غنائم إسرائيل وحزب الله وإيران فـى لبنان

تدرك جميع أطراف النزاعات الإقليمية الملتهبة خطورة اندلاع حرب بمفهومها التقليدى فى الوقت الراهن، لذا تكتفى كل جبهة على الساحة بضربات متواترة وسريعة لمواقع الطرف

تدرك جميع أطراف النزاعات الإقليمية الملتهبة خطورة اندلاع حرب بمفهومها التقليدى فى الوقت الراهن، لذا تكتفى كل جبهة على الساحة بضربات متواترة وسريعة لمواقع الطرف المعادي، وترضى فى المقابل بضربات الرد. ووسط هذا الواقع يبدو أن كل طرف قد اتفق دون اتفاق مع الآخر على السجال الدائر، نظراً للمكاسب أو «الغنائم» السياسية المترتبة على ذلك سواء على المدى القريب أو البعيد.

إزاء ذلك، فليس ثمة شك فى أن  حزب الله الذى انهكته الحرب السورية يحتاج إلى التقاط أنفاسه، وربما إلى إعادة رص صفوفه، أو تضميد جراح مقاتليه، ولا يعنيه خوض مواجهة مسلحة جديدة مع إسرائيل فى الوقت الراهن، إلا أنه لا مانع فى المقابل من الاستجابة لإيعازات إيران، الرامية إلى مواصلة الضغط على إسرائيل لصالح حكومة طهران، أملاً فى الخروج من دائرة العقوبات الأمريكية، وهى الاستراتيجية ذاتها التى تبنتها فى الجبهة اليمنية وفى ضرباتها عبر الحوثيين لمختلف النقاط الخليجية، أو فى مياه الخليج ذاتها، لاسيما أن هذا الضغط أسفر عن تخلى بعض القوى الإقليمية عن المشاركة فى حرب اليمن، وإعادة فتح قنوات التقارب مع إيران، وقاد ذلك أيضاً إلى تصريح ترامب المفاجئ بالرغبة فى عقد لقاء مع الرئيس الإيراني.

أمام ذلك، ودون التورط فى حرب تقليدية لا تتناسب وظروفها الاقتصادية، أدركت إيران نجاعة استراتيجيتها وضغوطاتها العسكرية. الأكثر من ذلك ردها بإيجاب على دعوات الخصوم إثر محاولات التصالح والالتزام بحقوق الجوار وعدم التدخل فى شئون وسيادة الدول، وهو ما يزيل من قائمة التوقعات احتمالات اندلاع حرب متعددة الأطراف فى المنطقة، وفقاً لما كان متوقعاً خلال فترة سابقة.


 استراتيجية موازية

إسرائيلياً، ورغم الضربات الخاطفة التى انطلقت من إسرائيل فى العراق وسوريا، واعتراف نتنياهو بها خلال زيارته الأخيرة لأوكرانيا، لا تعتزم حكومة «الليكود» هى الأخرى التصعيد فى الوقت الراهن حد الدخول فى مواجهة مع قوى إقليمية، وفى حين لا تتوقف آلة الإعلام العبرية عن التلويح باقتراب نذر حرب ضد إيران أو جبهات إقليمية أخرى (حزب الله وحماس)، يشى الواقع باستراتيجية إسرائيلية موازية لنظيرتها الإيرانية وإن كانت بتوسع؛ فإيران التى تعانى سخطاً شعبياً على خلفية ضلوعها فى الحرب السورية ومثيلتها فى اليمن، واستنزاف الموارد الطائلة فى ذلك، مما أدى إلى ارتفاع الأصوات الداعية إلى ترميم الجبهة الداخلية قبل انهيارها بفعل العقوبات الاقتصادية، تختلف عن إسرائيل التى يطالب مستوطنوها المستويين السياسى والعسكرى بمواجهة إيران خارج الحدود، والتخلى عن انتظار وصول قاذفات وصواريخ الحرس الثورى الإيراني، ولعل نتنياهو يبنى كثيراً على تلك المخاوف مع كل قرار يصادق عليه لتوجيه ضربات لمواقع يحسبها على إيران لدى العراق وسوريا ولبنان، ويدرك تماماً أن تلك الضربات ستصبح رصيداً كافياً فى صناديق اقتراع الانتخابات المرتقبة سبتمبر الجاري، وتؤهله إلى الاحتفاظ مجدداً بمقعد رئاسة الوزراء، إلا أنه فى المقابل يرفض تماماً أن تفضى تلك الضربات إلى مواجهة صريحة مع قوى دولية أخرى فى المنطقة، لاسيما روسيا، إذ تتعامل قواته - خاصة الجوية منها - بـ«مشرط الجرَّاح» مع كل هدف خارج إطارها، تفادياً لصدام قد ينزلق بها إلى حرب فعلية.

 ضربات خاطفة

لا تترك العمليات العسكرية الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل شكاً فى انعدام رغبة الطرفين فى المواجهة، والاكتفاء بسجال الضربات الخاطفة، التى يتباهى كل طرف فيها بإنجازاته على الأرض، لكن المناورة التى نسبت إلى إسرائيل عبر إخلاء «جرحى وهميين» نتيجة قصف حزب الله لمدرعة إسرائيلية، تشى بإيصال حزب الله رسالة إسرائيلية مفادها: «كفاك، لقد أخذت حقك، وقمت بالرد الموجع على عملية طائرة بدون طيار إسرائيلية جنوب لبنان»، لكن المناورة الإسرائيلية لاقت ردود فعل واسعة لدى خبراء العلوم العسكرية فى إسرائيل، إذ يرى البروفيسور رون شلييفر، وهو خبير فى الحرب النفسية فى مدرسة الإعلام التابعة لجامعة «أرئيل» أن المناورة التى قام بها الجيش الإسرائيلى مؤخراً، لإقناع حزب الله بوجود جرحى نتيجة قصفه لمدرعة إسرائيلية، تثبت إلى حد كبير مدى الفارق الجوهرى بين المفهوم الكلاسيكى لمصطلحى «التضليل»، و«الحرب النفسية»، فالتضليل بموجب تصريحات الخبير الإسرائيلى المنشورة فى صحيفة «معاريف» العبرية ينبع من الحاجة إلى تضليل متخذى القرارات السياسية والعسكرية لدى العدو، أما الحرب النفسية فتوجه إلى الجماهير، لإقناعهم بنجاح تصعيد خطوات الحرب، وما حدث مع حزب الله هو فى جوهره تضليل، أما الحرب النفسية فهى تلك التى يتبعها حسن نصر الله، عندما أعلن «إننا مستعدون فى كل وقت نختاره للهجوم على إسرائيل». كما أن قضية الجندى الإسرائيلى جلعاد شاليط، الذى كان مخطوفاً فى قطاع غزة، كانت هى الأخرى حرباً نفسية، قادتها حماس ضد إسرائيل، وأدت إلى تمزيق إسرائيل شر تمزيق طيلة خمس سنوات.


 رد سطحي

رغم ذلك لا يعول المراقبون فى تل أبيب كثيراً على عملية التضليل الإسرائيلية، ويعتبرونها لصالح نصر الله ورجاله، الذى فطن إلى حقيقتين، أولاهما: أن إسرائيل غير معنية بتصعيد المواجهة مع حزب الله فى الوقت الراهن، نظراً لحسابات المستوى السياسي، الراغب فى تمرير مرحلة الانتخابات المرتقبة بهدوء، والحيلولة دون إعاقة المستوطنين خلال عملية التصويت؛ ثانياً: تأثير رد فعل حزب الله وإن كان سطحياً على إسرائيل، وهو ما قد يشجع الحزب على تكرار ضرباته لإسرائيل، ومواصلة تهديد جبهتها الداخلية، للتأثير سلباً على شعبية نتنياهو وحكومته.

فى المقابل لا تتوقف آلة الإعلام العبرية عن تضخيم التهديد الإيرانى وذراعه «حزب الله» فى الجنوب اللبنانى على إسرائيل، إذ تشير تقارير إسرائيلية إلى أن إيران أمدت حزب الله مؤخراً بخطوط إنتاج صواريخ بالغة الدقة فى إصابة الهدف؛ ولم تكتف صحيفة «يديعوت أحرونوت» التى نشرت الخبر بذلك، وإنما أتبعته بتقرير يفيد بأن الجيش الإسرائيلى كشف عبر الأقمار الاصطناعية منشأة لإنتاج صواريخ متطورة فى سهل البقاع اللبناني، جرى بناؤها منذ عدة سنوات، موضحاً أن عناصر حزب الله انشغلت خلال الأيام القليلة الماضية بإخلاء المنشأة من الصواريخ وخطوط الانتاج.

 قمة عسكرية

وشارك موقع «دبكا» الإسرائيلى فى توسيع دائرة الخطر الذى تواجهه إسرائيل من إيران وحزب الله معاً، حينما نشر تقريراً نسبه إلى دوائر استخباراتية فى تل أبيب، وجاء فيه: «إنه فى الثالث والعشرين من أغسطس المنصرم، عُقدت قمة هى الأولى من نوعها فى بيروت بين قائد «كتائب القدس»، الجنرال الإيرانى قاسم سليماني، وقائد الحرس الثورى الإيرانى الجنرال حسين سالمي، بالإضافة إلى أمين عام حزب الله حسن نصر الله، وجرى خلال اللقاء تحديد العمليات التى من المقرر قيام إيران وحزب الله بها ضد إسرائيل والتواجد الأمريكى فى منطقة الشرق الأوسط».

ورغم اعتراف معدو التقرير العبرى بالتدخل الروسى لنقل الرسائل المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل، للحيلولة دون تأثير ذلك على الوضع العسكرى فى سوريا، وهو ما يشى برغبة القوى الدولية فى التهدئة، إلا أن مصادر «دبكا» المحسوبة على حكومة «الليكود» اعتبرت ما وصفته بـ«القمة العسكرية بين إيران وحزب الله» دليلاً على العمليات العسكرية التى جرت خلال الأيام القليلة الماضية فى سوريا ولبنان وإسرائيل، وأن تلك العمليات هى مجرد بداية لحرب قد تتطور بين إسرائيل من جهة وإيران وحزب الله من جهة أخرى خلال الأسابيع القليلة المقبلة.


 	محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر تفرض كلمتها وتجبر الاحتلال على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة

ديمترى دليانى: لولا صلابة الموقف المصرى لنجح الكيان فى تنفيذ مخطط التهجير

أسباب احتلال مصر المركز الأول عالمياً على قائمة استقبال الضيوف الأجانب

د. أيمن شبانة: اللاجئون أزمة مزمنة.. والمنظمات الدولية لا توفر لهم الحياة الكريمة د. خالد الشافعى: الأعداد المتزايدة تشكل ضغوطًا...

سيناريوهات إحياء مخطط «الفوضى الخلاقة» فى المنطقة بمخطط إسرائيلى جديد

د. رانيا فوزى: الثورات يفجرها المقاوم.. ويجنى ثمارها الاحتلال الجبان السفير معتز أحمدين: المنطقة تواجه «صيف ساخن».. ووعى الشعوب يحول...

نشاط مكثف لذيول الجماعة الإرهابية للهجوم على الدولة المصرية

شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة نشاطا مكثفًا من حسابات ومنصات محسوبة على جماعة الإخوان، بالتزامن مع تصاعد التوترات...