل المقاومة إلى حزب سياسى لايتوّج إلا بالاستقلال والسيادة د. أسامة عامر: حل أزمة القطاع تكمن فى منح...

كواليس زيارة «ترامب» إلى الصين.. وتفاصـيل التحول فى هندسة العلاقات الدولية

د. طارق فهمى: صياغة تفاهمات استراتيجية واقتصادية.. تعيد التوازن لعلاقات واشنطن د. محمد فرحات: حزمة من الملفات المعقدة كانت على...

وصايا الرئيس «السيسى» لإنقاذ العالم من الأزمات

تسويـة النزاعـات القائمـة بالطـرق السلميــــــــــة.. والحفاظ على سيادة الدول إصلاح النظام المالى الدولى.. وكسر معضلة الديون السيادية عدم الإضرار بمصالح...

التحذير الأخير للمتآمرين على وحدة السودان

تعد اللحظة الراهنة في السودان هي الأخطر منذ اندلاع الصراع المسلح، حيث تحولت الأراضي السودانية من ساحة نزاع داخلى إلى...