إرهاصات الشواهد الحضارية في مصر واليونان والصين على نشأة المتاحف

نستعرض اليوم سلسلة تعريفية عن المتاحف نشأتها وتطورها وأهميتها يقدمها لنا العالم المتخصص في علم المتاحف والآثار المصرية القديمة الأستاذ الدكتور محمد جمال راشد أستاذ مشارك في علم المتاحف والآثار المصرية، ورئيس قسم إدارة المتاحف بكلية الآثار – جامعة دمياط.

بقلم د. عبد الرحيم ريحان
رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية
دكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية

 

يناقش الدكتور محمد جمال راشد في ثلاث مؤلفات متخصصة نشأة المتاحف، وتاريخ نشوء وتطور هذه المؤسسة في العالم القديم والحديث، عبر عدة مؤلفات، فلسفة ونشأة المتاحف، الصادر عن دار نشر جامعة قطر (2021)، مدخل إلي علم المتاحف، الصادر أيضا عن دار نشر جامعة قطر (2024)، ثم نشأة المتاحف في العصور الإسلامية، والصادر عن العربي للنشر والتوزيع بالقاهرة (2026).

وسوف نتناول في سلسلة من المقالات محطات متفرقة من نشأة المتاحف، وفلسفتها، وبخاصة في تتبع إرهاصات المتحف والمؤشرات الدالة عليه في العصور الإسلامية باعتبار أن كافة الدراسات السابقة قد أغفلت إسهام الحضارة الإسلامية في هذا الشأن. وفي عملها الثالث يحاول إعادة صياغة نظرية النشأة لتتسع لإسهامات الحضارات والثقافات المختلفة عوضًا عن التقيد بالخط الواحد للنشأة والذي تبنته المدرسة الغربية.

ففي فلسفة تناوله، يناقش المؤلف تاريخ نشأة المتاحف والإرهاصات الأولى لفكرة الاقتناء وحفظ المقتنيات والأشياء الثمينة في العالم القديم، وصولا لميلاد المُتحف في الإسكندرية بالقرن الثالث ق.م. ومنها، يحاول الوقوف على الحلقة المفقودة في تاريخ المتاحف في ألفية الحضارة الإسلامية؛ بإثارة التساؤلات ومناقشة الشواهد التي يمكن من خلالها كشف الستار عن وجود اهتمام عربي إسلامي باقتناء وإنماء المجموعات الخاصة، وهي الصورة التي استمرت في أوروبا بعد ذلك خلال عصر النهضة وصولا لإعلان المساواة في حق الوصول للعامة من قبل مُتحف الكابيتول في روما في القرن الخامس عشر الميلادي. ثم استعراض لأهم محطات المتاحف في العصر الحديث.

وعليه، فإن هذه الرحلة التي عاصرت كل المراحل الحضرية التي عرفها الإنسان يمكن أن نستقرئها بصور مختلفة، ونقف على جنبات محطتها التي أثرت في تشكيل المتاحف وفلسفتها، أو تأثرت فيها بعطاء وفعالية المُتحف وآثره في المجتمع؛ إذ بين هذه الصورة وتلك، مع الأخذ في الاعتبار لمجمل الروايات ومختلف النظريات، فإن هناك فصولا حقيقية لرواية المتحف لا يمكن إغفالها بعد الآن، لا سيما إن تحدثنا عن:

أولا: حضانة المعبد المصري للصورة المبكرة للمُتحف، ودوره في بلورة وتشكيل هذه الصورة بالشكل الذي خرج به متحف الإسكندرية كأول مُتحف بالمفهوم المتكامل وبصورة سبقت العالم بأكثر من ألفي سنة.

ثانيًا، الإغفال غير المبرر في الدراسات الغربية الحديثة عن الإشارة، من قريب أو بعيد، لصورة المُتحف وإرهاصاته وفلسفة بناء المجموعات الخاصة في الحضارة الإسلامية.

وعليه، فإن حديثنا سوف يناور بين صفحاته؛ لإبراز الرحلة الكاملة للمُتحف بإيجاز مع التأكيد على أهم المحطات التي شكلت فلسفة المُتحف وساهمت في بناء مفهومه وتطوره عبر الزمان والمكان.

فعلى الرغم من أن نشأة المتاحف يصعب تعقبها لفترات أقدم من (موسوين) الإسكندرية في بواكير العصر البطلمي. وارتباطًا كذلك بالتبادل الثقافي بين الحضارة المصرية التي كانت في مرحلة الشيخوخة والحضارة اليونانية الرومانية التي كانت في أوج شبابها بعد أن تتلمذ علماؤها في الإسكندرية على يد المصريين.

وكانت مكتبة الإسكندرية القديمة و(موسوين) الإسكندرية منارة للعلم ومقصدًا للعلماء من كل أرجاء العالم القديم للدراسة في شتى العلوم.

والمسمى الذي أطلق على (موسوين) الإسكندرية تأثر بطبيعة الحال بالحضارة اليونانية الناشئة في ذلك الوقت؛ تحديدًا بالمراكز البحثية في أثينا التي سبقت (موسوين) الإسكندرية بأكثر من قرنين، إلا أن دورها ارتبط بالدراسة والبحث العلمي؛ فلم يكن لها دور في اقتناء الفنون كما أصبح الحال في (موسوين) الإسكندرية.

وبخلاف (موسوين) الإسكندرية، تشير الدراسات الحديثة لمنشأة أخرى في بلاد الرافدين، ترجع لثلاثة قرون قبل إنشاء (موسوين) الإسكندرية، وهي منشأة يري فيها بعض الدارسين تجسيدًا واضحًا لفكرة المُتحف.

وسوف نعاود النقاش حول كلا المنشأتين في مصر وبلاد الرافدين بشيء من التفصيل، ولكن الشاهد هنا يتمثل في أن نشأة المتاحف يمكن أن تُرجع تاريخيًّا إلى بداية القرن السادس قبل الميلاد، في بلاد الرافدين؛ حيث تُدلل على ذلك الاكتشافات الأثرية في مدينة بابل.

فهل كانت أقدم صورة للمتحف هي تلك التي تبلورت في (موسوين) الإسكندرية ارتباطًا بالحضارة المصرية؟ أم سبقتها في ذلك الحضارة البابلية في القرن السادس ق. م. ولكن السؤال الأهم هنا: ما هي الإرهاصات والخطوات الثقافية والحضارية التي وصلت بالمجتمع القديم للوصول لهذه الفكرة؟ فبالتأكيد أن الفكرة لم تكن وليدة اللحظة، شأنها في ذلك شأن المقدمات التي أدت لظهور المتحف بصورته المتعارف عليها في العالم الحديث.

وعامةً، هناك توافق على أن نشأة الإرهاصات الأولى للمُتحف، من خلال فكرة "الاقتناء، والعناية والعرض"، التي يمكن تتبع شواهدها في الحضارات القديمة في كل من مصر، العراق، اليونان، والصين. وهي وظائف تعورف عليها لاحقًا بأنها الوظائف الرئيسة للمُتحف. بداية هناك مؤسسات مختلفة تشاركت في النشأة وتشابهت في الوظائف الأساسية المنوطة بها.

وفي المقالة التالية نستكمل الحديث ونتناول كيف بدأ تاريخ المتاحف.

نشأة المتاحف
نشأة المتاحف
نشأة المتاحف
نشأة المتاحف
عبد الرحيم ريحان
حملة الدفاع عن الحضارة

 

 

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

تاريخ المتاحف
ندوة اكتوبر
فرعون ام قدماء المصريين
الرقص في مصر القديمة
يوم السياحة
ملكات مصر القديمة
القاهرة الخديوية
السنة المصرية القديمة

المزيد من مقالات

إرهاصات الشواهد الحضارية في مصر واليونان والصين على نشأة المتاحف

نستعرض اليوم سلسلة تعريفية عن المتاحف نشأتها وتطورها وأهميتها يقدمها لنا العالم المتخصص في علم المتاحف والآثار المصرية القديمة الأستاذ...

ثورة الوكيل Agent

تخيل أنك تكتب لهاتفك قبل النوم جملة واحدة تقول جهّز لي رحلة نهاية الأسبوع إلى الإسكندرية بميزانية معقولة. تضع الهاتف...

"عقدة الخواجة" .. هي أزمة بعض مستخدمي اللغة العربية !

في تقديري إن اللغة العربية ليست في أزمة، ولن تكون كذلك ما دامت قادرة على التعبير عن وجدان أهلها، واستيعاب...

القانون وحماية المساحات الخضراء: حق دستوري ومسار تنموي

تبدو الشجرة في ظاهرها عنصرًا جماليًا داخل المدينة، لكنها في حقيقتها مرفق بيئي واجتماعي وصحي. فالمدينة التي تمنح سكانها ظلًا...