حارس على حافة الزمن..و حكايات الأبناء بعد منتصف الليل

بقلم :محمود علام

في بعض الأزمنة، تصير البلاد كائناتٍ حيّة؛ لها قلبٌ يضطرب في الخفاء وإن لم يسمع أحدٌ خفقانه، وأعصابٌ ترتجف تحت جلد المدن رغم ما يبدو عليها من صخبٍ معتاد. عيون هذه البلاد تظلّ مفتوحةً حتى الفجر، تراقب أبناءَها وهم يعبرون عتمة الطرقات بحثًا عن ضوءٍ لا يعرف أحدٌ أين يسكن.

 

 

لقد عرفت هذه البلاد من التعب ما يكفي لتشيخ ألف مرة، غير أنها كانت تؤجل شيخوختها دائمًا، كما تفعل الأمهات اللواتي يُخبئِن أوجاعهن حتى يغفو الصغار. فكلما ظن المراقبون أن ظهرها قد انحنى تحت وطأة السنين، اكتشفوا أنها لم تكن تنحني إلا لتلتقط أبناءها من الأرض، وكلما خُيّل لخصومها أن النهر قد استنفد جريانه، كانت مياهه تعثر على مجارٍ جديدة نحو البحر. فللأوطان العتيقة قوانينها الخاصة؛ قوانين لا تُقرأ في كتب السياسة، ولا تخضع لمنطق الخرائط، ولا تلين لحسابات اللحظات العابرة، فالأزمنة قد تُرهقها، لكنها لا تنجح في كسرها.

كذلك هي المدن الكبرى؛ أكثر دهاءً في إخفاء ارتجافها عن أعين أبنائها. تضع الضجيج فوق الجراح كما تُوضع الضمادات فوق الندوب، وتترك للأبواق المتشابكة، والزحام المتدافع، والخطوات اللاهثة، مهمة إقناع الناس بأن العالم ما يزال يدور على إيقاعه القديم، وأن الحياة، رغم كل ما يعتمل تحت سطحها، لم تخرج بعد عن مسارها المألوف.

غير أن القلق كان، في بعض الأيام، يسبق المارة إلى الشوارع، والأسئلة تتكاثر في البيوت والمقاهي ووجوه العابرين أكثر مما تتكاثر الإجابات، حتى بدت البلاد بأسرها واقفةً فوق جسرٍ ضيقٍ بين زمنين؛ أحدهما يشدها إلى الخلف بثقل القرون وأعباء الماضي، والآخر يلوّح لها من بعيد دون أن يكشف ملامحه, زمن يرفض أن يغادر، وآخر لم يصل بعد، وبينهما كانت الأرواح تتأرجح كما تتهادى المصابيح في مهب الريح.

وكما يهبط الليل على الأرض ببطء، تهبط الأعمار الطويلة على وجوه الحكماء. ففي قلب ذلك الصخب كله، كان ثمة شاهدٌ عجوز يراقب المشهد بصمتٍ لا يشبه صمت البشر؛ صمت طويل بما يكفي ليسمع وقع الأعوام وهي تعبر، ويرى الزمن لا بوصفه ساعاتٍ وأيامًا تتعاقب، بل وجوهًا تتبدل، وأحلامًا صغيرة تولد ثم تكبر قبل أن تشيخ، لتفسح الطريق لأخرى تأتي من بعدها. كان يرى الأطفال الذين مروا أمامه ذات صباح بحقائبهم المدرسية يعودون بعد أعوام يحملون أبناءهم، ويرى العائدين من أسفارٍ طويلة وقد تركت المسافات على وجوههم ما لا تتركه السنوات، والباعة الذين يعرفون وجوه المارة أكثر مما يعرفون أسماءهم، والعشاق الذين يختبئون داخل الزحام كأن الضجيج وحده قادر على حراسة أسرارهم, كان يرى بياض السنين يتسلل إلى الرؤوس، يرى وجوهًا تختفي فجأة من المشهد فلا تعود مرة أخرى، بينما ظل هو في مكانه المعهود، يتابع كل شيء بصبر الصخور وهدوء الأشجار العتيقة. لم يكن يشارك الناس خوفهم، لأنه رأى في عمره الطويل مخاوف أكبر، ولم يكن يقاسمهم دهشتهم، لأنه تعلم أن الأمم العتيقة تعرف كيف تعبر القرون ــ بطريقةٍ ما ــ كما تعبر العواصف أيضًا. كان يكتفي بالنظر.. على نحوٍ جعل كثيرين ينسون أنه مازال يراهم جميعًا, والزمن يمر أمامه على هيئة وجوه.

في البداية كان الأمر محتملاً؛ عرباتٌ قليلة، ووجوهٌ تتبدل كل حين، وخطواتٌ مسرعة لا تلبث أن تبتلعها المساءات. كان الضجيج وقتها يشبه حديثًا عابرًا بين المدينة وأبنائها، لا يلبث أن يهدأ مع انطفاء المصابيح وعودة الليل إلى شوارعه القديمة. غير أن المدن تكبُر أسرع مما يتوقع الشيوخ.

ومع انصرام الأعوام، صار الصباح يولد قبل أن يستيقظ الضوء نفسه، والجموع تتدفق من كل الجهات، والأبواق تتحدث أكثر مما يتحدث الناس، حتى بدا أحيانًا أن الهواء ذاته قد انضم إلى زمرة الزحام، وأن المدينة التي كانت تعرف كيف تنام، قد نسيت مذاق النوم.

هناك، نظر طويلاً إلى الطرق المتشابكة من حوله، وإلى الوجوه التي تعبر مسرعة كأنها تطارد الوقت ويطاردها، وإلى المدينة التي لم تعد كما عرفها أول الأمر، فراوده ذلك الشعور الغامض بأن الشيوخ أيضًا من حقهم أن يستريحوا قليلاً، وأن بعض الحكايات لا تُروى وسط الضوضاء، وأن الذاكرة، كلما أثقلتها القرون، احتاجت إلى شيءٍ من الصمت كي تسمع نفسها من جديد.

حينها قرر الرحيل، لم يرحل غاضبًا؛ فالحكماء لا يغضبون من ضجيج الأبناء، وإنما يدركون أن لكل عمرٍ إيقاعه، وأن القلوب التي حملت صخب القرون طويلا يحق لها أخيرًا أن تهدأ، وأن تستبدل هدير المحركات بصوت الريح وهي تمر بين الأشجار، وأن تنصت مرة أخرى إلى ذلك الصمت القديم الذي كانت المدن تعرفه قبل عقود.

رحل الشيخ ..لكن عينيه ظلتا معلقتين بأحوال أبنائه. وحين غادر، ظن كثيرون أن الحكاية قد انتهت. غير أن الحكايات الكبرى لا تبدأ عادةً إلا بعد أن يظن الجميع أنها انتهت.

نداء التاريخ .. سؤال الحجر والظل

ثمة أماكن لا يمر بها الزمن كما يمر بسائر البقاع؛ بل يمكث فيها طويلا، يخلع نعليه، ويستريح فوق عتباتها العتيقة. وإلى أحد هذه الملاذات الهاربة من سطوة الوقت، ارتحل الملك العجوز، مستقرًا في "ميت رهينة"، حيث ينصرف النهار بما حمله من خطى الزائرين وهمسات العابرين، وتستعيد الأشجار حديثها القديم مع الريح، ليبدو الليل هناك وكأنه صفحةٌ من كتابٍ تركه التاريخ مفتوحًا عن قصد.

في ذلك المكان، وتحت سماءٍ ازدحمت بالنجوم كما ازدحمت الأرضُ قديمًا بالملوك والجنود والكهنة والحالمين، كان هناك حارسٌ بسيط يبدأ نوبته الليلية. لم يكن يحمل من الدنيا سوى مفاتيح الأبواب وأمانة المكان، غير أن الليل كان قد ادخر له مهمةً أخرى، لم ترد في دفاتر العمل، ولا في تعليمات الحراسة، ولا حتى في روايات البشر.

في إحدى تلك الليالي، وبينما كان الحارس يتفقد طريقَه المعتاد، توقف فجأة؛ فقد تسلل إلى أذنيه صوتٌ عميقٌ وهادئ، يشبه وقع الزمن حين يمر على الحجر. التفت حوله، لكن المكان كان ساكنًا كلوحةٍ منقوشة. ظن أول الأمر أنها مداعبةٌ من خياله، حتى عاد الصوتُ من جديد، أكثر هدوءًا وأشدّ وجعًا، منبثقًا من بين الحجر والظل، كأنه قادمٌ من بئرٍ سحيقةٍ حفرتها القرون في قلب الزمن: "كيف حال مصر يا بُني..؟".

في البدء ارتبك الحارس، وفي الثانية تعجب، لكنه سرعان ما ألِف ذلك الغموض. وما إن ينتصف السكون، حتى صار ينتظر السؤال كما يُنتظر الفجر؛ إذ كان كلما جاءه الصوت، شعر أن آلاف السنين تجلس إلى جواره في تلك المساحة الهادئة، وأن التاريخ كله قد اختزل نفسه في هيئة شيخٍ عتيقٍ لا يشغله من أمر الدنيا سوى أن يطمئن على أبنائه.

ومنذ تلك الليلة، صار للحارس موعدٌ لا يعرفه أحد؛ فكلما غادر الزوار المكان، جلس هو إلى جوار ذلك القادم من أقاصي التاريخ, ذاك الذي لم يره ببصره فقط، لكنه استقر في يقينه. وفي ليلةٍ من تلك الليالي، جاء السؤال مختلفًا، وكأن الشيخ قد أزاح ثوب الوقار ليهمس بلسان الأب: "أخبرني .. كيف حال أبنائي..؟".

وعندها، أدرك الحارس أن بعض الأسئلة لا يطرحها الغرباء، وأن بعض الأصوات لا تأتي إلا من أماكن أبعد من الذاكرة نفسها, وعليه أن يكون صوت الحاضر لشيخٍ يعيش في قلب الأبدية, يروي له أخبار مصر. كانت كل ليلة حكاية، وكل حكايةٍ لم تكن سوى محاولةٍ أخرى، صادقةٍ وموجعة، للإجابة عن سؤال الشيخ الأزلي الذي لا يهدأ: "كيف حال مصر..؟".

ميدانٌ تفرعت منه الطرق

مضت ليالٍ عديدة على مرافقة الحارس للشيخ الحجري العتيق في ملاذه الهادئ، حتى صار ذاك السؤال الذي يأتي من بين الحجر والظل جزءًا من طقوس الليل؛ ينتظره الحارس كما ينتظر الفلاح ضوء الفجر، وكما يعرف النخيل موعد هبوب الريح.

لقد فطن الحارس أن بعض الأسئلة لا تكفيها الكلمات، وأن بعض الأوطان أعقد من أن تُختصر حكايتها في جُملٍ عابرة. ظل الرجل يراقب الأشجار وهي تتراقص بين كفّي الريح، ويتأمل السماء التي بدت في "ميت رهينة" أقرب مما كانت عليه في صخب المدن الكبيرة.

وفي إحدى الليالي, أجاب الحارس على سؤال الشيخ المعتاد, وقال له بصوتٍ يملؤه التوقير: " الأمر طويل يا سيدي .. طويلٌ بما يكفي لأن تبدأ الحكاية من ميدانٍ تفرعت منه الطرق، ومن أيامٍ ظن الناس فيها أنهم يقفون على أعتاب المستقبل، بينما كانت البلاد، دون أن تدري، تقف على أعتاب المجهول".

واسترسل بعد صمتٍ طال قليلاً: "في تلك الأيام، كانت البلاد تشبه شابًا يقف طويلاً أمام المرآة، يحاول أن يتعرف إلى ملامحه من جديد. كانت الوجوه مثقلةً بأسئلةٍ أكبر من أعمار أصحابها، والقلوب تحمل من الأحلام ما يكفي لبناء أكثر من مستقبل، فيما كان الهواء مشبعًا بذلك الشعور الغامض الذي يسبق العواصف الكبرى؛ الإحساس بأن شيئًا ما يقترب، دون أن يعرف أحدٌ يقينًا صفته أو هيئته أو من أين سيأتي ".

ثم تابع بصوتٍ خافت: "جاءت أيامٌ خرج فيها الناس إلى الشوارع كما تخرج الأنهار عن ضفافها حين يضيق بها المجرى. يحملون غضبًا تراكم طويلاً، وأملاً ظل يبحث عن نافذةٍ يدخل منها الضوء، يهتفون للعيش والحرية والعدالة؛ حتى بدا وكأن البلاد كلها قد وقفت، لأول مرة منذ أجيال، تستمع إلى دقات قلبها وهي ترتفع أعلى من صخبها المعتاد. كان المستقبل آنذاك قريبًا ليراه الجميع، لكنه كان بعيدًا بما يكفي ليراه كلٌ على صورته الخاصة؛ شمسًا تشرق، أو بابًا واسعًا نحو الغد، أو فرصةً أخيرةً لتتصالح البلاد مع روحها".

واستطرد الحارس بنبرةٍ يملؤها الشجن: "للمرة الأولى يا سيدي، اكتشف الغرباء أنهم ليسوا غرباء إلى هذا الحد؛ فصارت الوجوه تتبادل الماء والخبز والطمأنينة في الطرقات، وكأن الأوطان في لحظات مخاضها تعيد تعريف أبنائها بعضهم لبعض. لكن يا مولاي، الطرق الكثيرة نادرًا ما تقود إلى الوجهة نفسها. ففي الميادين التي تمتلئ بالأحلام، تولد الرؤى جميعها دفعةً واحدة، غير أن لكل حلمٍ طريقه، ولكل طريقٍ أصحابه، ولكل فريقٍ تصوره الخاص عن شكل الصباح الذي ينتظرهم خلف الأفق. وهكذا وقفت البلاد على مفترقٍ واسع، تتفرع منه الدروب أكثر مما تتجمع، وتتكاثر فيه الأسئلة حتى أطبقت على الإجابات، بينما كان الجميع يحدق في المستقبل، ولا أحد يدري أي الطرق سوف تُفضي إليه. وربما يا مولاي، كان ذلك هو المعنى الحقيقي للوقوف على أعتاب المجهول".

ظلّ الشيخ العتيق صامتًا لبعض الوقت، كأنما كان يقلب في ذاكرته البعيدة وجوهًا وأزمنةً وميادين أخرى مرت فوق هذه الأرض ثم مضت. ثم قال في هدوءٍ غامر: "أعرف هذا الشعور يا بُني... فالأمم، مثل الأنهار، لا تُعرف حقيقتها عند المنابع وحدها، ولا عند المنعطفات، بل حين يكتمل مجراها".

ثم ساد الصمتُ قليلا، ولم يكن يُسمع سوى حفيف الأشجار وهي تتبادل حديثها القديم مع الريح. نهض الحارس ببطء وقال: "ويبدو يا مولاي أن بقية الحكاية أطول من أن تحتملها ليلة واحدة". ابتسم الشيخ ابتسامةً خفيفة لم يرها إلا قلب الحارس، وقال: "لا بأس يا بُني ... فالحكايات التي تخص الأوطان لا تُروى دفعةً واحدة".

وفيما بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل إلى الأفق، قال الحارس: "إذن نكمل غدًا يا مولاي". فأجابه الشيخ بصوتٍ صار جزءًا من سكون المكان: "سأكون هنا في انتظارك ... فالملوك قد يغادرون العروش، لكنهم لا يغادرون الأوطان".

دروبٌ ضاقت فيها المسافات واتسعت الفجوات

في الليلة التالية، جاء السؤال في موعده هادئاً كعادته، لكنه كان هذه المرة أثقل وطأةً، كأنّ القرون نفسها كانت تنتظر الجواب: "وإلى أين مضت تلك الطرق يا بُني..؟".

تنهد الحارس، وظل يجمع شتات الذكرى قبل أن يقول: "هنا يا مولاي تبدأ الحكاية الأصعب؛ فالمفارق لا تؤلمنا حين نصل إليها، بل حين نكتشف أن رفاق الطريق الذين ساروا معًا طويلاً، اختار كلٌ منهم وجهةً مختلفة. كانت البلاد يومها تشبه بيتًا كبيرًا فُتحت نوافذه كلها دفعةً واحدة بعد عقودٍ من الإغلاق، فاندفع إليه الهواء من كل صوب، واختلطت الأصوات بالأصداء، والأمنيات بالمخاوف، والأسئلة بالإجابات. وكان كل فريقٍ يظن أنه يحمل مفتاح الغد وحده".

تابع الحارس والأسى يلون صوته: "شيئًا فشيئًا، بدأت المسافات تكبر بين القلوب أسرع مما تكبر بين المدن، وتحولت الأسئلة التي جمعت الناس بالأمس إلى إجاباتٍ متعارضة، يعتقد أصحابها أنهم يملكون الحقيقة المطلقة. صارت البلاد تبحث عن وجهها في مرايا كثيرة، لا تعكس الصورة ذاتها. ثم جاءت الأيام التي شعر فيها الناس أن الأرض تميد تحت أقدامهم؛ حين صار القلق أسرع من المارة، والمخاوف أكبر من قدرة الكلمات على احتوائها. كان الجميع يحبون هذا البيت، لكنهم اختلفوا بشراسة حول الطريق الذي ينبغي أن يسلكه للنجاة؛ خاف البعض على الحلم، وارتجف آخرون على الدولة، وخشيّ كثيرون من ضياع الاثنين معًا".

صمت الحارس قليلاً، ثم أضاف بصوتٍ متهدج: "في تلك الأيام، لم يعد السؤال إلى أين نمضي، بل صار: هل ما زلنا نسير معًا..؟ صارت البلاد تشبه سفينةً كبرى تتقاذفها الرياح، ركابها يقفون على سطحها، كلٌ منهم يحدق في أفقٍ مختلف، بينما صار الخوف ضيفًا ثقيلاً على البيوت؛ قلقٌ من الغد، وجلٌ على الأبناء، وخشيةٌ على المؤسسات التي كانت أوتادًا للبيت لعقودٍ طويلة. حتى بدا أن البلاد تحبس أنفاسها في انتظار شيءٍ غامضٍ لا تعرف اسمه، لكنها تشعر باقترابه في كل لحظة. ربما كانت تلك المرة الأولى التي شعرت فيها مصر أنها لا تخاف على حاضرها فحسب، بل على فكرتها نفسها".

ظل الشيخ العتيق ينصت في صمته المهيب، بينما كانت الريح تمر بين الأشجار ببطء، كأنها تقلب صفحاتٍ قديمةً من كتابٍ يعرف نهايته جيدًا. ثم قال بصوتٍ عميق: "أعرف هذه الأيام يا بُني... فالأوطان العتيقة لا تخاف كثيرًا على نفسها، بقدر ما تخاف أن يختلف أبناؤها عليها".

أطرق الحارس برأسه وقال: "أما الليالي القادمة يا مولاي، فهي أثقل من أن تُروى قبل طلوع الفجر".

يقظةُ الحلم على واقعٍ مُتعب

في الليلة التالية، جاء السؤالُ أكثر شغفًا، وكأنه زفرةٌ انطلقت من صدر القرون: "وماذا جرى بعد ذلك يا بُني..؟ هل وجدت البلاد الطريق الذي كانت تصبو إليه ..؟".

تنهد الحارس طويلاً، ونظر إلى النجوم التي لم تكن تغير مواقعها، وكأنها تراقب ببرودٍ عبثية التاريخ، ثم قال: "في البدايات يا مولاي، كان الأمل لا يزال يغلف القلوب؛ فالأوطان حين تخرج من المنعطفات الكبرى، تمنح دائمًا فرصةً لمن يتصدر المشهد، لعل الطريق يستقيم، ولعل الأحلام التي خرج الناس من أجلها تجد أخيرًا مكانها تحت الشمس. وفي صيف ذلك العام، عرفت البلاد رئيسًا جديدًا جاء عبر صناديق الاقتراع، فحمل كثيرون آمالاً عريضة، وظنوا أن أبواب المستقبل قد فُتحت أخيرًا على مصاريعها".

ثم استدرك بنبرةٍ يكسوها الحزن: "لكن الأوطان الكبيرة , كما تعرف يا سيدي لا تكتفي بحسن النوايا ــ إن هي حَسُنت ــ ولا يكفيها أن يتغير ساكن القصر؛ بل تسأل دائمًا عن الطريق، وعن القدرة على جمع المختلفين تحت خيمةٍ واحدة، وعن تلك المسافة الفاصلة بين الحاكم والوطن الذي يحكمه. ومع مرور الأسابيع، تسلل قلقٌ مبهمٌ إلى النفوس؛ شعر كثيرون أن الحلم الذي خرجوا لأجله صار أبعد مما كان في الأيام الأولى، وأن المسافات بين أبناء البيت الواحد تزداد اتساعًا بدل أن تضيق. وفي المقاهي والبيوت والميادين، ارتفعت حرارة الجدل، وصار المصريون يختلفون في كل شيء، إلا في خوفهم على بلادهم".

وأضاف الحارس: "كانت المخاوف تتكاثر ككائناتٍ ليلية؛ مخاوف على هوية الدولة، وعلى مؤسساتها، وعلى تماسك المجتمع الذي بات يعاني شروخًا أعمق من الخلاف السياسي. ووسط أخبار الاقتصاد المتعب، والأزمات المتلاحقة، وعودة طوابير الانتظار لتكون قدرًا يوميًا، تراكمت الأسئلة أسرع من أي إجابات. وللمرة الثانية في سنواتٍ قليلة، أدرك المصريون أن بلادهم تقف من جديد عند مفترق طرقٍ أكثر غموضًا, بل وتقترب من منعطفٍ لم يكن أحد يعرف ما وراءه.

صمت الحارس قليلاً ثم قال بمرارة: "وربما كانت خيبة الأمل يا مولاي هي أشد الأحمال وطأةً على الشعوب؛ لأن الجراح التي يصنعها الأعداء تلتئم مع الزمن، أما الجراح التي تولد من الأحلام المكسورة فتحتاج إلى وقتٍ أطول بكثير".

ظل الشيخ صامتًا، مستعيدًا في ذاكرته البعيدة وجوه الملوك الذين ظنوا أنهم امتلكوا الحقيقة، ثم قال بهدوء: "أعرف ذلك يا بُني... فأثقل ما تحمله الأوطان ليس الفشل في حد ذاته، بل الفجوة القاتلة بين الحُلم حين وُلد، والحقيقة حين تبدو جلية للعيان".

أيادٍ تطرق الأبواب

في هذه الليلة، لم يأتِ السؤال هذه المرة من بين الحجر والظل على عادته، بل سبقته لحظة صمتٍ طويلة، كأن الشيخ العتيق كان يعرف أن بعض الفصول تثقل حتى على الكلمات. وحين جاء صوته أخيرًا، حمل نبرة ترقبٍ لم تخطئها أذن الحارس: "وماذا فعل أبنائي حين ثقلت البلاد بأسئلتها يا بُني..؟".

ابتسم الحارس ابتسامةً صغيرةً امتزج فيها الحزنُ بالفخر، ثم قال: "فعلوا ما يفعله أبناء البيوت القديمة إذا ما خافوا على جدرانها حين تميل يا مولاي؛ طرقوا الأبواب. لم تكن البداية في الميادين هذه المرة، بل في الكلمات التي وُلدت في المقاهي التي طال فيها السهر، وفي البيوت التي صار فيها القلق ضيفًا دائمًا على الموائد، وأروقة الجامعات التي فاضت بالأسئلة".

ثم أردف وهو يلوح بيده كأنما يرسم المشهد أمام الشيخ: "رويدًا رويدًا، بدأ الشباب الذين حملوا الحلم بالأمس يشعرون أن الحلم ذاته يطلب منهم أن يدافعوا عنه من جديد. لم يحملوا سلاحًا، ولم يبحثوا عن خصومة، بل حملوا أوراقًا وأقلامًا وأسئلةً كثيرة، يطرقون بها الأبواب كما يطرق الأبناء أبواب الجيران حين يشمون رائحة حريقٍ يقترب. لم يسألوا الناس عن انتماءاتهم، بل عن مخاوفهم، وعن شكل الوطن الذي يرجونه".

تنفس الحارس بعمقٍ وتابع: "في تلك الأيام، خرج المثقفون من صمتهم، وخرج الكُتّاب الذين يؤمنون أن الكلمة قد تحول دون سقوط الجدران، وخرج الفنانون والأكاديميون، يناقشون ويحذرون ويحلمون. ورغم اختلاف الوجوه، وتباين الرؤى والمخاوف, فقد اشتركوا جميعًا في سؤالٍ واحد: كيف يبقى البيت قائمًا..؟ بدت البلاد وكأنها تحولت إلى مائدةٍ كبرى يدور حولها نقاشٌ لا ينتهي؛ أصواتٌ كثيرة، رؤىً متباينة، وخلافاتٍ حاضرة، لكن خلف كل ذلك كان يقف شعورٌ واحد، واضحٌ وعنيد: الخوف على مصر، وعلى وجهها الذي عرفناه طويلاً، وعلى الدولة التي بنيناها جيلاً بعد جيل".

أخفض الحارس صوته وأضاف بتقدير: "كانت الأيدي التي تجمع التوقيعات يا سيدي تشبه أيدي الفلاحين وهي تجمع شتلات الزرع قبل هبوب العاصفة؛ يعرفون أن ما يفعلونه قد لا يوقف الريح، لكنه يمنح الحقول فرصةً أخرى للحياة. يومًا بعد يوم، كانت الأوراق تكبر، والأسماء تتكاثر، والشعور العام يتمدد من مدينةٍ إلى مدينة، حتى بدا وكأن البلاد تطرق بابها بيدها، لتسأل نفسها السؤال الأصعب: إلى أين نمضي..؟".

صمت الحارس قليلاً، ثم قال بلهجةٍ واثقة: "عندما تعجز الأوطان عن النوم يا مولاي، تبدأ الأيدي في طرق الأبواب".

ظل الشيخ ينصت في صمته المهيب,كأنما كان يدرك أن بعض اللحظات الكبرى لا تولد في الميادين أولا، بل في القلوب حين تكتشف أن مصيرها واحد.

 

حين صار الوطن موعدًا... وتكلمت الميادين

في تلك الليلة، لم يكن الصمت الذي يسبق السؤال يشبه ما سبقه من ليالٍ. حتى الريح التي اعتادت أن تعبث بأغصان الأشجار في ميت رهينة، بدت وكأنها تمضي على أطرافها خشية أن توقظ ذكرى أكبر من أن تحتملها الحجارة.

وحين جاء الصوت أخيرًا، بدا للحارس كأنه لا يصدر عن شيخ يجلس إلى جواره، بل جاء هذه المرة كأنه دويٌّ بعيد، صدىً آتٍ من أعماق الأرض التي لم تعرف السكون منذ أيام. لم يسأل الشيخُ عن الحال، ولم يستفسر عن التفاصيل، بل جاء صوته محملاً بوطأة التاريخ, كأنّ مصر القديمة كلها تسأل عن مصر الجديدة: "أخبرني يا بُني ..كيف بدا الوطن حين صار موعدًا..؟ وكيف سمعت صوت مصر وهي تتحدث دفعةً واحدة..؟".  

ساد صمتٌ طويل، وكأن الطبيعة قد انحنت احترامًا للحظة التي سيتحدث عنها الحارس. الذي تنهد، وشعر أن الكلمات أضيق من أن تصف ما رآه، ثم قال: " حقًا يا سيدي, حدث أن صار الوطن موعدًا..

في البداية، لم يكن أحد يدرك حجم ما يقترب؛ كانت البيوت تتبادل القلق كما تتبادل الأخبار، بينما كان شعورٌ خفيٌّ يتسلل إلى القلوب؛ شعورٌ بأن البلاد تقف مرةً أخرى أمام بابٍ كبير من أبواب التاريخ. ثم جاء اليوم الموعود، واستيقظت مصر مبكرًا، كأن المدن نفسها قد هجرها النومُ في تلك الليلة.

خرج الشباب الذين أثقلتهم الأسئلة، والآباء الذين تعلموا أن بعض اللحظات لا يجوز الغياب عنها، والأمهات يحملن خوفين معًا؛ خوفًا على الأبناء، وآخر على البلاد. حتى الشيوخ خرجوا يزاحمون الزمن، رأوا أن البقاء بعيدًا عن لحظة المصير أثقل من الحضور فيها. خرجت الأُسر كاملة، حتى بدا وكأن البيوت قد قررت أن تمشي على أقدام أصحابها إلى قلب الميادين.

ولم يخرج هؤلاء لأنهم اتفقوا في كل شيء، ولا لأنهم تشابهوا في أحلامهم، بل لأن الخوف على البيت كان يومها أكبر من أي وقتٍ مضى. كانت الوجوه والأعمار والحكايات مختلفة، لكن الشعور الذي حملهم إلى الطرق كان واحدًا: أن مصر أكبر من أن يحتمل أبناؤها فكرة ضياعها. وفي تلك الأيام، عادت الشوارع تمتلئ بالناس، لكن الأصوات هذه المرة كانت تحمل شيئًا مختلفًا؛ فقد كان في الهتاف شيءٌ من القلق، وفي القلق شيءٌ من الرجاء، وفي الرجاء شيءٌ من الإصرار على أن يبقى البيت قائمًا مهما اختلف ساكنوه. وللمرة الثانية خلال سنواتٍ قليلة، بدا وكأن البلاد كلها قد خرجت لتتحدث مع نفسها بصوتٍ مرتفع.

كانت الوجوه التي لا تعرف بعضها تتبادل الابتسامات والأمنيات، كأنها تعرفت إلى بعضها منذ زمنٍ بعيد. خرجت القرى، والشوارع الضيقة، والأحياء العتيقة، خرجت مصر كلها، كأنها تحاول أن ترى نفسها مجددًا في مرآة أبنائها. كانت الأعلام يومها أكثر عددًا من اللافتات؛ أراد الناس أن يقولوا إن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، وأن الأوطان حين تشعر بالخطر، تعود إلى أسمائها الأولى.

وفي كل مكان، كان ثمة شعورٌ واحد يسبق الهتافات كلها: الخوف على وطن بناه أجيالٌ متعاقبة حجرًا فوق حجر. ومع مرور الساعات، بدأت الميادين تتكلم؛ تكلمت بالأعلام التي ارتفعت فوق الرؤوس، وبالأيدي التي لوحت للغرباء كما لو كانوا جيرانًا منذ عمر. كان الجميع يلتقون عند حقيقةٍ واحدة: أن مصر أكبر وأقدم وأبقى من الجميع.

وفي ذلك اليوم يا مولاي، لم تعد الميادين مجرد ساحات، ولم تعد الشوارع طرقات.. لقد أصبحت البلاد كلها قلبًا واحدًا ينبض في وقتٍ واحد.

ظل الشيخ صامتًا برهة، صمتٌ لم يقطعه إلا النسيم الذي بدا وكأنه يُنصت لهذا الحديث التاريخي. ثم رفع رأسه ببطء، وتفرّس في عيني الحارس نظرةً تختزل قرونًا من الرؤية، وقال بصوتٍ متلهف صادر عن صخرٍ عتيق: "أخبرني يا بُني... وراء أيّ مَلِكٍ، أو أيّ رايةٍ، خرج هؤلاء جميعًا هذه المرة..؟ أيُّ قائدٍ كان يُمسك بزمام تلك العاصفة..؟".

أطرق الحارس برأسه للحظة، ثم رفع عينيه عاليًا وقال بنبرةٍ يملؤها اليقينُ : " لم يخرجوا وراء مَلِكٍ يا مولاي، ولم يتبعوا رايةً ترفعُ اسمًا أو تبتغي جاهًا .. لقد خرجوا وراء مِصر نفسها. خرجوا خلف الفكرة التي تسبق العروش، وخلف الروح التي تسكن الحجر والضفاف قبل أن تسكن القصور. لم تكن الميادينُ ساحاتِ ولاءٍ لأحد، بل كانت مرآةً كبرى، رأى فيها أبناء البيت وجه أمِّهم حين شعرت بالخطر، فأبوا إلا أن يحموا روحها بأرواحهم".

تنفس الشيخ الصعداء، وابتسمت ملامحه الحجرية لأول مرة، كأنما اطمأنّ إلى أن جذور هذه الأرض ما زالت حية، وقال بصوتٍ خافتٍ وكأنه يهمس للريح: "إذن، فقد عاد الوطنُ إلى ذاته ... وتلك هي المرة الأولى التي تدرك فيها الأوطان أنها ليست مِلكًا لمن يحكمها، بل لمن يحميها من الضياع".

سكت الاثنان، ولم يبقَ في المكان إلا نداءُ الفجر، الذي بدا وكأنه صدىً لذلك الخروج العظيم، الذي لم تكن له غايةٌ سوى بقاء أرض طيبة.

 

الحارسُ الأول والأخير يُلبي النداء

طال الصمت بين الملك وحارسه هذه الليلة، حتى بدا وكأن النجوم نفسها قد اقتربت قليلاً لتُصغي إلى كل الحكاية، حينها رفع الشيخ رأسه نحو السماء، وكأنه يستحضر هيبة تلك اللحظة، وقال بصوتٍ خافت: "وماذا حدث بعد أن قالت الميادين كلمتها يا بُني..؟".

نظر الحارس إلى الأفق البعيد، وكأن صدى الهتافات ما يزال يتردد بمسامعه، وتنهد قبل أن يجيب: " انتظرت البلاد يا مولاي .. انتظرت كما تنتظر البيوت العتيقة وقع الخطوات العائدة بعد ليلٍ طويل، وكما تنتظر السفن منارةً تهديها حين يشتد الضباب..

ومضى قليل من الوقت قبل أن يتابع: "حين ضاقت السُبل، وأخذ الخوف يطرق الأبواب، التفت المصريون إلى الحارس الذي اعتادوا أن يجدوه واقفًا عند العتبة كلما اضطربت الريح؛ ذاك الذي لا يسأل من الذي أشعل النار أولاً، بل كيف تُطفأ، ولا يسأل لمن يكون البيت، بل كيف يبقى البيت قائمًا. كان كالسارية التي لا تميل، حاضرًا في كل ملمة من ملمات الدهر، يمنع الخصومة من أن تستحيل قطيعةً، والخلاف من أن يورث انقسامًا لا يلتئم..

وأضاف الحارس: " لم يأتِ وحده هذه المرة، بل جاء ومعه أبناء البيت جميعًا؛ اجتمع الناس يومها على اختلاف وجوههم وطرقاتهم وأحلامهم، لكنهم اتفقوا على فكرةٍ واحدة: أن يظلَّ البيتُ بيتًا، وأن تبقى مصر أكبر من أي خلاف. وبدا لكثيرين أن البلاد تحاول عبور جسرٍ ضيق وهي ممسكة بأيدي أكبر عددٍ ممكن من أبنائها، لرسم المسار بعد شهورٍ من اضطراب البوصلة، وانتشال البلاد من الانزلاق إلى حافة المجهول..

ساد الصمت من جديد، ثم أضاف الحارس: "شعرت البلاد يومها يا مولاي، وكأنها لا تعبر من عامٍ إلى عام، ولا من ضفةٍ إلى ضفة، بل تعبر من خوفٍ ثقيل إلى فسحةٍ من الرجاء، ومن سؤالٍ مرهق إلى فرصةٍ جديدة كي تبدأ الحكاية مرةً أخرى. لم يشعر الناس أنهم بلغوا خاتمة الحكاية، بل أدركوا أنهم وقفوا على عتبة حكايةٍ أخرى؛ حكاية استعادة وطنٍ كان يلملم شتات روحه من بين أنياب  التراجع وبراثن الفرقة".

ظل الشيخ صامتًا برهةً، ثم قال بصوتٍ بدا وكأنه قادمٌ من زمنٍ بعيد: "هكذا هي الأوطان يا بُني ... لا تنتهي حكاياتها عند المنعطفات، بل إنها تخرجُ من رحم تلك المنعطفات لتكتب بدايةً جديدة، تليقُ بعزة مصر وعظمة من ناضلوا لأجلها. هكذا هي دائمًا .. حين تتعب الجدران، يتقدم الحراس".

ابتسم الحارس ابتسامةً خفيفة، وقال: " وربما لهذا السبب، ظل المصريون يسمونه دائمًا الحارس الأول .. والحارس الأخير".

عندها، رفع الشيخ بصره نحو الأفق، وكأن شيئًا من الطمأنينة قد عاد ليستقر في عينيه الحجريتين، ثم قال: "إذن .. فقد بقي أحدهم ساهرًا على البيت كعادته".

فأجاب الحارس: " كان هناك دائمًا من يسهر عليه يا مولاي .. ودائمًا ما يكون اسم البيت: مصر".

 

بلادٌ انحنت لتلتقط أبناءها من الأرض

ساد الصمت قليلا بين الحارس وملكه الحجري، ولم يعد يُسمع سوى صوت الريح كأن الليل نفسه كان يستمع إلى الحكاية. ثم سأل الشيخ بصوتٍ هادئ: "وماذا كان بعد ذلك يا بُني..؟".

رفع الحارس عينيه نحو السماء، حيث النجوم التي شهدت صحوة البلاد، وأجاب: "كان ما يحدث دائمًا مع الأوطان العتيقة يا مولاي .. لقد انحنت البلاد قليلاً، لكنها لم تنحنِ لتسقط؛ انحنت فقط لتلتقط أبناءها من الأرض. فبعد الشهور العجاف، والعواصف التي حاولت أن تقتلع الجدران والقلوب معًا، قررت مصر أن تفعل ما اعتادت أن تفعله بعد كل محنة: أن تجمع ما تناثر، وأن ترمم ما تصدع، وأن تعيد ترتيب البيت الذي أنهكه السهر الطويل".

أضاف الحارس بنبرةٍ يملؤها الفخر: "لم يكن الأمر هينًا، بدأت البلاد بتضميد الجراح المفتوحة، وإخماد البؤر التي أرادت أن تجعل الخوف قدرًا دائمًا، بينما كانت تخوض في الشرق حربًا طويلة ضد دنس التطرف والظلام,كأنما كانت الأرض تنفض عن نفسها غبار السواد لتعود زاهيةً كما عهدناها. وفي قلب تلك الحرب الشرسة ضد قوى التردي، كانت سواعد مصر تبني في آنٍ واحد. لم تكتفِ بالدفاع عن وجودها، بل راحت تشقُّ في قلب الصحاري طرقًا وكأنها شرايينُ جديدة تضخُّ الحياة في جسدها المنهك؛ جسور تعلو فوق الأزمات، وقناةٌ جديدةٌ شُقّت لتلتحق بسابقتها, لتكون شريانًا إضافيًا لقلب العالم، بخلاف عاصمة جديدة شاهدةً على عزم البلاد,كأنّها نبضُها المُستطير في جَبين الزّمان، ترتدي الضّياء مثلما ترتدي المآذن عناقيد النور، وتكتب بشموخها أنشودة البناء.

ثم أشار الحارس بيده كأنه يرسم خريطة الأمل: "لم تترك البلاد شأنًا إلا وقامت عليه؛ أطلقت المبادرات التي داوت جروح البُسطاء في القرى والنجوع، وكأنها تضعُ يدًا حانية على كتف كلّ موجوع. وفي الوقت ذاته، كانت تستعيد حضورها في العالم، تعيد صياغة علاقاتها الدولية بنديّة الكبار، وتنتزعُ مكانتها التي تليق بتاريخها، وتؤكد للعالم الذي ظن أنها انشغلت بنفسها، أنها قد عادت لتكون بوصلةً للمنطقة، ودرعًا وسيفًا لها ولمحيطها..

لم تكن تلك السنوات مجرد محاولةٍ للتعافي، بل كانت سباقًا مع الزمن المحبوس في قنينة التأخر. رأيت يا مولاي كيف استنفرت البلاد كلّ عزمها؛ فدبّت الحياة في أوصال الصحارى، وحفرت السواعد أنفاقًا تحت قاع القناة، لتصل ضفتي سيناء بقلب الوطن.

وتوالت المعجزات؛ فأقيمت محطات طاقةٍ عملاقة، صارت تنير الظلام الذي خيّم طويلاً، وتحولت الرمال الصفراء إلى بحارٍ من سنابل القمح، تَعِدُ الناس بالخير وتؤمّن لهم رغيفًا لا يخضعُ لتقلبات الرياح. ولم تتوقف العيون عن مشاهدة الدهشة وهي تتجسدُ في شرايين نقلٍ لا تعرف الكلل؛ محاور تعبر فوق النيل وتتجاوز الزحام، وقطاراتٍ سريعة تختصر المسافات كأنما تُطوى الأرض تحت أقدام المسافرين، ومدنًا تولد من رحم الرمال لتكون ملاذًا لأحلام أبنائها، وأخرى آمنة ارتفعت فوق أطلال العشوائية كأنها صروحٌ نجاة، تكسر حدة التكدس القديم. ناهيك عن المبادرات الإنسانية التي تلمس حياة الملايين، تُعيد لبيوتهم الدفء، وتمنح الوجوه بريق الكرامة والستر..

صمت الحارس، ثم تابع بعمق: " كان الطريقُ طويلاً يا مولاي، طويلا بما يكفي ؛ إلا أن الخطوات لم تتعثر، فالبلاد كانت تمضي بعناد الجبال. تبني كأنها تصلُ أجزاء قلبها المبعثر ببعضه، وتفتح النوافذ نحو الغد كأنها تفسح مكانًا للضوء كي يتسلل. وربما كان أعظم ما فعلته يومها أنها اختارت "السير". فالأوطان قد تتعب، وربما تتأخر، وقد ينهكها الطريق، لكن أخطر ما يمكن أن يصيبها هو أن تتوقف. أما مصر، فقد عرفت دائمًا أن سرَّ بقائها هو أنها لا تقف، تستجمع قوتها، وتنهض سريعًا لتستأنف مسيرتها نحو الخلود".

نظر الشيخ إلى الحارس، وبدا في عينيه بريقُ الرضا، وقال: " أعلم يا بُني أن الأوطانُ لا تُبنى بما يُقال عنها من كلمات، بل بأيدي أبنائها الذين لا يخشون اقتلاع الشوك ليزرعوا مكانه السنابل, وما يتركه البناؤون في ترابها من عرقٍ وأمل".

 

عودة الضجيج من طريقٍ آخر

منذ تلك الليلة التي تلاقت فيها مغاليق التاريخ بأشرعة الحاضر، صار للحارس موعدٌ لا يعرفه أحد؛ فكلما جن الليل وسكن الضجيج، جلس عند قدمي شيخه العجوز, يهمسُِ له بكل ما كُتِب في صفحة اليوم من كتاب الوطن. لم يكن يقرأُ للملك  أخبارًا عابرةً، بل كان يتلو نبض الأرض؛ يحكي عن سواعد لا تكلّ، عن أفدنةٍ اخضرت بعدما ارتوت بماء الحياة، عن مشروعاتٍ تتسارع كخفقات قلبٍ شابٍ لا يعرفُ الوهن، عن أنفاقٍ اخترقت جوف القناة كأنها حبالٌ سريّةٌ تُعيد ربط أوصال جغرافيا الوطن، وعن طرقٍ امتدت في الفيافي لتمسح عن جبين البلاد عرق السنين.

كان الحارس يقرأُ في ملامح الملك ــ التي صمدت أمام عوادي الزمان ــ سكينةً تسري كأنها العهد الذي لا يُنقض، والوعد الذي لا يُخلف. حتى أصبح الملك ــ في يقين الحارس ــ يرى مصر وهي تمضي في مسيرتها: وكان الملك يستمع من صمت عرشه، وقد استقرت في ملامحه طمأنينة المُوقن أن البلاد التي أحبها قد وجدت طريقها، وأن السكينة التي تملأ المكان ليست إلا صدى لسكينةٍ أكبر استقرت في قلبه، كأنَّ الحارس  ــ بوهج حديثه اليومي ــ جعل من مَلِك الماضي حارسًا للحاضر، ومستشرفًا لآفاق الغد.

وفي ليلةٍ أبطأت فيها النجوم حركتها, وتشبث القمرُ بكبد السماء كأنهم يرقبُون الحدث، تلاشى الصمت فجأةً تحت صخبٍ غير مألوف. حينها، رفع الملك رأسه، كمن أصغى لنداءٍ غامضٍ من خلف أستار الزمن، ثم قال بصوتٍ  فيه شيء من الدهشة: "أيها الحارس، ما هذا الضجيجُ الذي يطرق أبواب السكون..؟ أأعدتموني إلى الميدان من جديد..؟ لقد تركت خلفي ذاك الصخب منذ أعوام.. ذلك الذي لم يكن يومًا غريمًا أخشاه، إنما الخوف على الوطن  هو وحده ما لا أطيقه, أما ضجيج الحياة.. فذاك لحنٌ تترنم به الروح في حضرة الوجود".

ضحك الحارس ضحكةً صافيةً كأنها ماءُ النيل عند الفجر، ثم قال: "كلا يا مولاي .. ليس هذا صخب الميدان الذي عهدته، ولا ضجيج الأيام التي أثقلت القلوب وأرهقت الوجوه. هؤلاء ضيوف مصر جاءوا إليك، و إلى إخوتك من الملوك، بعدما استعادت البلاد وجهها الواثق، واستردت من الزمن حقها في الحلم والبناء .. وما تسمعه الآن أيها الملك, ليس صخب فوضى الميادين، بل وقع الأقدام وهي تمشي في حضرة التاريخ، ليس زحامًا يطارد الناس كما كان، بل أُناسًا يطاردون الحكاية، جاءوا من كل فجٍ بعيد ليروا كيف تحفظ الأمم ذاكرتها، وكيف تجلس مصر إلى جوار عمرها الممتد آلاف السنين دون أن تشيخ".

ثم اقترب الحارس من الملك، وأشار بيده نحو الأفق، حيث ارتفع المتحف المصري الكبير كمنارةٍ من نور عند أقدام الأهرامات كأنه صفحةٌ جديدة أضافها الزمن إلى كتاب الحجر، وقال: " هنا يا مولاي .. يفتح التاريخ أبوابه للعالم, يحمل إليهم حكاية آلاف السنين التي كنت أنت أحد صُنّاعها, هنا تقف أنت وسائر الملوك في استقبال الأرض كلها تطرق أبوابكم. إنهم ضيوفك, من رؤساء وملوك ووزراء وزوار جاءوا من أقاصي الدنيا لا ليروا حجارةً صامتة، بل ليلتقوا بأصحاب الحكاية الذين عبروا آلاف السنين وما زالوا يسكنون ذاكرة البشر..

أما هذا الضجيج الذي يداعب مسامعك، فليس إلا صوت وطنٍ قرر أن يبني، وأمةٍ اختارت أن تكتب فصلها الجديد بيدها. وما كان لهذا الصرح، ولا لغيره من جسورٍ ومدنٍ وطرقٍ وأحلام، أن يرى النور على هذه الصورة لولا ذلك اليوم الذي خرج فيه المصريون يحملون عهدًا لا يُنتهك وقسمًا لا يُنكث، يوم الثلاثين من يونيو، حين أضافت مصر إلى كتابها الأبدي صفحةً جديدة تستحق أن تُروى على مهل".

 

صمت الحارسُ قليلاً، ثم ردد بصوتٍ شجيٍّ على مسامع الملك أبياتًا تتهادى مع الريح: "مصرُ عادت شمسُكِ الذهبُ ... تحملُ الأرضَ وتغتربُ .. كتب النيلُ على شطّهِ قصصًا بالحب تلتهبُ".

ثم سأل الحارس الملك في دهشة: "لم تسألني اليوم يا مولاي عن حال مصر..؟".

حينها، أغمض الملك رمسيس عينيه الحجريتين بطمأنينة العارفين، وقال بصوتٍ بدا وكأنه ينساب من أعماق الروح: " أعلم أنّ نيلها ما زال يجري، وأنّ زارعها ما زال يغرس، وأنّ غدها يُكتب بمدادٍ من ضياء. فالأوطان التي علّمت البشرية كيف تهزمُ الفناء، لا تنسى أبدًا الطريق إلى سراديب الخلود , ولا تُحسب أعمارها  بما تمر به من عواصف، بل بما يبقى فيها من قدرةٍ على النهوض بعدها. ومصر يا بني.. منذ عرفتها أول مرة، لم تكن تعرف إلا طريق القيام .. فمن علّم الحجر أن يتكلم، وعلّم الزمن أن يحفظ الأسماء، لا يعجز يومًا عن أن يجد طريقه إلى الغد".

هنا أدرك الحارس منذ رافق الملك, أن ابتسامةً صغيرةً لها أن ترتسم على وجه الحجر.

ثم ردّدا سويًا الملك وحارسه ، بصوتٍ يمتد بين ضفتي الزمن، يحمل شيئًا من صدى المعابد ، وشيئًا من بشائر الغد .. " تحيا مصر"

 

 

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

حارس على حافة الزمن..و حكايات الأبناء بعد منتصف الليل

في بعض الأزمنة، تصير البلاد كائناتٍ حيّة؛ لها قلبٌ يضطرب في الخفاء وإن لم يسمع أحدٌ خفقانه، وأعصابٌ ترتجف تحت...

مزامير النيل في ساعة السحر .. صباحيةٌ مباركة

ثمة أفراحٌ لا تأتي في ضجيج النهار، بل تختار أن تهبط على القلوب في ساعة السحر، كأنها صلاةٌ مستجابة أو...

​بعودة ماسبيرو.. مصر تطلق جناحي قوتها الإعلامية

​يمثل "ماسبيرو" أحد أهم الرموز الوطنية والثقافية والإعلامية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة؛ فلم يكن مجرد مبنى يطل على نيل...

الحج: رحلة إيمانية وجهد بدني

تُعد شعيرة الحج رحلة إيمانية تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، خاصة لكبار السن، مما يستوجب استعدادات طبية خاصة للوقاية من مخاطر...