ترحال - السينما فى المكان «1» زنقـة مالقـا

العلاقات مع المدن والشوارع والبيوت، أشبه بالصلات البشرية، فللأماكن حضور إنسانى؛ لا نستطيع أن نستبدلها بأماكن أخرى إذا ما كنا مستعدين لذلك نفسيا، فبغض النظر عن حواجز كثيرة كاللغة والطقس البارد، هناك لوعة القلب الذى نخشى أن نتركه ونرحل إلى مكان آخر.. هناك ذكرياتنا المحفورة فوق الجدران وبين بلاط الأزقة التى طالما شهدت وقع أقدامنا..

 

ربما لذلك كنت أشعر بسرعة نبض قلب ماريا انجليس "كارمن مورا" حين فاجأتها ابنتها بقرارها ببيع منزلها فى مدينة طنجة المغربية مسقط رأسها، واصطحابها لتعيش معها فى مدريد حيث أصولها الإسبانية، أو البديل إيداعها فى دار مسنين بطنجة، فمنذ المشهد الأول لفيلم "زنقة مالقا" للمخرجة المغربية "مريم توزانى" وتتبع ماريا أثناء تسكعها فى شارع "زنقة" مالقا، وشعور بالدفء يتدفق من وجه ماريا، تلك المرأة التى أشرفت على عامها الثمانين بعيونها الواسعة وحضورها الطاغى، وكأن ثمة شىء بأزقة طنجة وأسواقها يرد لها روح الشباب والجسد، بينما تتنقل بين الباعة الذين يعرفونها عن ظهر قلب.

فيما زنقة مالقة نفسها تقدم تاريخًا موجزًا لطنجة، المدينة الواقعة على أقصى ساحل شمال المغرب، على بُعد رحلة قصيرة بالعبّارة من إسبانيا، وكيف جعلها هذا القرب مركزًا للإسبان الفارين من ديكتاتورية فرانسيسكو فرانكو فى ثلاثينيات القرن الماضى..

 ماريا أنجيليس، ابنة اثنين من هؤلاء المهاجرين، عاشت فى طنجة طوال حياتها، وتأثرت بثقافتها النابضة بالحياة، تلك الثقافة التى تتجلى فى المشاهد الأولى بمجرد أن تحلق الكاميرا فوق الشارع، يلتقط المشاهدون فورًا الأجواء النابضة بالحياة التى يخلقها أصحاب المتاجر المحلية الودودون الذين يستقبلون ماريا أنجيليس كصديقة قديمة.. وكما هو الحال فى طنجة بأكملها، فهذا الشارع أيضًا بوتقة تنصهر فيه الثقافات المختلفة التى تسكنها.

فى المشهد الافتتاحى للفيلم، نسمع لغات مختلفة - معظمها العربية والإسبانية - وأعراقًا مختلفة تمثلها الشخصيات التى تعيش وتعمل فى شارع مالقة.. بشكل عام، هناك شعور قوى بالألفة والمجتمع يمتد طوال الفيلم.

 أما ماريا فلديها روتين واضح يتمحور حول شارع مالقة، لدرجة أن الطريق نفسه أصبح شخصية أخرى فى الفيلم، وهو أيضًا مكان يألفه الجمهور فى نهاية المطاف من خلال متابعة البطلة فى زياراتها اليومية للمتاجر المحيطة بمنزلها؛ وهى تتجول بحيوية فى شوارعها المرصوفة بالحصى، وتتحدث بود مع البقالين المحليين وبائعى التوابل، وتُعدّ أشهى المأكولات فى مطبخها بينما تصدح من مشغل أسطواناتها القديم -أغلى ما تملكه انجيليس- أغنية ماريا دولوريس براديرا: (لا يهمنى الشكل ولا المكان ولا الكيفية، بل معك)، تستمر الأغنية، وتبدأ بطلتنا بالغناء مع نفسها. وهكذا، نعرف كل ما نحتاج معرفته عن ماريا أنجيليس، من الحزن والأسى الذى تحمله إلى القبول الهادئ الذى يسمح لها بمواصلة حياتها، والدور الذى يلعبه كل من المدينة والبيت فى كل هذا..

فمنزل ماريا أنجيليس هو مجرد منزلها، وهى تعتز بتواضعه المريح، شقة مشمسة فى وسط طنجة التاريخى النابض بالحياة والمتنوع، أمضت أربعين عامًا فى جعلها خاصة بها، تعكس كل تفصيله فيها شخصيتها، من نبات شوكة الراعى القرمزى المبهج على شرفتها إلى الملاعق الخشبية القديمة فى مطبخها.. وعلى الرغم من أنها تشعر بالوحدة قليلاً فى فترة الترمل، إلا أن جدران الشقة المغطاة بالصور بألوان غروب الشمس تمنحها الراحة ونوعًا من الصحبة، وعلى الرغم من وفاة زوجها قبل بضع سنوات، تبدو هذه الأيام وكأنها العصر الذهبى لها تماما كما يطمح إليه أى مسن، وكما صوّرته ببراعة مديرة التصوير "فيرجينى سوردى"، ولكن تلك السعادة على وشك أن تبددها ابنتها "كارلا" الأنانية بقرارها ببيع المنزل الذى سجله والدها باسمها، ولأنها؛ أى ماريا متعلقة بطنجة لدرجة تمنعها من المغادرة، اختارت على مضض أن تودع بدار رعاية المسنين، مع أنه سرعان ما يتضح أنها لن تتأقلم.. تغادر ماريا دار الرعاية دون مأوى، ولكن فى رأسها تُدبّر ماريا أنجيليس خطة للعيش سرًا فى شقتها الحبيبة التى تم إفراغها للبيع، وبينما تواجه ماريا أنجيليس صراعات متعددة فى حياتها - وفقدان شقتها، يتكاتف مجتمع شارع مالقة خلفها لإظهار الدعم والمودة، كما أنها تقنع تاجر التحف المحلى عبد السلام (أحمد بولان) بإعادة أثاثها المباع - وسرعان ما تسحره أكثر وتدفعه إلى علاقة حب استثنائية معها فى هذا العمر.

هكذا وبينما تتطور شخصية ماريا أنجيليس وهى تتكيف مع ظروفها الجديدة الصعبة وهى الفكرة التى يدور حولها الفيلم؛ تقترب توزانى فى لقطات متعددة من وجه ماريا طوال الفيلم، بينما تعبر أبسط تعبيرات وجه مورا عن حياة داخلية عميقة ـ وتُجسّد مورا هذا الدور بعمقٍ متواضعٍ ولكنه آسر- على سبيل المثال، على الرغم من أن ماريا أنجيليس بالكاد تتحدث إلى ابنتها كلارا بعد أن علمت بخطتها لبيع الشقة، إلا أن مورا تنقل خيبة الأمل الخانقة التى تشعر بها بوضوح صامت وقاطع، إلا أن الديناميكية الأكثر كشفًا تبرز مع الأخت جوزيفا، الراهبة المُنعزلة التى تستمع بصمت إلى اعترافات ماريا أنجيليس الأكثر حميمية، مُولّدةً لحظاتٍ من الفكاهة المُحرّرة.

 تُجسّد الممثلة مورا مجموعة كاملة من المشاعر، بينما تكتسب شخصية ماريا أنجيليس تجارب جديدة؛ فهى صاخبة عندما تستضيف مقهى غير رسمى لمشجعى كرة القدم فى شقتها مقابل نقود إضافية، وعاطفية عندما تقع فى علاقة غرامية "مع تاجر التحف" أحمد بولان.

 هذه العلاقة المفاجئة فى نهاية الفيلم هى الحبكة الفرعية الأكثر تأثيرًا فى الفيلم، حيث يتم التعامل معها برشاقة وإثارة منعشة. فقد عالجت توزانى تلك العلاقه الحسية الفجائية فى هذه المرحلة العمرية بطريقة فيها تبجيل، مما سمح لمورا وبولان بخلق علاقة حميمة جذابة ومُقنعة للمشاهد.

ولكن.. بينما ماريا أنجيليس فى خضم سعادتها وازدهارها بعد انتهازها فرصتها الأخيرة فى حياة مستقلة، وبينما اشترت أثاثها تدريجيًا، وأعادت بناء حياتها كما كانت؛ تعود كلارا لتطالب برحيل أمها عن البيت، وهنا تبدأ ماريا أنجيليس التفكير فى صمت فى كيفية المضى قدمًا، بينما كلارا المثقلة بهمومها الماديه تأخذ فى التمعن بالمشكلة من وجهة نظر والدتها. من خلال هذه العلاقة المُثيرة للجدل، وكيف تتكشف أحداثها على مدار الفيلم، تُثير مريم توزاني، وهى من مواليد طنجة أيضا، صراعًا مُهمًا دون حل سهل. لا تُشارك كلارا ماريا أنجيليس إخلاصها لمدينتها الأم، ولا تفهم لماذا تُقيم والدتها فى مدينة بها عدد قليل من الأصدقاء الناجين، بدلًا من الانتقال إلى مدريد معها.. هنا تمثل الأم وابنتها صراعًا جيليًا أوسع بين جذور المجتمع الراسخة والحاجة الاقتصادية المباشرة، ولا يمكن التوفيق بين وجهات نظر ماريا أنجيليس وكلارا المتباينة بسهولة. مع ذلك، تُبدى توزانى تعاطفًا وتفهمًا كبيرًا لموقف ماريا أنجيلس، وبذلك ترسم صورة مؤثرة لمجتمع شتات آخذ فى التناقص، من خلال لوحةً فسيفسائيةً للحياة فى طنجة، بتصوير فيرجينى سوردى، الذى يُغلّف الشوارع والأماكن الداخلية بضوءٍ ذهبى..

فيلم "شارع مالقة" يُقدم تحيةً رائعةً للتقدم فى السن دون الاستسلام للشيخوخة، وللعيش كما ينبغى أن يكون - وبشروطنا الخاصة، كما أنه تحية من المخرجة لمسقط رأسها طنجة.

نبضة مسافرة

البحر لا برتقال فيه.. وأشبيلية بلا حب.. يا سمراء، أي نور نورانى.. أعيريني مظلتك.. إن وجهي يخضر بعصير النارنج والليمون.

«لوركا»

 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - وعى المصريين

فى وقت تمر به  منطقة الشرق الأوسط وكذلك الدول العربية خاصة الخليج العربى  بأصعب أوقاتها  جاء خطاب  الرئيس عبد الفتاح...

نحو الحرية - ربنا يطمنك يا ريس

في لحظات القلق التي تمر بها المنطقة، ومع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية يبحث المواطن البسيط . عن كلمة تطمئنه،

بروح رياضية - جمهور الدورات الرمضانية

هل تابعت بعض الدورات الرمضانية هذا العام؟!.. إذا كانت الإجابة بنعم فالمؤكد أنك استمتعت بكثير من المواهب والمشاهد والأحداث.. وآهات...

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...