"مسافة السكة" بمظلة دستورية.. الموقف المصري بين الردع الدفاعي وضوابط القرار

بقلم .. محمود علام

ليست القوة الحقيقية أن تمتلك الدولة القدرة على خوض الحرب، بل أن تمتلك من الحكمة ما يجعلها تعرف متى تستخدم هذه القدرة، ولأي غاية، وأين ينبغي أن تتوقف. فالتاريخ لا يمنح مكانته للدول التي انتصرت بالسلاح وحده، وإنما لتلك التي استطاعت أن تجعل قوتها وسيلة لحماية الاستقرار، وأن توازن بين مقتضيات الردع ومسؤولية تجنب الحروب. وحين تضطرب المنطقة، وتتداخل حدود الأمن القومي، وتتجاوز التهديدات خرائط الدول، يصبح الصمت أحيانًا مخاطرة، مثلما يصبح الاندفاع مغامرة؛ وبينهما تبحث الدولة الرشيدة عن الطريق الأصعب: أن تكون مستعدة للمواجهة، من دون أن تجعل الحرب غايتها، وأن تحمي السلام بقوة قادرة على ردع من يهدده.

وفي خضم السيولة الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، يبرز مفهوم "الردع الدفاعي" بوصفه معادلة دقيقة بين امتلاك القوة وضبط استخدامها؛ فالدولة التي تدرك مسؤوليتها لا تتعامل مع السلاح باعتباره وسيلة للهيمنة، بل قدرة تحمي بها أمنها، وتصون مصالحها، وتمنع الاعتداء على أشقائها. ومن هذا المنطلق، يكتسب الموقف المصري إزاء أمن المملكة العربية السعودية دلالته السياسية والاستراتيجية، بوصفه اختبارًا لقدرة القاهرة على الجمع بين التزامها العربي وحساباتها القومية، وبين الاستعداد للدفاع عن الأشقاء والتمسك بأن تظل القوة في خدمة السلام، لا أن تتحول إلى باب لحرب جديدة.

وقد اكتسب هذا المعنى أبعاده العملية في حفل تخريج دفعات جديدة بالأكاديمية العسكرية المصرية، صباح السبت السابع عشر من أكتوبر الجاري، حين أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لمساندة المملكة العربية السعودية والدفاع عنها إذا اقتضت الظروف وطلبت الرياض ذلك، مشددًا على أن القاهرة لا تستهدف الاعتداء على أحد، وإنما تتحرك في إطار الدفاع عن أمن الأشقاء. كما دعا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس النواب للنظر في الموافقة اللازمة لأي تحرك عسكري محتمل، بما يضع الاستعداد المعلن في إطاره السياسي والدستوري، ويفصل بين إبداء الجاهزية للدفاع واتخاذ قرار فعلي باستخدام القوة.

إن جوهر الرسالة المصرية لا يكمن في ارتفاع نبرتها، بل في وضوح حدودها: أمن المملكة ليس شأنًا بعيدًا عن الأمن المصري، لكن الدفاع عنها لا يعني البحث عن مواجهة جديدة، والاستعداد العسكري لا يلغي أولوية الحلول السياسية. فالرسالة هنا تتجاوز إعلان التضامن إلى تأكيد أن الاعتداء على دولة عربية قد تتخطى تداعياته حدودها الجغرافية، وأن منع اتساع المواجهة مسؤولية لا تقل أهمية عن الاستعداد لردعها.

وتأتي هذه الرسالة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات التي تطال الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية والمرافق المدنية، وسط مخاوف من اتساع نطاق المواجهة المرتبطة بالصراع في اليمن. وقد تناولت تغطيات وكالة رويترز تطورات الموقف المصري والتصعيد الإقليمي، فيما وثقت تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن جوانب من النزاع وتداعياته الأمنية. وتنبع خطورة استهداف المنشآت الحيوية من أنه لا يهدد سلامة السكان ومقدرات الدولة المستهدفة فحسب، بل قد يفتح الباب أمام اضطرابات اقتصادية وأمنية تتجاوز آثارها حدودها، فتُربك حركة التجارة، وتضغط على أسواق الطاقة وإمداداتها، وتنعكس على مقتضيات الاستقرار الإقليمي.

وهنا تفرض الجغرافيا نفسها على الحسابات السياسية. فالبحر الأحمر وباب المندب ليسا مجرد ممرين بحريين على خرائط الملاحة، بل هما شريانان تتقاطع عندهما مصالح التجارة الدولية وأمن الطاقة ومصالح دول المنطقة. وبالنسبة إلى مصر، يرتبط استقرار هذا المجال البحري ارتباطًا مباشرًا بأمن قناة السويس وحركة التجارة التي تمر عبرها، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للدولة. وأي اضطراب ممتد في الملاحة يفرض أعباء تتجاوز تأخير السفن أو ارتفاع تكاليف النقل، وقد ينعكس على إيرادات القناة والتجارة العالمية ومناخ الاستثمار. ومن ثم، فإن أمن السعودية واستقرار الخليج والبحر الأحمر ليست ملفات منفصلة في الحسابات المصرية، بل دوائر متداخلة ضمن منظومة أوسع للأمن القومي.

ولا يمكن فصل الموقف المصري عن مسار التنسيق السياسي والاستراتيجي بين القاهرة والرياض، الذي تعكسه اللقاءات والزيارات الرسمية المتبادلة، وفي مقدمتها لقاءات الرئيس السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. فأهمية هذا التواصل تتجاوز تأكيد متانة العلاقات الثنائية إلى بناء أرضية مشتركة للتعامل مع التحديات الإقليمية وتنسيق المواقف إزاء المخاطر التي تمس أمن البلدين ومصالحهما. والعلاقة بين مصر والسعودية لا تقوم على روابط التاريخ والجوار والمصالح الاقتصادية وحدها، وإنما تستند كذلك إلى إدراك متبادل بأن استقرار كل منهما عنصر مؤثر في استقرار المنطقة، وأن التحديات المتشابكة لا يمكن مواجهتها بسياسات متفرقة أو ردود أفعال مؤقتة.

وفي هذا السياق، اكتسب اجتماع مجلس الدفاع الوطني برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح الأحد الثامن عشر من أكتوبر، أهمية خاصة؛ إذ أكد المجلس التضامن الكامل مع المملكة العربية السعودية، انطلاقًا من العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، وإيمانًا بارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي. ولم يقف الموقف عند حدود التضامن السياسي، بل امتد إلى إعلان استعداد مصر لتقديم جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة، دفاعًا عن أمنها واستقرارها، وصونًا لمقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية. وفي موازاة ذلك، شدد المجلس على مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية وتكثيفها، بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، لخفض التصعيد وتسوية أزمات المنطقة بالطرق السلمية.

وتكشف هذه القرارات عن ثلاثة أبعاد متكاملة للموقف المصري: تضامن يستند إلى ترابط المصالح الأمنية، واستعداد لتقديم الدعم الدفاعي، ومسار دبلوماسي يسعى إلى احتواء التصعيد ومنع اتساع المواجهة. فالقوة، في هذا التصور، ليست نقيضًا للسلام، كما أن التمسك بالحلول السياسية لا يعني التخلي عن مقتضيات الدفاع؛ بل إن الجمع بين الاستعداد والتهدئة هو ما يتيح حماية المصالح الوطنية والعربية، مع إبقاء أبواب التسوية مفتوحة.

ومن هنا تبرز أهمية الإطار الدستوري الذي يحكم أي تحرك عسكري محتمل. فلقد أعقب اجتماع مجلس الدفاع الوطني انعقاد الجلسة الطارئة لمجلس النواب ليضع الأمر أمام المؤسسات الدستورية المختصة، وفقًا للضوابط التي حددها الدستور المصري. فالمادة (152) تشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه قبل إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة. وبذلك، لا يمثل اللجوء إلى البرلمان تفصيلًا إجرائيًا يمكن تجاوزه، بل ضمانة مؤسسية تربط قرار استخدام القوة بالمسؤولية الدستورية والسياسية.

وتتجاوز دلالة هذه الخطوة حدود استكمال الإجراءات القانونية؛ فهي تؤكد أن الاستعداد للدفاع عن الأشقاء لا يعني أن قرار استخدام القوة قد اتُّخذ بالفعل، وأن التحرك العسكري، إن اقتضته الظروف، لا يُترك لضغط اللحظة أو اندفاع الانفعال، وإنما يخضع لضوابط دستورية واضحة، توازن بين مقتضيات الأمن القومي ومسؤولية تجنب اتساع الصراع. فالدولة التي تعرف قيمة قوتها تدرك كذلك خطورة استخدامها، وتدرك أن شرعية القرار وحساب عواقبه جزء من القدرة على حماية المصالح، وليسا قيدًا منفصلًا عنها.

وفي موازاة هذه الخطوات، برزت ردود فعل يمنية على الموقف المصري؛ إذ نشرت وكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، رسالة وجّهها يحيى علي الراعي، رئيس مجلس النواب في صنعاء، إلى نظيره المصري المستشار هشام بدوي، حذّر فيها من انخراط مصر في تحركات عسكرية لدعم المملكة العربية السعودية في اليمن، وذلك قبيل انعقاد الجلسة الطارئة لمجلس النواب المصري. وتعكس الرسالة حساسية احتمال اتساع دائرة المواجهة، وما يمكن أن يترتب على أي انخراط عسكري من حسابات وتداعيات، لكنها لا تعني أن الصدام المباشر أصبح حتميًا؛ فما زالت أمام السياسة والدبلوماسية مساحة للعمل من أجل احتواء التصعيد، ومنع انتقال التهديدات المتبادلة إلى حرب إقليمية أوسع.

وهنا تتجلى قيمة الردع حين يُفهم باعتباره وسيلة لمنع الحرب، لا مقدمة حتمية لها. فالردع الفعال ليس استعراضًا للسلاح، ولا تهديدًا مفتوحًا لكل الأطراف، بل رسالة محسوبة تجعل كلفة الاعتداء أعلى من المكاسب المتوقعة منه، وتدفع الخصم إلى إعادة حساباته قبل أن يقرر التصعيد. وفي المقابل، تظل الدبلوماسية ضرورة لا غنى عنها لتحويل هذا الاستعداد إلى فرصة لاحتواء الأزمة، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، واحترام سيادة الدول، ومنع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة دفعت شعوبها أثمانًا باهظة في حروب سابقة.

إن مصر، وهي تعلن استعدادها لمساندة السعودية، تواجه اختبارًا يتجاوز موقفها من أزمة بعينها؛ اختبار قدرتها على الجمع بين الوفاء بالتزاماتها العربية، وحماية مصالحها القومية، واحترام مؤسساتها الدستورية، والعمل على منع الإقليم من الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن التنبؤ بعواقبها. وهذه العناصر ليست متعارضة، بل يكمل بعضها بعضًا: فالتضامن يمنح الموقف عمقه السياسي، والقدرة العسكرية تمنحه وزنه الردعي، والشرعية الدستورية تضبط مساره، والدبلوماسية تفتح أمامه الطريق نحو تسوية تحمي المنطقة من مزيد من الخسائر.

فالدول لا تختار دائمًا اللحظة التي تُختبر فيها، لكنها تختار كيف تواجه الاختبار، وما الحدود التي ترسمها لنفسها، وما الثمن الذي تقبله دفاعًا عن أمنها ومصالحها. وفي لحظات كهذه، لا تكون الرسالة الأقوى هي تلك التي ترفع صوت الحرب، بل تلك التي تجعل المعتدي يدرك أن طريق العدوان لن يكون مفتوحًا، وأن وراء التهديد حسابًا، ووراء الحساب قدرة، ووراء القدرة دولة تعرف لماذا تتحرك، ومتى تتحرك، وأين ينبغي أن تتوقف.

كما أن للمصادفة التاريخية هي الأخرى دلالتها؛ ففي أكتوبر 1973، وقفت المملكة العربية السعودية إلى جانب مصر وسوريا، واستخدم الملك فيصل بن عبد العزيز ثقل المملكة النفطي في معركة تجاوزت حدود الميدان العسكري، ليؤكد أن التضامن العربي يمكن أن يتحول إلى قوة تساند المعركة وتؤثر في موازينها. وبعد عقود، وفي لحظة فارقة من تاريخ مصر، جاء الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى القاهرة وتحديدًا في 20 يونيو 2014، والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي على متن طائرته الملكية في مطار القاهرة، في مشهد حمل رسالة دعم واضحة لمصر في مرحلة دقيقة من تاريخها. واليوم، وفي أكتوبر 2026، تعلن مصر استعدادها لمساندة المملكة والدفاع عنها إذا طلبت ذلك، فتتقاطع الذاكرة مع الحاضر، وتتبادل القاهرة والرياض موقعي المُسانِد والمُسانَد، بينما تبقى الفكرة التي تجمعهما واحدة: أن أمن البلدين متصل، وأن التضامن الحقيقي لا يُقاس باتجاه واحد، بل بقدرة كل طرف على الوقوف إلى جانب الآخر حين تفرض الظروف ذلك.

وبين أكتوبر الذي ساندت فيه السعودية مصر، وأكتوبر الذي تعلن فيه مصر استعدادها لمساندة السعودية، تمتد حكاية علاقة نسجتها الأخوة، ورسّختها المواقف، واختبرتها لحظات الخطر. هكذا تصبح مقولة "مسافة السكة"، التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014، أكثر من وعد بسرعة الاستجابة؛ إنها ذاكرة من المواقف المتبادلة، وتضامن تحرسه مظلة الدستور، وقوة تضبطها حكمة الدولة. فمصر تعرف طريقها إلى أشقائها حين يتهددهم الخطر، وتعرف أن أعظم انتصار للقوة هو أن تجعل الحرب آخر الخيارات، وأن تردع العدوان قبل أن تبدأ المعركة.

وبين أكتوبر الأمس وأكتوبر اليوم، لا تستعيد العلاقة المصرية السعودية ذكرياتها فحسب، بل تواجه مسؤولية جديدة: أن يتحول التضامن إلى قوة تحمي الأوطان، وإلى حكمة تحول دون أن تصبح الحروب قدرًا جديدًا للمنطقة.

فـ"مسافة السكة" ليست المسافة التي تقطعها القوات إلى ميدان المواجهة فحسب، بل المسافة الفاصلة بين تهديد يفتح أبواب الحرب، وقوة واعية تستطيع أن تغلقها قبل أن تُراق الدماء.

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام

المزيد من أقلام

"مسافة السكة" بمظلة دستورية.. الموقف المصري بين الردع الدفاعي وضوابط القرار

ليست القوة الحقيقية أن تمتلك الدولة القدرة على خوض الحرب، بل أن تمتلك من الحكمة ما يجعلها تعرف متى تستخدم...

​صَحْوَةُ عربية تُوَاجِهُ المنصات الرقمية

​في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل والتطبيقات الرقمية العالمية وما تبثه من محتوى متنوع يصل إلى الأطفال والشباب على مدار...

باب الحرية : الذكرى الـ53 لمعركة الكرامة أكتوبر.. كابوس الصهـاينة المستمر

مصر بدأت تحديث جيشها مبكراً وكأنها كانت تقرأ المستقبل تل أبيب تجرعت الهزيمة فى الحرب وفشلت فى كسر وجدان المصريين...

مَن صنعوا التاريخ… ومَن ورثوه

ثمة مسافة غامضة بين اللحظة التي يعيشها الإنسان بيقينها الهش، واللحظة التي يضعه فيها التاريخ على منصة الخلود. ففي الأولى...