السعادة ممكنة - العقاد وهرمون الحب.. علاقة غائبة

طيلة سبعة عقود وسنوات هى عمر الكاتب والمفكر عباس محمود العقاد لم تكن المرأة فيها هى شغفه الأول أو حتى الأخير

، ولم تكن هى قضيته المركزية، لم يعش عالم المرأة إلا على سبيل كونها تجربة فكرية فلسفية تستدعى العديد من الترجمات على صعيد النفس والعقل والوجدان والدوافع والأسباب .. لم يأسره هذا العالم، لم تؤثر فيه  تلك المعانى العاطفية، لم تستوقفه أحلام الشعراء ومناجاتهم، لم تهزه خيالات الأدباء، لم تستهويه تنازلات الساسة والملوك، لم يرتض أن يتأمل حركة التاريخ على نحو ما كان للمرأة فيها من دور حيوى، لم يطمح أن يكون شهريار حتى لا تستأثر شهرزاد بعقله لأنه العقل الذى يأبى أن يقاد، فكبرياؤه الذهنى كان هو الوشاح والتاج الذهبى الذى لا يخبو بريقه ولا يرى لأحد أهلية له إلا ذاته.. تلك الذات الجبارة التى ترفعت عن الكينونة الأنثوية التى حملت لواء العطاء والحب والتضحية والجمال وفيض المشاعر ورقيق الإحساسات وهالات الإلهام والدعم النفسى والروحى.

تخلى العقاد عن كل ذلك وعاش بذاته لذاته، التى أطلقها نحو عالم الفكر والثقافة والسياسة والأدب والأديان واشتبك خلالها مع قضايا عليا ومواقف عصيبة وشخصيات عصية وتأملات عميقة أفرزت قيمة وقامة لا تماثل فصارت سلطة طاغية تؤيد وتفند فى صرامة غير معهودة، لم يخضع لهوى إلا هواه وجعل من هذه الذات مقياسا ومعيارا دقيقا للأشياء بل لمنظومة الوجود، فكيف لإمرأة أن تستسلم  لعالم مجرد لا تخيم عليه ظلال الألفة والاستئناس والتواصل والحميمية وإشراقات التلاقى والاندماج، فالمرأة بطابعها الفطرى يمكن أن تعجب أو أن تفتن لكنها لا يمكن أن تنغمس أو تكون أسيرة لعالم لا يمثل بالنسبة لها سوى عالم يخلو من أن تكون هى جوهره ومحتواه، حاضره ومستقبله بل إنها تتفاءل بأن تشكل ماضيه وتكون لها البصمة البارزة التى يتحدث عنها البشر فى صناعة الرجل حين يصبح ظاهرة متفردة.

وبالطبع قد برع العقاد فى الدفاع عن موقفه الحاد من المرأة مقدما تبريرات ترتبط بحالته وطابعه فى محاولة خفية لتعميم رؤيته على ما توالى من أجيال فى صالونه الأدبى، وقد دارت نقاشات وجدالات انتصر فيها العقاد لذاته وأفحم تلامذته ومريديه.

ويبقى السؤال .. إذا كان هذا هو الموقف الفكرى من المرأة فلماذا سجل العقاد آهاته ودموعه وهواجسه وأشواقه وعواطفه المفرطة وشغفه الوجدانى إزاء المرأة فى عمله الإبداعى (سارة)؟ وكيف نفسر تلك الرسائل الملتهبة التى خطها للأديبة "مى زيادة"؟ وكيف تفجّرت ذاته لرثائها بقصيدة عصماء؟

كل ذلك وغيره مما شابه لا يؤكد غير أن الكبت الذاتى هو الذى يصنع المواقف المضادة وأن المأساوية العاطفية هى التى تحرك النقيض من المشاعر وأن كسوف البال لا يكرس سوى الإحباط وكافة النوازع السلبية التى تطفئ طاقات الروح ولا تشعلها نحو غاياتها المكبوتة.

وبالطبع لا يعنى ذلك غير أن الصدمة النفسية والروحية التى زلزلت خلجات العقاد كانت هى الباعث المحورى فى الإعراض عن المرأة.. ذلك الإعراض الذى تحول مع مراحل النضج الفكرى إلى خصومة أخفى العقاد بواعثها طارحا لها أسباباً أخرى ترتبط بالمنطق والواقع ولا ترتبط بعالمه الداخلى الذى كان يموج دائما بتقلبات مزاجية استحوذت على تلك الذات المهيبة التى أقامت وهدمت ما أرادت إلا أنها تقوقعت عند أعتاب الروضة الأنثوية.

لكن وبصفة عامة إذا أردنا أن نخضع تلك البانوراما العقادية إلى محور آخر فى التفسير والتحليل الذى ربما يكون أقرب إلى الحقيقة الموضوعية وهو أحد أهم تكهنات العلم الحديث فيما يرتبط بحركة المشاعر وتحوراتها الدائمة وربما المتناقضة، إذ أنه مؤخرا كشفت دراسة حديثة أخرجتها جامعة (ميتشيغان) بالولايات المتحدة عن مدى فاعلية  هرمون (الأوكسيتوس)  أو هرمون الحب فى تعزيز قيمة الترابط والمزاج النفسى الإيجابى ومدى تصاعد مستواه من خلال استكشاف الأنشطة التى تربط بين الجسم والعقل، من ثم فإلى أى مدى تشبع العقاد من هذا الهرمون أم أنه قد عانى غيابه وذلك هو السؤال الحاسم الفاصل قى تفكيك إشكالية شخصية عظيمة رائعة رائدة تحدت الأجيال اللاحقة فى عمق إرادتها حين تكون الثقافة هى بوابة الحياة إلى عوالم المرأة وليست المرأة هى بوابة الحياة إلى عوالم الفكر والثقافة والأدب.

 	دعاء السنجري

دعاء السنجري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،

نحو الحرية - انكسار الأخلاق

هناك قاعدة مفادها أن المجتمعات لا تنهار أخلاقيا فجأة لكنها تفقد توازنها تدريجيا حين يتغير معيار الصواب والخطأ وحين يصبح...

بروح رياضية - افعلها يا كابتن جوهر

ماذا ننتظر من وزير الرياضة الجديد؟!.. سؤال يفرض نفسه مع كل  تعديل وزارى، لكن المؤكد أن الملفات عديدة والمشكلات كبيرة...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص