السعادة ممكنة - الصداقة.. ميثاق السعادة بين الأزواج

 (تعرفى عمرى ما قعدت واتكلمت مع مراتى كده) استوقفتنى -بعد أن أفزعتنى- هذه الكلمات التى جلس الشاب يرددها على الفتاة فى أحد الأماكن العامة،

 حتى إننى تركت ما بيدى وضاعفت الإنصات، فوجدت أن الشاب الذى لم يتجاوز 40 عاما لا يتحدث مع الفتاة (التى أرادت أن تلحق بقطار الزواج ولو فى مقاعد الدرجة الثالثة، رغم كل ما يوحى به مظهرها من أناقة تدل على يسر الحال ومن أسلوب يدل على ثقافة واسعة ولباقة نادرة) إلا بكلام ممل رتيب لا تطيق أية زوجة عاقلة أو نشطة أو ذات هدف فى هذه الحياة الواسعة أن تضيع من وقتها لسماعه ولو بعض الوقت، وتعجبت لهذه الفتاة التى تسمع له بإنصات ولا تقاطعه إلا بتداخلات بسيطة جدا بين الحين والآخر، أرادت بها أن تؤكد له أنه مسموع ومفهوم ومستوعب، وتتبعا للخط التصاعدى للحديث الذى يمليه الشاب على الفتاة، تيقنت من طلبه القادم بعد قليل، وأردت لو كان بإمكانى التدخل لإنقاذهما من السقوط فى هذه الفخ الذى ظن كلاهما أن به ضالته، هو يظن أنه وجد من تستمع إليه، وهى وجدت لنفسها مبررا لأن ترتبط به، ألا وهو أنها أراحته بعد أن أتعبته الأخرى.

وبينما شرد خيالى بعيدا متذكرة "أبو العلا البشرى"، وما كان يحدث له من جراء هذه التداخلات، عدت إليهما لأجده يقول إن شقته التى هجرتها زوجته إلى بيت أهلها طلبا للطلاق تحتوى على كل ما تحلم به أية امرأة، غير أن زوجته لا يعجبها شىء وتشعره دائما بالدونية.

ولقد أثارت شفقتى هذه الزوجة التى لا أظن على الإطلاق أن الشقة بما تحتويه من كماليات تنازلت عنها طلبا للطلاق هى الشىء الذى لا يعجبها فى هذه الزيجة، وتيقنت أن هذا الرجل بتلك السذاجة والسماجة وثقل الظل وحديثه المبالغ فيه عن نفسه وإمكاناته، أشياء تهون من أجلها القصور وما تحوى.. وأتساءل:

هل كان على الزوجة أن تقدم له ما يريد على حساب أى شىء؟

وإلى أى حد يمكن للزوجة أن تستمع إلى أحاديث زوجها؟

وهل يقابل هذا الحق حق الزوجة فى استماع زوجها إليها؟

وإذا ما تزوجت منه هذه الفتاة المستمعة، هل ستسمح له بهذا الحديث الفضفاض مرة أخرى؟

أرى أن من حق الإنسان -كل إنسان- رجلا كان أو امرأة، مثقفا أو أميا، شابا أو مسنا، أن يجد من يبث إليه بما يجول بخاطره سواء كان ذلك يرقى إلى مستوى مشكلة الشرق الأوسط، أو يهبط إلى ما يوصف بالكلام الفارغ، وعليه كان على الزوجة أن تسمعه وتشاركه على وضعه على اعتبار أنه مدعاة للاهتمام، وإن لم يكن مدعاة للمناقشة ثم باستطاعتها وانطلاقا من هذا الاهتمام أن تغير مجرى الحديث.

وللأخرى أقول:

- لا يوجد مبرر واحد تقبله الإنسانية ويرضاه المجتمع لأن تساعدى رجلا على هدم حياته وبيته مهما كشف لكِ من أسرار قد تحتم عليه الانفصال عن زوجته، فغالبا ما يكذب الرجال بهذا الصدد، فهم ينسجون الحكايات الوهمية ليبرروا بها لأنفسهم قبل غيرهم إقدامهم على مثل هذه العلاقات، ليس أملا فى إقامة علاقة زوجية جديدة كما تتصور الفتيات، وإنما كنوع من التفريغ النفسى لبعض جذور تلك الحكايات التى ربما تمثل لهم مصادر إزعاج حقيقية.

وربما كانت هذه الصورة التى قادتنى الصدفة إليها شكلا أكبر تصاعدا من تلك الصور المتكررة يوميا فى مواقع العمل، حيث يظل بعض الرجال يسخرون ويتهكمون وينددون بزوجاتهم، ويثرثرون بما يصدر عنهم من سقطات إنسانية عادية، وقد يجد مثل هذا الحديث صدى أيضا لدى بعض النساء المستمعات اللواتى قد تسول لهن أنفسهن أنهن أمام الفرصة لإنقاذ هذا الزوج المسكين وإنقاذ أنفسهن أيضا من شبح العنوسة.

والحقيقة أن ثرثرة النساء فى ذلك لها شأن آخر، حيث يستهدفن بها المشاركة الفعلية لإيجاد حل لمشاكلهن الزوجية والبيتية بصفة عامة. فهن لا يستطعن الخروج من جو البيت مما يعكس ما يمثله هذا البيت من أهمية لها الأولوية العظمى فى حياتهن، فهن يثرثرن بحثا عن الصورة المثلى لحياتهن، بعكس الرجال الذين يصنعون من هذه الثرثرة جوا مرحا ومريحا يهدفون به إلى الهروب مما أثار أعصابهم أو عكر مزاجهم.. وبالطبع هذا يعكس أنانية الرجال وذاتيتهم.

وقد يأخذنى تحليلى السابق إلى الوقوف على التفاهة، الاحتواء.. كمعنيين يحملان اختلافا جذريا، ولكنهما ورغم ذلك يعبران فى مجتمعنا عن حالتين متماثلتين؛ حيث تعبر الأولى (التفاهة) وكل ما ينتمى إليها من ألفاظ عن حال الزوجة التى تثرثر فيما لا معنى له غير مبالية بذلك الزوج ذى الذهن المشغول دائما بقضايا مهمة، والثانى (الاحتواء) يعبر مع مفرداته على فقدان الزوج له إذا ما تهاونت الزوجة فى حق الاستماع إلى الثرثرة ذات اللاهدف انشغالا منها بقضايا مهمة أيضا. لماذا هذا التناقض رغم كل ما يضاف إلى رصيد المرأة يوميا من حقوق ويرفع عنها من أعباء وواجبات كبلتها أزمانا طويلة؟ وهل يكفى أن نحتمى بآراء المتخصصين التى تؤكد على أن الرجل كالطفل بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، وكما أن الأم تنصت لحديث ولدها معبرة عن اهتمام بالغ بما يجول بخاطره كمحاولة للمشاركة والاستيعاب بدلا من أن يرتمى فى أحضان أصدقاء السوء، أو تصيبه إحدى المشاكل المترتبة على ذلك، فالزوجة أيضاً لابد أن تستوعب كل ما يجول فى ذهن الرجل وتشاركه إياه ولا ترفضه كلية، بل تتسلل إليه بمنطقها الرافض رويدا رويدا دون أن تغلق الباب فى وجهه، وحتى تتمكن -ولو بعد حين- من تغيير ما يضايقها فى سماته الشخصية.

وهذا نفسه هو واجب الزوج تجاه زوجته، ولكن الحقيقة أن الزوجة أقدر من الرجل على صنع ذلك، ولا أحد يعلم لذلك سببا علميا.. إنها فطرة الله التى فطر عليها كل نفس. 

Katen Doe

دعاء السنجري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - سوريا.. أزمات لا تنتهى

ما يجرى فى سوريا اليوم لم يعد حربًا تقليدية بقدر ما هو إعادة ترتيب معقدة لخرائط النفوذ ومحاولة تثبيت أمر...

حكايات عادية جداً- نوح «19» كن جميلًا

أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...

نحو الحرية - شكراً للرئيس

لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...

حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا

عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص