مَن صنعوا التاريخ… ومَن ورثوه

بقلم .. محمود علام

ثمة مسافة غامضة بين اللحظة التي يعيشها الإنسان بيقينها الهش، واللحظة التي يضعه فيها التاريخ على منصة الخلود. ففي الأولى يمضي المرء إلى أيامه محاطًا بما يعرفه وما يخشاه وما يرجوه، لا يملك من طيات الغيب إلا وميض احتمالات؛ وفي الثانية تعود الخطوات القديمة وقد اكتسبت أسماءها، وتنكشف النتائج التي كانت يومًا مجهولة، فيغدو ما عاشه فرد واحد فصلاً من حكاية أمة بأكملها.

هكذا ينظر إلينا الزمن من ضفتيه المتباعدتين: أناسٌ يصنعون لحظاتهم العظيمة، فرادى وجماعات، دون أن تلوح لهم صورتهم الأخيرة في مرايا المستقبل؛ وأجيالٌ تأتي من بعدهم فترى اللوحة مكتملة الخطوط والألوان، وتغفل أحيانًا أن أصحاب الأيدي التي رسمتها لم يملكوا، وهم في أتون الحدث، رفاهية معرفة النهاية.

في الثانية من ظهر السبت، السادس من أكتوبر 1973 (العاشر من رمضان 1393هـ)، لم يكن المصري الذي مضى إلى غمار المعركة يعرف كيف ستروي الأجيال اللاحقة تفاصيل ذلك اليوم. كما لم تكن صفحات التاريخ مفتوحة أمامه, فتكشف له عن خاتمة المعركة، ولا كانت العقود المقبلة قد أعدّت له مكانًا في صفحات الكتب ونصوص المناهج وذاكرة الأجيال. كان كل ما يشغل خاطره واجبًا وطنيًا يلحُّ عليه، ومهمة مقدسة يتعين عليه أن يؤديها، ووطنًا ينوء تحت وطأة جرحٍ غائر لم يندمل منذ صيف يونيو 1967، وأملاً واحدًا في استعادة الأرض والكرامة, منتظرًا إحدى الحسنيين: إما النصر أو الشهادة.

أما نحن، فنعود إلى ذلك اليوم بعد أكثر من نصف قرن، ونعرف ما لم يكن لأحد أن يعرفه كاملاً في ساعاته الأولى. نعرف كيف شنّت (222) طائرة ضربتها الجوية الأولى على أهداف إسرائيلية حيوية، ونعرف العبور، وكيف نجح سلاح المهندسين العسكريين في فتح (نحو 80) ثغرة في الساتر الترابي خلال الساعات الأولى، باستخدام مضخات المياه التي اقترحها المهندس باقي زكي يوسف، صاحب الفكرة التي حوّلت مياه القناة إلى أداة لفتح ممرات العبور للجنود والمعدات إلى الضفة الأخرى. ونعرف كيف صار السادس من أكتوبر علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، فنستدعي الصور والخطب والشهادات، ونطوي المسافة بين البداية والنهاية في حكاية نرويها كل عام. غير أن ما قد يغيب عنا وسط اكتمال الرواية وبريق الأرقام، أن أولئك الرجال شهدوا الحدث من داخله، لا من موقع المشاهد الذي بات يعرف مآله. فقد كانوا يعيشون مستقبلاً لم يُكتب بعد، أما نحن فنتذكرهم من مستقبل صار تاريخًا.

ولعل هذه المفارقة أصدق مدخل إلى معنى البطولة. فالتاريخ، حين يفرغ من كتابة أحداثه، يمنحها ترتيبًا ووضوحًا لا يتوافران لمن عاصرها، لكنه لا يُعيد إلينا التجربة الإنسانية التي سبقت النتيجة: القلق الذي صاحب الانتظار، ثقل المسؤولية، تداخل الخوف مع العزم، والمساحة الغامضة التي يقف فيها الإنسان أمام ما لا يعرفه، قبل أن يمضي.

وليس من الإنصاف أن نتخيل أبطال أكتوبر أناسًا لم يدركوا قيمة ما يفعلون؛ فقد حمل كثيرون منهم وعيًا عميقًا برسالتهم العسكرية والوطنية. لكن أن يعرف المرء قيمة واجبه شيء، وأن يعرف مآل التاريخ شيء آخر. قد يعرف الإنسان لماذا يقاتل، ولا يعرف أي صورة ستبقى له بعد خمسين عامًا، ولا أي عبارة ستختصر سيرته، ولا كم من الذين لم يلقهم قط سيذكرون يومًا أنه كان هناك.

وقد تبدو هذه المسافة بين التجربة ونتيجتها أكثر وضوحًا حين نقترب من تجربة الذين عاصروا تلك السنوات. فالحرب بدت، لمن عاشوها، غير منفصلة عن زمنها؛ لم تكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل مخاضًا اعتصر وعي جيل كامل، تشكّل على جمر الهزيمة وسنوات الانتظار المرير، وظل يحمل في داخله سؤالاً ثقيلاً عن القدرة على استعادة ما فقده الوطن من أرض وثقة ويقين. وحين جاء العبور، لم يكن انتصارًا عسكريًا فحسب، بل لحظة استرد فيها كثيرون يقينًا ظنوا أن الهزيمة قد انتزعته منهم، وأدركوا أن ما عانوه طوال سنوات لم يكن انتظارًا للنصر وحده، بل انتظارًا للحظة يستعيد فيها الإنسان قدرته على الفعل.

ولم يكن أكتوبر يُعاش في الخنادق وحدها؛ ففي الجانب الآخر من المشهد، كانت البيوت تنتظر الأخبار، والشوارع تترقب بيانات القوات المسلحة، والمستشفيات تستقبل مواطنين ذهبوا للتبرع بالدم، وكان لكل أم وأب وابن طريقته الخاصة في المشاركة في تلك اللحظة الوطنية. هكذا اتسع معنى الحرب من ميدان القتال إلى مجتمع كامل، عايش الحدث كلٌّ من موقعه، وحمل منه ذكرى مختلفة، لكنها تلتقي جميعًا عند حقيقة واحدة: إن أكتوبر لم يكن يومًا عسكريًا معزولاً، بل تجربة وطنية مرّ بها مجتمع بأكمله.

كانت تلك حكاية، وهناك حكاية ثانية لأكتوبر: حكاية لا تتعلق بمن عاشوا الحرب وحدهم، بل بمن جاءوا بعدهم.

فثمة جيل شهد الحدث، وجيل سمعه من آبائه، وأجيال تعرفه من الصور والأفلام والمناهج والاحتفالات السنوية. وبين هؤلاء جميعًا تتغير طبيعة الذاكرة: ما كان تجربة شخصية يصبح رواية عائلية، وما كان رواية عائلية يتحول إلى ذاكرة عامة، وما كان ذاكرة عامة قد يتحول ــ إن لم تتجدد طرق روايته ــ إلى معلومات صحيحة لكنها بعيدة عن الوجدان.

وحقٌ علينا أن نمنح التاريخ وجهه الإنساني. فالحرب لا تعيش في ذاكرة المقاتل وحده، بل في ذاكرة من انتظروا الأخبار، ومن حاولوا تقديم العون، ومن تبدلت حياتهم وهم يتابعون ما يجري. فالنصر لم يُصنع في غرف التخطيط المغلقة وحدها، بل صيغ في أزقة المدن، وساحات الجامعات, وقلوب الأمهات، وأنفاس الملتفين حول المذياع. ومن خلال هذه التفاصيل لا نكتفي بمعرفة ما وقع، بل نقترب من الكيفية التي عاش بها الناس وقوعه.

إلا أن الزمن لا يكتفي بإبعادنا عن التجربة؛ إنه يغيّر أيضًا طريقة فهمنا لها. فالصبي الذي كان يصغي إلى حكاية أبيه عن أكتوبر قد يصير أبًا يرويها لأطفاله، ثم يأتي جيل ثالث لا يجد أمامه من الشهود إلا القليل. وحينئذ لا يعود السؤال: لماذا لا يشعر من لم يعش الحرب بما شعر به من عاشوها؟ بل يصبح: كيف ننقل إليهم التجربة ليفهموها، دون أن ندّعي إمكان توريث الشعور ذاته؟

فالذاكرة ليست نسخة تنتقل من عقل إلى عقل، ولا تجربة تُستنسخ بتكرار روايتها. لكل جيل لغته وأسئلته وظروفه، ولكل زمن مسافته التي تفصله عمّا سبقه. ومن الخطأ أن نطلب من أبناء لم يعرفوا هزيمة يونيو أن يستعيدوا آلامها كما عاشها آباؤهم، أو أن نظن أن سماع حكايات الحرب وحده كافٍ ليمنحهم التجربة ذاتها. إن المطلوب أعمق من ذلك: أن نعينهم على فهم الصلة بين الهزيمة والأمل، وبين الاستعداد والفعل، وبين ما يظنه الإنسان مستحيلاً وما يفتحه العمل المنظم والإرادة من احتمالات. وأن نروي لهم البطولة فعلاً إنسانيًا له أصحابه وظروفه وتضحياته، لا صورة معلقة فوق جدار الزمن لا يجوز الاقتراب منها ولو بالسؤال.

ولأن الزمن، بطبيعته، جرّاف للذاكرة، يزيحها عن تفاصيلها الأولى, فإن السؤال عن مستقبل الأحداث الكبرى في الوعي الجمعي للأجيال المعاصرة لا يخص أكتوبر وحده. وفي تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية نشره موقع "المونيتور" في 30 سبتمبر 2023 بمناسبة مرور خمسين عامًا على حرب أكتوبر، رُصد التحدي الذي تواجهه الذاكرة التاريخية في الشرق الأوسط، إذ تتسع المسافة بين الأجيال الجديدة التي نشأت في العصر الرقمي وجذور الحدث، وبالتالي يخفت حضور الحرب في الذاكرة العامة المصرية مع مرور العقود، رغم أثرها العميق في السياسة المصرية والإقليمية. ومهما اختلفت التفسيرات والنوايا، تطرح هذه الملاحظة سؤالاً يستحق أن نتوقف عنده: كيف ننقل التجربة لمن لم يعايشها؟ وكيف نتجاوز سرديات التلقين إلى رحاب الفهم العميق؟

إن الإجابة لا تكمن في تكرار الحكاية نفسها كل عام، ولا في استدعاء المشاهد التي ألفتها الذاكرة حتى كادت تفقد قدرتها على الإدهاش. إنها تبدأ باستعادة الإنسان من وراء الصورة، والتجربة من وراء النتيجة، والأسئلة من وراء الإجابات التي استقرت عليها الرواية التاريخية. تلك هي "أنسنة التاريخ": أن نعيد إلى الحدث وجه الإنسان الذي عاشه؛ أن نروي عن الجندي القابع خلف بندقيته لا باعتباره اسمًا في قائمة الأبطال فحسب، بل إنسانًا كان له عالم كامل قبل المعركة، ومستقبل يتطلع إليه، وأهل ينتظرونه، ومصير لا يملك أن يعرفه سلفًا. نروي عن الأب الذي ترك طفلته رضيعة ولم يدرِ أيعود ليحملها ثانيةً, أم تعود هي لتتعرف إليه من صورة معلقة على جدار البيت. وأن نروي عن المدني الذي انتظر الأخبار، وعن الأسرة التي عاشت القلق، وعن الجيل الذي حمل الحكاية إلى أبنائه، وعن أبناء اليوم الذين يحاولون أن يفهموا كيف صار ذلك اليوم جزءًا من تعريف وطنهم لنفسه.

عندها لا تعود ذكرى أكتوبر امتحانًا لمدى حفظنا للتاريخ وأسماء القادة، بل فرصة لفهمه، ولا تصبح المسافة بين الأجيال عائقًا لا يُتجاوز، بل مسؤولية مشتركة: على من شهدوا أن يرووا بصدق، وعلى من لم يشهدوا أن يصغوا بعقول مفتوحة، وعلى الصحافة والثقافة والتعليم أن يجدوا في كل عام طريقًا جديدًا إلى ترسيخ المعنى.

فأولئك الذين صنعوا أكتوبر لم يكونوا يرتدون عباءة الأساطير وهم يعبرون القناة، بل كانوا بشرًا طامحين، صادقين، مؤمنين برسالتهم، لا يعرفون أنهم سيصبحون ذكرى. كانوا يعيشون يومهم ويؤدون واجبهم ويواجهون مستقبلاً لم تنكشف لهم نهايته. ثم مضت السنوات، وصار يومهم تاريخًا، وصارت وجوههم حكاية يتلقاها أبناء لم يعرفوهم.

وهنا تكمن أمانتنا الثقافية والتاريخية، نحن الذين جئنا بعدهم: ألا نكتفي بأن نطلب من الأجيال أن تتذكر، بل نمنحها ما يجعل التذكر فهمًا، والفهم صلة، والصلة مسؤولية. فالتاريخ لا يبقى حيًا لأننا نردد أسماء أيامه، بل لأننا ننجح في إبقاء الإنسان الذي عاش تلك الأيام حاضرًا في وعينا. فالذاكرة تتجدد كلما اكتشف جيل جديد أن وراء النصر أناسًا عاشوا وخافوا وأملوا، ثم مضوا إلى ما كان عليهم أن يفعلوه، وروّضوا المستحيل بسواعدهم فصنعوا نصرهم.

ولعل أصدق الوفاء لمن صنعوا التاريخ أن نروي حكايتهم، فلا يصبحون غرباء في ذاكرة أبنائهم. لقد عبروا القناة ليعبر معهم الوطن من الهزيمة إلى النصر، وها نحن، بعد أكثر من نصف قرن، مطالبون بأن نعبر إليهم من ضفة النسيان إلى ضفة الذاكرة؛ فأكتوبر، الذي كان مستقبلاً مجهولاً في عيون صانعيه، لا يستحق أن يبقى ماضيًا محفوظًا في عيون وارثيه، حتى لا ينتصر الزمن عليهم بعد أن انتصروا على عدوهم. لقد انتصروا في معركة التاريخ، وبقيت علينا معركة الذاكرة.

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

مَن صنعوا التاريخ… ومَن ورثوه

ثمة مسافة غامضة بين اللحظة التي يعيشها الإنسان بيقينها الهش، واللحظة التي يضعه فيها التاريخ على منصة الخلود. ففي الأولى...

 شي.. من شراكة القاهرة إلى هدنة واشنطن..كيف يُبنى التحالف وكيف يُدار التنافس

غالبًا تكون الصورة أبلغ من البيان، لكنها في السياسة الدولية قد تكون أكثر خداعًا. فالمصافحة التي تبدو دافئة على البساط...

بريكس.. بحث عن بديل أم توسيع لمساحة الحركة

ليست كل التحولات الكبرى في السياسة الدولية وليدة تحالفات جديدة، ولا تبدأ دائمًا بإعلان خصومة مع قوة قائمة؛ فقد يبدأ...

التريند وطوفان البلاغات الرقمية.. يعيدان تشكيل المهام الأمنية

​واقعٌ جديدٌ فرضه تدفق آلاف البلاغات الإلكترونية والفبركة عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بين سرعة التثبت ودقة الفحص الجنائي للوصول إلى...