ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى أثرٍ باهتٍ في الذاكرة، وثمّة آخرون، ما إن يغادروا حتى يشعر العالم بأن شيئًا من روحه قد ارتحل معهم. ومن بين هؤلاء جميعًا، يظلُ المونديال ذلك الضيف الاستثنائي، الذي لا يطرق أبواب البشرية إلا ليختصر المسافات ويطوي القارات؛ فيأتي محمّلاً بالأحلام، ويغادر مثقلاً بالحكايات. وعلى امتداد الأسابيع التي تجاوزت الشهر، لم تكن الأرض تدور على إيقاع ساعاتها المعتادة، بل على وقع صافرةٍ تشق السكون، وصرخة معلّقٍ تذوب في المدى، ودمعة لاعبٍ تحكي انكسار الطموح، وابتسامة طفلٍ تضيء المدرجات، وهتاف جماهير احتشدت، على اختلاف لغاتها وأوطانها، حول لغةٍ واحدة لا تحتاج إلى ترجمة .. هي لغة الشغف.
في هذه النسخة، لم تكن المباريات وحدها هي التي تتوالى، بل كانت الدهشة تتجدد مع كل جولة. ففي كل ملعبٍ وُلدت حكاية، وعلى كل عشبٍ كُتب سطرٌ جديد في تاريخ اللعبة، حتى بدا العالم وكأنه يعيش روايةً لا يعرف أحدٌ كيف ستكون نهايتها؛ فالمونديال، على الدوام، يكتب فصوله خارج خرائط التوقع، ويحتفظ بسرّه الذي يعجز أكثر المحللين يقينًا عن فك شفرته, مهما ادعى أنه يملك من اليقين, فهي كالريح، تُحسّ ولا تُرى، وكالنجم، يُرى ولا يُمس.
مائةٌ وأربع مبارياتٍ مرّت كأنها ومضة برق، لكنها كانت كافيةً لتمنح الملايين أعمارًا كاملة من الفرح والحزن، والرجاء والخيبة، والانبهارو القلق. خرجت منها أممٌ بوعودٍ جديدة، وودّعت أخرى أحلامًا ظنت أنها خالدة، بينما ظلت كرة القدم تدوّن بلغتها الصامتة ما تعجز الكلمات عن استيعابه.
ثم جاءت اللحظة، انطفأت الأضواء، وطُويت صفحات البطولة، رجع النهارُ إلى نهاره، وآب الليل إلى ليله, وعادت الملاعب إلى سكونها، واستردت المدن إيقاعها المعتاد، لكن شيئًا ظل معلقًا في الأفق؛ ذلك الشعور الدافئ الذي يزورنا كل أربعة أعوام، حين يحل ضيفٌ لا نملّ لقاءه ولا نخفي شوقنا إليه. نودّعه على أمل، وننتظر عودته بصبر العاشقين. وهكذا، لم يرحل المونديال بعد أن منح ربيبه كأسه الذهبية فحسب، بل ترك وراءه ذاكرةً تعج بالمفارقات والحكايات الإنسانية، مؤكّدًا من جديد أن كأس العالم ليست مجرد بطولةٍ لكرة القدم، بل السردية الأجمل التي يكتبها العالم بمداد الشغف على صفحات الدهشة.
كأنّ المونديال، منذ لحظة ميلاده الأولى، يرفض أن يكون مجرد بطولةٍ تُقام كل أربعة أعوام؛ ففي كل نسخة يعيد تعريف نفسه، ويمنح كرة القدم ملامح جديدة. أما في نسختنا هذه، فلم يكتفِ بأن يبدّل خريطة المنافسة، بل بدا وكأنه أعاد تشكيل الزمن نفسه.
لم يكن مجرد محطةٍ جديدة في سجل البطولة، بل إعلانًا عن ميلاد عصرٍ مختلف. اتسعت رقعة المنافسة، وارتفع عدد المنتخبات إلى ثمانيةٍ وأربعين، وتوزعت الملاعب بين ثلاث دول، حتى بدا العالم كله وكأنه يضبط دقات ساعته على إيقاع كرة القدم، وكأن الزمن نفسه ارتدى قميص المونديال.
ولم يعد الحلم حكرًا على القوى التقليدية، بل انفتحت أبواب البطولة أمام منتخباتٍ جاءت تحمل طموحات شعوبها أكثر مما تحمل إرثها الكروي، ففرضت أسماءها على المشهد، وأكدت أن كرة القدم تظل اللعبة الوحيدة التي تمنح الجميع حق الحلم، قبل أن تمنح أحدهم شرف التتويج.
ومنذ صافرة البداية، تمردت البطولة على خرائط الترشيحات وتوقعات خبراء التحليل؛ فصار المستبعد واقعًا، وتحول المستحيل إلى مشهدٍ يتكرر أمام الملايين. ولم يعد المونديال يُقرأ بمنطق الأرقام وحده، بل بقلبٍ يوقن أن المستطيل الأخضر ما زال يحتفظ بمساحةٍ لا يعترف فيها إلا بالمفاجأة.
ولهذا، لم تكن هذه النسخة أكبر بطولات كأس العالم عددًا فحسب، بل واحدةً من أكثرها قدرةً على إعادة تعريف اللعبة. فبين دموع الخاسرين، وأحلام الوافدين الجدد، وحكايات المنتخبات التي خرجت من الهامش إلى قلب المشهد، بدا المونديال وكأنه يعلن أن اتساعه لم يزد عدد المشاركين فقط، بل وسّع حدود الدهشة أيضًا.
غير أن المونديال، بعدما وسّع أبوابه للجميع، أراد أن يختبر أقدم قوانينه؛ أن كرة القدم لا تعترف بالأسماء، بل بما يحدث بين صافرة البداية والنهاية. وهكذا، لم تمضِ أيام قليلة حتى بدأت خرائط الترشيحات تتهاوى، واكتشف العالم أن اتساع البطولة لم يضعفها، بل منحها مساحةً أرحب للمفاجآت.
قبل انطلاق المنافسات، خشي كثيرون أن يفقد رفع عدد المنتخبات إلى ثمانية وأربعين منتخبًا شيئًا من هيبة كأس العالم، وأن تتحول المباريات الإضافية إلى عبءٍ على البطولة. لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ فالمنتخبات التي ظنها البعض مجرد أرقامٍ في جدول المنافسات، تحولت إلى أبرز عناوينه، بينما حمل الكبار تاريخهم، جاء الصغار يحملون أحلامهم.
وكانت الرأس الأخضر إحدى أجمل حكايات البطولة. الدولة الإفريقية الصغيرة، التي تخوض أول ظهور لها في كأس العالم، تجاوزت حدود التوقعات ببلوغها الأدوار الإقصائية، بعد أداءٍ فرض احترام الجميع. ولم يكن بطل الحكاية هدافًا، بل الحارس المخضرم "فوزينيا"، الذي حوّل كل تصدٍ إلى رسالة، حتى أصبح رمزًا وطنيًا، وتوقفت الجماهير حول العالم لتتعرف إلى منتخبٍ لم يكن كثيرون يعرفون عنه سوى اسمه.
وفي الجانب الآخر، كتبت "كوراساو" أول أهدافها في تاريخ كأس العالم، واحتفلت كندا ببلوغ الأدوار الإقصائية للمرة الأولى، لتؤكد البطولة أن اتساعها لم يمنح مقاعد إضافية فحسب، بل منح أممًا كاملة فرصةً لكتابة تاريخها.
ولم تكن المفاجآت حكرًا على المستطيل الأخضر. ففي المدرجات، واصلت الجماهير اليابانية تقليدها الحضاري بتنظيف المدرجات بعد المباريات، بينما خطفت الجماهير النرويجية الأنظار بأهازيجها وحركة التجديف الجماعي التي أصبحت إحدى الصور الباقية في ذاكرة البطولة. أما المكسيكي "راؤول خيمينيز"، فقد كتب قصته الخاصة حين عاد إلى التسجيل في كأس العالم بعد إصابته الخطيرة، التي كادت تُنهي مسيرته الكروية, لتصبح دموعه احتفالاً بالانتصار على اليأس، قبل أن تكون احتفالاً بهدف.
وهكذا، خرج مونديال 2026 بأولى رسائله الكبرى؛ فكلما اتسعت خريطته، ضاقت مساحة التوقع، وكلما ازداد عدد المشاركين، ازداد عدد الذين أثبتوا أن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يملك شجاعة الحلم.
دموعُ الوداع .. وابتسامةُ الغد
وكأن المونديال، بعدما منح المنتخبات الصغيرة حق الحلم، قرر أن يمنح كرة القدم ليلةً أخرى لا تقل جمالاً؛ ليلةً ودّعت فيها أساطير صنعت تاريخ اللعبة، بينما كانت وجوهٌ شابة تتقدم بهدوء لتكتب الفصل التالي. فلم يكن المونديال بطولةً لتحديد بطل العالم فحسب، بل بدا، في كثيرٍ من لحظاته، حفل وداعٍ لجيلٍ أعاد رسم ملامح كرة القدم طوال العقدين الماضيين.
في المشهد الأخير، وبينما كانت إسبانيا تستعد لرفع الكأس، كانت عدسات العالم تلاحق وجه ليونيل ميسي. لم تكن دموعه دموع خسارة مباراةٍ نهائية فحسب، بل دموع رحلةٍ امتدت أكثر من عشرين عامًا، بدأت بموهبةٍ استثنائية، وانتهت بأسطورةٍ تجاوز أثرها حدود الأرقام والألقاب. ولم يكن هتاف الجماهير الأرجنتينية الطويل لقائدها سوى اعترافٍ بأن بعض اللاعبين لا يحتاجون إلى كأسٍ جديدة ليضمنوا مكانهم في ذاكرة التاريخ.
وكانت تلك الدموع امتدادًا لأخرى ظهرت عقب مواجهة مصر في دور الستة عشر، فقد سبق أن اغرورقت عيناه عقب المواجهة الشاقة أمام منتخب الفراعنة، بعدما نجا المنتخب الأرجنتيني من واحدةٍ من أكثر مباريات البطولة إثارةً للجدل، وإحراجًا وإرباكًا لبطل العالم. في مباراةٍ بقيت حديث الجماهير بسبب ما أحاط بها من جدلٍ تحكيمي، وهي الحكاية التي ستظل واحدةً من أبرز محطات هذا المونديال.
وفي المقابل، كتب كريستيانو رونالدو فصلاً جديدًا في مسيرته، بعدما أصبح أول لاعب يسجل في ست نسخ مختلفة من كأس العالم، مؤكدًا أن بعض الأساطير تعرف كيف تترك بصمتها حتى في لحظات الوداع. ولم يكن ميسي ورونالدو وحدهما من يلوحان للمونديال للمرة الأخيرة؛ فقد بدا لوكا مودريتش، ونيمار، ومانويل نوير، وكأنهم يطوون الصفحة الأخيرة من مسيرتهم على أكبر مسارح كرة القدم، بينما كان الزمن يعلن، بهدوء، أن لكل جيل موعدًا مع التصفيق الأخير للرقصة الأخيرة.
لكن اللعبة التي تعرف كيف تودع أبطالها، تعرف أيضًا كيف تستقبل من يحمل الراية بعدهم. فقد فرض لامين يامال نفسه أحد أبرز نجوم البطولة، ولفت المغربي أيوب بوعدي الأنظار بوصفه أحد أهم اكتشافاتها، بينما أعلن المصري حمزة عبد الكريم عن ميلاد موهبةٍ واعدة، لتؤكد البطولة أن شجرة كرة القدم لا تتوقف عن الإثمار.
وجاء المشهد الأكثر شاعرية بعد صافرة النهائي، حين اتجه لامين يامال لمواساة ليونيل ميسي، في صورةٍ أعادت إلى الأذهان تلك اللقطة القديمة التي حمل فيها ميسي الطفل يامال رضيعًا في جلسةٍ خيرية، قبل أن تجمعهما الأقدار، بعد كل تلك السنوات، خصمين في نهائي كأس العالم. وكأن الزمن، في لحظةٍ واحدة، كان يسلّم الراية من يدٍ صنعت المجد، إلى أخرى تحمل غدها.
وهكذا، لم يكن مونديال 2026 مجرد بطولةٍ تُوِّج فيها منتخب، بل كان أيضًا الجسر الذي عبرت عليه كرة القدم من جيلٍ كتب التاريخ، إلى جيلٍ يستعد لكتابته.
الحُلم يرتدي قميصًا مصريًا
ومن بين الحكايات الكثيرة و المثيرة التي أنجبها هذا المونديال، كانت الحكاية المصرية واحدةً من أكثرها إلهامًا. لم تدخل مصر البطولة مرشحةً لحمل الكأس، لكنها دخلتها بعزيمةٍ جعلت العالم يعيد النظر في كثيرٍ من أحكامه، حتى بدا وكأن الفراعنة جاءوا ليؤكدوا أن التاريخ لا يُكتب دائمًا بأقدام المرشحين، بل بإرادة من يرفضون الاعتراف بالمنطق.
بدأ المشوار بتعادلٍ ثمين ومستحق أمام بلجيكا، أعقبه انتصارٌ مبهر على نيوزيلندا، ثم تعادلٌ أكد نضج المشروع أمام إيران، ليعلن المنتخب المصري أنه لم يعبر القارات ليكون ضيفًا على المونديال، بل منافسًا يبحث عن مكانه بين الكبار.
ومع انطلاق الأدوار الإقصائية، تجاوز الفراعنة أستراليا بركلات الترجيح بعد مواجهةٍ استنزفت الأعصاب، تألق فيها مصطفى شوبير، بينما رسّخ إمام عاشور حضوره بهدفٍ جسّد شخصية منتخبٍ لم يعرف الاستسلام. ومنذ تلك الليلة، لم يعد الحديث عن نتيجة مباراة، بل عن منتخبٍ أعاد إلى جماهيره الإيمان بأن الحلم مشروعٌ مهما بدا بعيدًا.
ثم جاءت مواجهة الأرجنتين، لتصبح واحدةً من أكثر مباريات البطولة إثارةً للجدل. فقد قدّم المنتخب المصري أداءً استثنائيًا أمام بطل العالم، واقترب من كتابة واحدةٍ من أكبر مفاجآت المونديال، قبل أن تفرض القرارات التحكيمية نفسها على المشهد، وتفتح بابًا واسعًا من النقاش داخل مصر وخارجها. وبينما ودّع الفراعنة البطولة، بقيت تلك المباراة حاضرةً في ذاكرة الجماهير، لا بوصفها نهاية المشوار، بل بوصفها اللحظة التي أثبت فيها المنتخب أنه لم يكن ندًا لأحد أعظم منتخبات العالم فحسب, بل كان فاعلاً في إرباكه وإحراجه وكاد أن يُقصيه.
ولم تقتصر حكاية مصر على ما جرى داخل المستطيل الأخضر. فقد تحولت صورة المدير الفني حسام حسن وهو يرفع العلم الفلسطيني إلى واحدةٍ من أكثر صور البطولة تداولا، لتؤكد أن كأس العالم لا يحفظ الأهداف وحدها، بل يحتفظ أيضًا بالمواقف الإنسانية التي تعكس قيم أصحابها.
وحين عادت البعثة إلى أرض الوطن، لم يكن الاستقبال الشعبي والتكريم الرسمي احتفاءً بمنتخبٍ خرج من المنافسة، بل بفريقٍ أعاد إلى المصريين ثقتهم بقدرتهم على الحلم. فلم يحمل الفراعنة الكأس، لكنهم حملوا معهم احترام العالم، وتركوا خلفهم سؤالاً ظل يتردد حتى بعد إسدال الستار على البطولة: ماذا لو ابتسمت العدالة الكروية لهم في تلك الليلة..؟
ولأن المونديال لا يصنع أبطاله وحدهم، بل يصنع أيضًا أكثر أسئلته إثارة، فقد كانت الصافرة في هذه النسخة منافسًا حقيقيًا للكرة. فقد قيل قديمًا إن الحكم الجيد هو الذي يغادر الملعب دون أن يشعر به أحد، لكن مونديال 2026 قلب هذه القاعدة رأسًا على عقب؛ ففي ليالٍ كثيرة، لم تكن الجماهير تغادر وهي تتحدث عن أجمل هدف أو أروع مراوغة، بقدر ما كانت تتجادل حول قرارٍ تحكيمي، أو لقطةٍ أعادتها شاشات الفيديو مراتٍ قبل أن تحسمها، بينما ظل الجدل مفتوحًا بعدها.
دخلت البطولة بأحدث منظومات التحكيم في تاريخ اللعبة؛ كراتٌ ذكية، وتقنياتٌ متطورة لرصد التسلل، وتوسيعٌ لدور حكم الفيديو، في محاولةٍ للحد من الخطأ البشري. لكن المفارقة أن التكنولوجيا، التي جاءت لتقليل الجدل، وجدت نفسها في قلبه, بل ومثيرة له.
وكانت مباراة مصر والأرجنتين المثال الأبرز. فبعد القرارات التي أثارت اعتراض الجانب المصري، خرج النقاش من حدود الملعب إلى عناوين الصحف ومنصات التواصل، وانقسمت الآراء بين من رأى أن القانون طُبق كما يجب، ومن اعتبر أن العدالة لم تواكب روح المباراة، لتتحول المواجهة إلى إحدى أكثر مباريات البطولة إثارةً للنقاش.
ولم يكن ذلك المشهد استثناءً؛ فقد شهدت البطولة قراراتٍ وتطبيقاتٍ تحكيمية غير مسبوقة، أعادت طرح السؤال القديم بصيغةٍ جديدة: هل تستطيع التكنولوجيا أن تحقق العدالة الكاملة في لعبةٍ صنع جزءًا من سحرها الجدل نفسه..؟
ولعل هذه كانت إحدى مفارقات المونديال الأكثر عمقًا؛ فكلما ازدادت اللعبة اعتمادًا على الآلة، ازداد احتياجها إلى حكمة الإنسان. وبين شاشةٍ تعرض اللقطة من كل زاوية، وقلوبٍ تقرؤها كلٌ بطريقتها، بقيت كرة القدم وفيةً لطبيعتها .. تمنح الجميع حق المشاهدة، لكنها لا تمنحهم حق الاتفاق.
ولم يكن الجدل التحكيمي سوى وجهٍ واحد من وجوه بطولةٍ قررت، منذ يومها الأول، أن تخرج عن كل ما اعتاده العالم في البطولة. فمن نسخةٍ خشي كثيرون أن تفقد بريقها بسبب اتساعها إلى ثمانيةٍ وأربعين منتخبًا، خرج المونديال أكثر ثراءً بالمفاجآت، وأوسع مساحةً للحلم. سقطت الدول الثلاث المضيفة قبل ربع النهائي، وتقدمت منتخباتٌ لم تكن ضمن حسابات الترشيحات، بينما تنقل اللاعبون بين مدنٍ ومناخاتٍ متباينة، من حرارة المكسيك إلى برودة كندا، في اختبارٍ لمهاراتهم وقدرتهم على التكيف مع الجغرافيا قبل المنافسين.
وعلى أرض الملعب، لم تتوقف القواعد عند حدود التكنولوجيا. فقد فرضت البطولة مشاهد غير مألوفة؛ أهدافًا ألغتها المليمترات، واستراحاتٍ إلزامية بسبب موجات الحر، وعقوباتٍ أثارت جدلاً واسعًا، أبرزها طرد أحد اللاعبين بسبب تغطية فمه أثناء الحديث، في تطبيقٍ صارم لقاعدةٍ جديدة قسمت آراء المتابعين بين مؤيدٍ يراها حمايةً للنزاهة، ومعارضٍ رأى فيها مبالغةً في تقييد انفعالات اللعبة.
إلى جانب إقامة عرضٍ فني بين شوطي المباراة النهائية، في سابقةٍ فتحت بابًا جديدًا للنقاش حول حدود الترفيه في أكبر بطولة كروية في العالم. فشكّل ذلك سابقةً غير مألوفة، ورآهما البعض خطوةً إنسانية فرضتها الظروف، بينما اعتبرهما آخرون انتصارًا جديدًا لمنطق التسويق على إيقاع اللعبة.
وخارج المستطيل الأخضر، امتد الجدل إلى ما هو أبعد من الكرة. فظهرت اتهاماتٌ في بعض الأوساط الإعلامية والجماهيرية بتأثير اعتباراتٍ تسويقية على مسار البطولة، وتصاعدت الخلافات إلى حد مقاطعة رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم " تشيفرين" للمباراة النهائية، بينما أثار تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قضية إيقاف أحد لاعبي المنتخب الأمريكي نقاشًا متجددًا حول العلاقة المعقدة بين السياسة والرياضة: أين تنتهي حدود السياسة، وأين تبدأ استقلالية الرياضة..؟
وهذه مباراة تحديد المركزين الثالث والرابع ــ بين إنجلترا وفرنسا ــ التي تحولت إلى واحدةٍ من أكثر مباريات البطولة غرابةً بما شهدته من روعة وغزارة تهديفية، فيما امتدت أصداء الجدل إلى خارج الملاعب، مع تصاعد اتهاماتٍ في بعض الأوساط الإعلامية والجماهيرية بأن مسار البطولة قد هيأ الطريق أمام الأرجنتين، وظهور تساؤلاتٍ حول تأثير الاعتبارات التسويقية والدعائية في بطولةٍ اجتذبت أكبر الشركات العالمية، إلى جانب مطالباتٍ من بعض الأصوات في أوروبا بالتحقيق مع القائمين على إدارة البطولة.
وخلف صخب الجماهير، وضجيج العناوين، ولغة العاطفة، كانت الأرقام تُدلي بشهادتها الصامتة على حقيقة هذا المونديال؛ فبينما عانقت الكرة الشباك أكثر من (170) مرة بأقدام ورؤوس المهاجمين، أشهر الحكام مئات بالطاقات الصفراء في وجه لاعبين دفعتهم الضغوط إلى حافة الاندفاع، وشهد أكثر من عشرة لاعبين بطاقاتٍ حمراء أنهت مشاركتهم قبل صافرة النهاية. كانت الأهداف تصنع المجد، وكانت البطاقات تذكّر الجميع بأن الطريق إلى الكأس لا يمر بالموهبة وحدها، بل بالانضباط أيضًا، وأن بطولةً بهذا الحجم لم تكن تختبر مهارة الأقدام فحسب، بل صلابة الأعصاب وقدرة أصحابها على البقاء حتى اللحظة الأخيرة.
إلا أن المونديال، بعد أسابيع من المفاجآت والجدل وميلاد الأحلام ووداع الأساطير، أراد أن يختتم حكايته بالإجابة عن السؤال الذي ظل يرافق البطولة منذ صافرتها الأولى: هل تنتصر كرة القدم في النهاية لمن يستحق..؟
جاء النهائي أكثر من مجرد مباراة على الكأس؛ كان خلاصة الرحلة كلها. منتخبٌ أرجنتيني يحاول الاحتفاظ بالمجد، وآخر إسباني يعود بثقة جيلٍ جديد لاستعادة العرش الذي غاب عنه منذ عام 2010, في جنوب إفريقيا.
وعلى امتداد مائةٍ وست دقائق، احتفظت إسبانيا بهدوئها، وفرضت شخصيتها على المباراة، بل وتلاعبت بمنافسها حتى جاءت لحظة الحسم، حين أرسل فيران توريس الكرة إلى الشباك، لتعود إسبانيا إلى منصة التتويج بطلةً للعالم للمرة الثانية في تاريخها بعد بطولةٍ جمعت فيها بين جودة الأداء، والانضباط، وثبات الشخصية, بأقدام شبابها.
وفي الجهة الأخرى، وقف ليونيل ميسي للمرة الأخيرة على مسرح النهائيات، يتسلم ميدالية الوصيف ودموعه تسبق خطواته. لم تكن دموع خسارة مباراةٍ فحسب، بل وداعًا هادئًا لمسيرةٍ صنعت جزءًا من تاريخ كرة القدم، ورسالةً أخرى تؤكد أن قيمة الأساطير لا تقاس دائمًا بعدد الكؤوس. هي رحلة بدأت بفتىً نحيل يحمل أحلامًا أكبر من عمره، وانتهت بأسطورةٍ حملت كأس العالم يومًا ما، ثم لم تجد من تسلّم له الراية.
لكن أجمل مفارقات النهائي لم تكن في هوية الفائز أو الخاسر، بل في الرسالة التي خرج بها. ففي بطولةٍ شهدت مفاجآتٍ مدوية، وجدلاً تحكيميًا واسعًا، واتهامات بتوجيه البطولة لمنتخبٍ بعينه, وولادة نجومٍ جدد، ووداع أساطير، انتهى المشهد بتتويج المنتخب الذي كان الأكثر ثباتًا والأقدر على ترجمة موهبته إلى نتائج. وكأن كرة القدم، بعد كل ما أثارته من أسئلة، قررت أن تمنح الإجابة بنفسها.
ولذلك، لم تكن إسبانيا وحدها هي التي اعتلت منصة التتويج في تلك الليلة؛ لقد تُوِّجت كرة القدم أيضًا. تُوِّجت لأنها أثبتت، رغم ما يحيط بها أحيانًا من جدلٍ وأخطاءٍ وصخب، أنها ما تزال قادرةً على إنصاف من يستحق، وأنها قد تتذكر عدالتها في بعض الأوقات, وأن الطريق إلى الكأس قد يزدحم بالعقبات، لكنه، في النهاية، يفتح ذراعيه للفريق الذي أحسن الإعداد، وأجاد القتال، وظل وفيًّا لهويته حتى صافرة النهاية.
وهكذا أسدل النهائي الستار على بطولةٍ لم تكن الأكبر في تاريخ كأس العالم عددًا فحسب، بل كانت من أكثر نسخه ثراءً بالحكايات والمفارقات. بطولةٌ علمتنا أن الأحلام لا تُقاس بعدد السكان، وأن الدموع قد تكون عنوانًا للنصر كما تكون عنوانًا للهزيمة، وأن صورةً واحدة قد تعيش أطول من هدف، وأن كرة القدم، مهما تبدلت وجوه أبطالها، تظل قادرةً على أن تفاجئ العالم .. وأن تكون، في النهاية، عادلة أكثر مما نظن.
وهكذا .. أُطفئت أنوار الملاعب، وطُويت الأعلام، وعادت الجماهير إلى أوطانها تحمل في حقائبها قمصانًا وصورًا وتذاكر، وتحمل في قلوبها ما هو أثمن من كل ذلك؛ حكاياتٌ ستُروى طويلاً، ودموعٌ لن تجف سريعًا، وضحكاتٌ ستظل تتردد كلما عادت الذاكرة إلى صيفٍ اجتمع فيه العالم حول كرةٍ صغيرة، فاكتشف مرةً أخرى أنها أكبر من مجرد لعبة.
لقد رحل ضيفنا العزيز كما يفعل كل أربعة أعوام، تاركًا خلفه ذلك الفراغ الجميل الذي لا يعرفه إلا عشاق كرة القدم؛ فراغًا لا تملؤه بطولةٌ أخرى، ولا تعوضه مباراةٌ مهما بلغت أهميتها. ففي المونديال، لا نتابع مبارياتٍ فحسب، بل نعيش أيامًا تتوقف فيها خلافات السياسة أمام نشيدٍ وطني، وتذوب فيها الفوارق بين اللغات تحت هتافٍ واحد، وتصبح الكرة لغةً يعيها و يتقنها الجميع .
وستظل هذه النسخة حاضرةً في الذاكرة؛ لأنها لم تكن الأكبر عددًا فحسب، بل كانت أكثرها امتلاءً بالمفارقات والدهشة. فيه وُلدت أحلامٌ جديدة، وودعت أساطير مسرحها الأخير، وارتفعت راياتٌ صغيرة حتى لامست السماء، وسقطت توقعاتٌ ظن أصحابها أنها حقائق لا تقبل النقاش. وفيها أيضًا أدرك العالم أن التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تلغي الجدل، وأن السياسة، مهما اقتربت من الملاعب، لا تستطيع أن تنتزع من كرة القدم سحرها، وأن العدالة قد تتأخر أحيانًا، لكنها تعرف طريقها إلى منصة التتويج.
ولذلك، لم يكن الذين غادروا البطولة جميعًا خاسرين، كما لم يكن الفائزون جميعًا هم من حملوا الكأس. فهناك منتخباتٌ ربحت احترام العالم، ولاعبون انتصروا على إصاباتهم قبل أن ينتصروا على منافسيهم، وجماهير كتبت بأخلاقها أجمل من كثيرٍ من الأهداف، وصورٌ ستبقى في الذاكرة أطول عمرًا من نتائج المباريات.
أما الكأس، فقد وجدت في النهاية طريقها لمن يستحقها... وأما كرة القدم، فقد خرجت هي الأخرى منتصرة. خرجت أكثر ثراءً بالحكايات، وأكثر قدرةً على إدهاش العالم، وأكثر وفاءً لوعدها القديم؛ أنها، مهما تغيرت قوانينها، وتبدلت أجيالها، وتعددت ملاعبها، ستظل اللعبة الوحيدة القادرة على أن تجعل مليارات البشر ينبضون بقلبٍ واحد.
ها هو الضيف يغادر في هدوء، تاركًا مقعده خاليًا، وساعته متوقفةً لحين مرور أربعة أعوامٍ من الانتظار، قبل أن يعود من جديد، حاملاً معه أحلامًا أخرى، وأبطالاً آخرين، وحكاياتٍ لم تُكتب بعد.
أما مونديال 2030 ليس مجرد بطولةٍ، بل هو رحلةٌ استثنائيةٌ تعبر المحيطات والقارات؛ إسبانيا والبرتغال والمغرب تحتضن الجسد، بينما الأوروجواي والأرجنتين وباراجواي تحتضن الروح، في احتفالٍ بمئوية الحلم الأوّل، حيث بدأت الأسطورة عام 1930، لتعود إليها بعد قرنٍ، وكأنّ الكرة تدور دورةً تليق بتاريخ العشق .. قبل أن تحتضن السعودية نسخة 2034.
وحتى يحين ذلك الموعد، سيبقى المونديال ذكرى لا تُنسى، ووعدًا مؤجلاً، وحنينًا يتجدد كلما دارت كرةٌ على عشبٍ أخضر، وذكرى لا تغيب, وهمسة في عشق كرة القدم.
فـ إلى اللقاء .. أيها الضيف العزيز.. و الزائر الجميل
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد معركة الدول تقتصر على الاقتصاد أو التسليح، بل امتدت لتشمل معركة...
ليست كل الرحلات تُقاس بمسافات الأميال، ولا تُوزن بما تحمله الطائرات من أمتعة؛ فثمّة رحلاتٌ لا يكتب التاريخ فاتحتها إلا...
في مشهد حمل دلالات استراتيجية لافتة، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة "الأوكتاجون" بالعاصمة الإدارية...