حكايات عادية جداً - نوح «6» طالب الرضا والسلام

رصفت الحكومة الطريق الذى يمر أمام بيتي، وسَّعته وحولته إلى أسفلت، كى يربط بين قلب البلد القديم، ومدرسة ضرار الابتدائية والإعدادية المشتركة، المنشأة حديثا على الأطراف.

يُطل شباك غرفتى على الطريق، ومع ذلك هو دائما مغلق، فهذه غرفة زواجي، ولا يصح أن يُسمع لها صوت، ظل الشباك مغلقا رغم أننى طلقت منذ فترة وأعيش وحدى فى الغرفة، إنه الاعتياد، حتى جاء صباح فتحت الشباك كى أدخن سيجارة، ثم أصبحت أفتحه كل يوم، بعد أن وجدت فيه متعة مراقبة الناس.

يبدو الشباك كشاشة عرض سينمائية، يظهر الأبطال تباعا، كل فى قصته، من يضع فأسه على كتفه ويمشى حافيًا، ومن يجلس "مزنوقا" فى صندوق سيارة ربع نقل مكدسة بعمال المعمار، من يسوق بقرة ومن يسوق جرارا، من يركب دراجة ومن يركب حمارا، ومن أكثر المشاهد انتظارا، ظهور مجموعات التلاميذ الذاهبين إلى المدرسة، والأكثر متعة ظهور فريق البنات.

يوسع الناس الطريق لبنات المدرسة، يظهرن كالعساكر، أعتقد أن ذلك يعود لتوصيات الأمهات "بصى قدامك وامشى كالقطر"، تتطابق ألوان المرايل والحقائب والخطوات، حتى لا تستطيع التمييز بينهن.

فى صباح ما، توقف الفريق أمام بيتى مرتبكا، بالتدقيق، كانت هناك فتاة تخبلت فى مطب فوقعت على الأرض، التفت حولها زميلاتها، لتحجب عنها رؤية المارة، حتى تتمكن من نفض مريلتها، وارتداء طرحتها.

كان شباكى أعلى فرأيتها، شيء ما تحرك داخلي، يا الله، ما كل هذا الجمال؟    

*****

 ١٩٩٨

خططت مع أمى لأن أجرب حظى فى الزواج مرة ثالثة، كنت متفهما لرغبتها فى أن تثبت أن ابنها لا يعيبه شيء، وأنه قادر على الإنجاب، وكنت أيضًا فى حاجة لأن أطمئن على نفسي، فشاركتها البحث عن عروسة جديدة، وكل ما اشترطته أن تكون صاحبة عقل، تفهم، حتى لا تتكرر مأساة زواجى الأول، وألا تكون مريضة كزوجتى الثانية.

لم يكن سهلا أن أجد من ترضى بى وأنا أحمل سابقتين من الفشل، الناس لا تهمها أسباب الانفصال، الناس لها الظاهر، والظاهر أننى مطلق، ولدى عائلتى تاريخ طويل من الدم والنزاع.

 طرقت الكثير من الأبواب ولم تفتح، كدت أتراجع، حتى فتح لى سيد الطوَاب باب بيته، كان لديه ابنتان، زوَّج الصغرى، وبقيت الكبرى، سألني: "تقدر تأكلها وتشربها"، قلت نعم، فقال: "خدها بخلجاتها".

أغلقت شباك غرفتي، وتزوجتها، لم أقضِ وقتا طويلا فى البيت كعادة المتزوجين حديثا، كنت فى حاجة للمال بعد أنهكتنى الخسائر السابقة، فخرجت للعمل فى اليوم الرابع.

كنت أعمل وقتها فى عمارات الأوقاف بقنا، وفى كل صباح، وأنا خارج للعمل، توصينى زوجتى بشراء الشاى والسكر والزيت ومسحوق الغسيل، وكل يوم أشترى، حتى انتبهت للأمر: هل يعقل أن نستهلك كل هذا؟، كيف، وأنا لا أشرب الشاى فى البيت سوى مرتين واحدة صباحا، وأخرى بعد العشاء، وأمى وأختى لا يشربانه من الأساس؟

وفى يوم ما، وأنا أبحث على إحدى عدد العمل المفقودة، وجدت تحت السرير علبا كثيرة مرصوصة، أفتح، أجد سكر، أفتح شايا، أرزا، مسحوقا، ماذا تفعلين بكل هذه الأشياء؟

كانت زوجتى تخاف الفقر الذى عاشته فى بيت أبيها، لم أفكر كثيرًا، لم أتردد وأنا أرمى عليها يمين الطلاق، لم يعد الأمر صعبا كما المرة الأولى، أعدتها إلى بيت أبيها، بالمؤن التى ادخرتها، واتفقت معه أن أمر عليه كل شهر، كى أترك ما فيه النصيب، لا يمكن أن يكون الجوع سببا للزواج.

******

عادت أمى إلى حزنها، وعدت إلى الشباك ومراقبة الناس، ثم أدمنت مراقبة البنت التى تخبلت من قبل، اعتدت رؤيتها وحفظت مشيتها، وطريقة حملها للكتب، دون أن أعرف اسمها أو من أى بيت تكون.

ثم جاء صباح ولم تمر، ظننتها تأخرت، وبقيت منتظرا حتى طال الوقت ولم تأتِ، أدركت يومها أننى لم أكن فقط أراقبها، بل كنت أعيش على صورتها.

لم تأتِ فى اليوم الثانى أو الثالث، فذهبت لأسأل عنها، عرفت أن اسمها عفاف، وأنها من أوائل البنات اللاتى دخلن الإعدادية، وأغرب ما عرفته، أنها ابنة عمي، ابنة عبد القادر وهنية، اللذين "كسرا الحجر"، وسمحا لابنتهما بالتعليم.

كنت أعرف أن لعمى بنتا صغيرة جاءت بعد الصبيان الثلاثة بمدة، لكننى لم أرها من قبل، فلم أذهب إلى دربنا القديم منذ أن تركناه، يا له من قدر.

وعن سبب غيابها من المدرسة، عرفت أن إخوتها وجدوا رسالةً بين كتبها، رسالة حب كتبتها صديقتها لزميل فى المدرسة، انكشفت علاقتهما البريئة، وامتدّت الألسنة، وجاء اسم عفاف فى المنتصف.

اتفق إخوتها على منعها من المدرسة، ودعمتهم هنيه الأم، وتم حجز عفاف فى البيت.

******

٢٠٠٠

أيمكن أن تكون المحبة بابا للصلح؟ لماذا لا أضع قلبى على كفّي، وأمضى إليها؟ لعل ذلك يوصلنا إلى السلام، الصهر بيننا إذا تم سيكسر السنين العجاف، وقد تزوج أبوها عبد القادر من أمها هنية من أجل السلام، وطى صفحات من النزاع، لماذا لا نفعلها نحن أيضا؟

لحظة لحظة، المشكلة ليست فى الخلافات فقط، وليست فى الأرض ولا فى الثأر، المشكلة أنك مطلّق ثلاث مرات، والفرق بينك وبينها فى العمر يتجاوز الـ ١٥ عاما، هى متعلمة فى المدارس، وأنت بالكاد تعرف القراءة من الكتاب، هل ستقبل؟، وهل سيقبل عمى وإخوتها؟، والأهم هل ستقبلنى هنية أمها، هل تقبل أن يكون ابن صابرة الحزينة، زوجًا لابنتها؟

ظللت حائرا لفترة طويلة، حتى اهتديت لأن أحاول، وأن "خيركم من بدأ بالسلام".

*****

لا أعرف إن كنت أرفع قدميّ لتمشى أم أن قدمّى هى من تصحبنى لهذا الطريق؟، دخلتُ الدرب القديم، لم أطأ هذا المكان منذ كنت طفلا، كان الهواء مشحونًا برائحة الماضي، تخيلت صوت أمى يقول: "ارجع". لكننى ظللت أتقدّم، حتى وصلت البيت، وطرقت الباب.

"مين؟"، تساءل عمى من الداخل، فقلت: أنا، "أنت مين؟"، تساءل ولم أرد، فتح الباب، ظهر كما بلغنى عنه، مريضا وشاحبا، دقق النظر فى ولم يعرفني.

أنت مين؟

أنا نوح يا عم، واد أخوك.

صمت طويلا، قبل أن يتحرك ناحية غرفة الضيوف الملحقة بالخارج، ساعدته فى فتح الباب، وفى الجلوس على الدكة.

جيتلك يا عم، طالب الرضا والسلام، جيت أمد يدي، وأطوى القديم كله.

وعاوز إيه؟

 طالب إيد عفاف، بت عمي، يمكن الدم يحنّ للدم.

رأيت فى عينى عمى الدموع، حتى دخل علينا أبناؤه الثلاث، وكانوا يمشون معا ولا يتفرقون.

أنت بتعمل هنا يا ابن الـ.........

نالوا من أمي، وهم يطرودنني، ضربونى بالكفوف، بصقوا عليّ دون أن أقاوم.

 عدت وأنا أجرّ خيبتي، أدركت أن الحب وحده لا يكفى للسلام، أن النيات الطيبة وحدها لا تمحو الماضي، وأن بعض الجراح لا تندمل بالزواج، فقررت الهرب.

Katen Doe

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حك\
كنت واقفا مع رضوان، أعلى الجبل، كان متحمسًا وهو يشير إلى "الضهرة"، ويع
حكايات عادية جداً زيارة لأكبر سباق خيل شعبى فى صعيد مصر
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
نوح « 13 » ما لذَّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفقرا
عطا
عطا
عطا

المزيد من أقلام

حكايات عادية جداً- نوح «19» كن جميلًا

أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...

نحو الحرية - شكراً للرئيس

لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...

حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا

عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا

نحو الحرية - أرض الصومال

لا يمكن النظر إلى إعلان إسرائيل الاعتراف بما يعرف بـ (أرض الصومال) او (صومالي لاند) باعتباره موقعا دبلوماسيا عاديا أو...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص