عاشت الشاعرة الأمريكية "سيلفيا بلاث" (1932 – 1963) حياتها القصيرة تختنق تحت ناقوس الجرس، الذى شعرت أنه يحجب عنها الهواء ويقتل روحها ويكبل عقلها المبدع، وترى العالم
عاشت الشاعرة الأمريكية "سيلفيا بلاث" (1932 – 1963) حياتها القصيرة تختنق تحت ناقوس الجرس، الذى شعرت أنه يحجب عنها الهواء ويقتل روحها ويكبل عقلها المبدع، وترى العالم مشوهًا عبر جدرانه الزجاجية، فتقع فى براثن الإحباط النفسى والمرض العقلي. يأتى ناقوس الجرس تيمة أساسية فى روايتها الوحيدة، التى تحمل نفس العنوان، وتروى تفاصيل سيرتها الذاتية، مع تغيير أسماء الشخصيات والأماكن. "ناقوس الجرس" هى الرواية الوحيدة التى كتبتها الشاعرة الأمريكية.
نُشرت الرواية بداية تحت اسم مستعار ، "فيكتوريا لوكاس"، قبيل وفاتها منتحرة عام 1963، وأعيد نشرها للمرة الأولى باسم "سيلفيا بلاث" عام 1967 فى إنجلترا، إلا أنها لم تُنشر فى الولايات المتحدة حتى عام 1971، استجابة لرغبة والدتها وزوجها الشاعر الأمريكى "تيد هيوز" (1930 – 1998)، وذلك لأنها رواية سيرة ذاتية عن حياة الكاتبة وتطور مرضها النفسى وترددها على أكثر من مصحة للأمراض النفسية، مع تغيير أسماء الشخصيات والأماكن. فى عام 1915 اختارت جريدة الجارديان الرواية ضمن أفضل مائة رواية عالمية.
يدور السرد من منظور الفتاة الشابة "إيستر جرينوود"، الساردة، وهى فتاة جامعية متفوقة تتجاوز بأحلامها وطموحاتها تقاليد المجتمع الأمريكى المحافظ فى الخمسينيات من القرن العشرين، والتى تتجسد فى بلدتها بضاحية من ضواحى بوسطن. تحصل الفتاة المتفوقة على منحة للتدريب الصيفى فى إحدى المجلات النسائية المرموقة فى مدينة نيويورك، وتثبت جدارة كبيرة فى أعمال التحرير والمراجعة. ولكنها لم تنبهر بالمدينة الكبيرة ولا بأسلوب الحياة الصاخبة التى تبهر الفتيات فى مثل عمرها، بل انتابها الخوف والتشتت، رغم التركيز الشديد فى عملها. تعود إلى بلدتها آملة فى منحة جديدة. وكانت تقدمت لدورة دراسية فى الكتابة الإبداعية يُدرسها أحد كبار الكُتاب. ولكن تحبطها المفاجأة بأنه لم يتم قبولها فى الدورة الدراسية، فيتملكها اليأس وتُقدم على الانتحار، وتدخل فى دائرة المرض النفسي، ثم تلقى العلاج فى مصحة للأمراض النفسية، وفيها تخضع للعلاج بالصدمات الكهربائية. تتمحور أزمة إيستر فى حرصها على التميز الأكاديمى وتمردها على الدور التقليدى الذى يفرضه المجتمع الأمريكى المحافظ فى الخمسينيات على المرأة، وانحسار دورها فى الزواج والأمومة، وحرمانها من تحقيق ذاتها ومن الحريات الممنوحة للرجل فى ذلك الوقت. تدخل الرواية فى نطاق الكتابة النسوية التى تسعى لتحقيق العدالة والمساواة مع الرجل والتنديد بالأعباء التى تثقل كاهل المرأة وتخنق ملكاتها الإبداعية.
تدور رواية "ناقوس الجرس" من منظور الساردة، "إيستر جرينوود"، وتتخللها سلسلة من المشاهد الاسترجاعية، ومنها وفاة والدها بينما كانت فى التاسعة من عمرها وأثره البالغ على حالتها النفسية، وصراعها مع أمها التى تسعى لوضعها فى قالب الفتاة التقليدية المقبولة اجتماعيًا، وعلاقتها بصديقها "بدى ويلارد"، وهو ابن أسرة صديقة لأسرتها، وتخطط الأسرتان لزواجهما. تتمحور الرواية حول سمات الشخصية النسائية المقبولة اجتماعيًا آنذاك، وتتناول سعى إيستر لصياغة هويتها الخاصة، وأن تكون هى نفسها وليس ما يريدها الآخرون أن تكون عليه. تشعر إيستر بأنها سجينة لرغبات الآخرين، وتخشى من ضياع ذاتها. يلقى السرد ضوءًا كاشفًا على مشكلات المجتمع الذكورى المتعسف فى أمريكا فى منتصف القرن العشرين. تصف إيستر حياتها بأنها تختنق تحت ناقوس الجرس. ويشى ناقوس الجرس فى الرواية بالاختناق العقلى الذى يمارسه المجتمع المحيط بضغوطه المفروضة على روحها وعقلها. على مدى الرواية تتحدث إيستر عن ناقوس الجرس وكيف أنه يخنقها، وتستشعر لحظات من الصفاء عندما يُرفع عنها ذلك الناقوس. ترتبط هذه اللحظات بحالتها العقلية ومدى تأثير الاكتئاب عليها.
على مدى السرد تتردد تيمة "ناقوس الجرس" لتلقى بظلالها على الرواية، ولكن تتكاثف الإشارة الواضحة إليه بكل ما تحمل من إيحاءات فى النصف الثانى من الرواية، حيث تصف الساردة حياتها بعد المرض العقلى وتنقلها بين المصحات العقلية. فى الفصل الخامس عشر تتحدث إيستر عن الشكر والعرفان للسيدة التى تكفلت بمصاريف علاجها فى مصحة عقلية خاصة، حيث تتلقى العلاج بأسلوب أفضل وأكثر آدمية من المصحة السابقة: "أدركت ضرورة الشعور بالعرفان للسيدة جوينيا، ولكنى لم أشر بشىء. لو كانت السيدة جوينيا منحتنى تذكرة للسفر إلى أوروبا، أو رحلة حول العالم، ما شعرت اختلافًا على الإطلاق. وذلك أننى أينما جلست – سواء على سطح سفينة أو على مقهى فى أحد شوارع باريس أو بانكوك – سيلازمنى الشعور بأننى أجلس تحت نفس ناقوس الجرس الزجاجي، أعانى استنشاق هوائه العطن". وبينما تصف رحلتها إلى المصحة الجديدة فى سيارة السيدة جوينيا عبر الجسر تقول: "غطست فى المقعد الخلفى المكسو بالقطيفة الرمادية، وأغلقت عيني. وكان هواء ناقوس الجرس يفيض حولى ولا أستطيع دفعه بعيدًا". وفى الفصل العشرين، بينما تتماثل للشفاء، تقول: "يبدو العالم كابوسًا لمن يعيش داخل الناقوس الزجاجي، خاويًا وعاطلًا عن الحركة كطفل ميت". وعن رفقاء المصحة العقلية الخاصة تقول، بينما تستعد للمغادرة: "ما مدى اختلافنا فى "بيل سايز"، عن فتيات يلعبن البريدج ويثرثرن ويدرسن فى جامعة مثل التى أستعد للعودة إليها؟ فهن أيضًا يجلسن تحت ما يشبه نواقيس الجرس". وبينما تخرج من المصحة بعد أن تعافت تتساءل إيستر عما إذا كان سيعاودها المرض العقلى مصحوبًا بناقوس الجرس مرة أخرى: "لستُ على يقين. لستُ على يقين مطلقًا. أنّى لى أن أعرف أنه فى يوم من الأيام، فى الجامعة أو فى أوروبا، أو فى أى مكان آخر، لا يهبط علىَّ ناقوس الجرس مرة أخرى بصوره المشوهة الخانقة".
ومع تيمة ناقوس الجرس تلتقى تيمة المرآة، فمثلها مثل زجاج الناقوس، تعكس لها الصور مشوهة وغير حقيقية، حتى صورتها هى نفسها. وربما كان ذلك إحدى بوادر تزعزع الشعور بالهوية وتصدعها وفقدان الثقة بالنفس لديها، فهى لا تعرف هويتها ولاتثق فى قراراتها، وتعجز عن تحديد ما تريده بالفعل. ومن ثم يتكرر على مدى السرد نظرها إلى المرآة، ولكنها لا تتعرف على نفسها، إنما ترى صوراً شائهة. ففى الفصل الثاني، بينما تستقل المصعد إلى حجرتها فى الفندق بنيويورك، تطالعها سيدة صينية تحدق ببلاهة فى وجهها: "... لاحظت سيدة صينية ضخمة ملطخة العينين تحدق ببلاهة فى وجهي. بالطبع لم تكن السيدة أحدًا غيري. فقد أفزعنى ما بدوت عليه من إرهاق وتجعد". وفى حجرتها بالفندق تنظر إلى مرآة معلقة فوق المكتب: "بدت المرآة المعلقة فوق مكتبى منبعجة شائهة، يشع منها لمعان فضى شديد. بدا الوجه المطل منها مثل ذلك الانعكاس فى كرة من الزئبق المستخدم عند طبيب الأسنان". وفى الفصل العاشر، فى طريق عودتها من نيويورك إلى بلدتها، تنظر إلى نفسها فى مرآة بالقطار فترى وجهًا "يشبه هنديًا مريضًا". فى الفصل الرابع عشر، أثناء إقامتها فى المصحة العقلية، بعد إقدامها على الانتحار، تطلب مرآة من الممرضة، ولكنها لا ترى فيها سوى صورة فى إطار: "لم تكن مرآة على الإطلاق، إنما صورة. لا يمكن تحديد ما إذا كان الشخص فى الصورة رجلا أم امرأة، فالشعر محلوق تمامًا وناتئ مثل حفنة من ريش الطيور منثور على الرأس. بدا جانب من وجه الشخص قرمزيا ومنتفخًا بلا شكل محدد؛ يميل لونه إلى ظلال خضراء عبر الحواف ثم يغلب عليه بعدها لون أصفر شاحب. كان فم الشخص ذا لون بنى فاتح، مع قرحة وردية على كلا الجانبين. أما أشد ما أفزعنى فى ذلك الوجه فكان ذلك التجمع الخارق لألوان زاهية. ابتسمتُ، فانشق الفم فى المرآة عن ابتسامة عريضة". بعدها تهشم إيستر المرآة. بينما تتكاثف إيحاءات ناقوس الجرس فى النصف الثانى من الرواية، تمتد تيمة المرآة على مدى السرد من البداية إلى النهاية، ربما لتشى بالثقة المتزعزعة بالذات وفقدان الهوية، الذى أدى إلى شدة وطأة المرض النفسى وزيادة الشعور بالاختناق داخل ناقوس الجرس.
تحلق لغة الرواية فى فضاءات شعرية ذات لغة مرهفة وصور متكاثفة الإيحاءات. ومن ذلك تصوير الساردة لعجزها عن الاختيار بين تحقيق الذات والاستسلام للدور المنوط بها اجتماعيًا، من حيث الزواج والأمومة. فتُشَبه الأمر بشجرة تين مثقلة بالثمار، وهى جائعة، ولكن عليها أن تقطف ثمرة واحدة فقط: "أرى حياتى تتفرع أمامى مثل شجرة تين خضراء.... ومن طرف كل فرع، يلوح مستقبل رائع، مثل حبة تين قرمزية مكتظة. كانت إحداها زوج وبيت سعيد وأطفال، وفى حبة أخرى بدت شاعرة مشهورة، وفى أخرى أستاذة متألقة، ولاحت حبة تمثل... محررة مدهشة، وحبة تين كانت أوروبا وأمريكا وجنوب أفريقيا، وأخرى كانت... زمرة من العشاق بأسماء غريبة ومهن غير معتادة.... ووراء كل هذه الحبات وفوقها مزيد من حبات التين الأخرى لم أستطع أن أتبينها". وتجد الساردة نفسها جائعة وعاجزة عن الاختيار حتى تضيع الفرصة: "وجدت نفسى جالسة عند التقاء أحد فروع تلك الشجرة بجذعها، أتضور جوعًا، لا لشىء سوى أننى عاجزة عن اتخاذ القرار، أى حبة تين أختار! أردت كل واحدة منها، ولكن اختيار إحداها يعنى فقدان الأخريات، وبينما أجلس هناك، عاجزة عن تحديد المسار، بدأت حبات التين تتجعد وتسوَد، وتتساقط واحدة إثر أخرى، على الأرض عند قدمي".
ويصدق حدس "إيستر جرينوود"، القناع الأدبى لشخصية "سيلفيا بلاث" الحقيقية، بعد تعافيها من المرض النفسى واستعدادها للخروج من المصحة العقلية وممارسة حياتها الطبيعية: "أنّى لى أن أعرف أنه فى يوم من الأيام، فى الجامعة أو فى أوروبا، أو فى أى مكان آخر لا يهبط علىَّ ناقوس الجرس مرة أخرى بصوره المشوهة الخانقة". ففى يناير من عام 1963، بينما كانت متزوجة من الشاعر الأمريكى "تيد هيوز" ولها ثلاثة أطفال، تعود "سيلفيا بلاث" إلى الاكتئاب وعدم النوم. تصف حالتها لطبيبها المعالج بأنها كانت تستطيع ممارسة العمل والحياة مع نوبات متقطعة من الاكتئاب والانقباض النفسي، إلا أن الأمور ساءت كثيرًا تلك المرة، وانعدمت قدرتها على ممارسة الحياة اليومية، وصارت تراودها أفكار عن الانتحار. وبالفعل، وفى فبراير من العام نفسه، تعثر الممرضة التى جاءت لمساعدة بلاث فى رعاية الأطفال، على سيدة المنزل ميتة بتسمم أول أوكسيد الكربون ورأسها داخل الفرن، بعد أن عزلت الحجرات بينها وبين أطفالها النائمين بأشرطة لاصقة ومناشف وقطع من القماش. وكانت "بلاث" فى الثلاثين من عمرها آنذاك.
الاقتباسات الواردة فى هذا المقال مأخوذة عن النص الإنجليزى مباشرة، ومن ترجمة كاتبة هذه السطور.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تُعد شعيرة الحج رحلة إيمانية تتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، خاصة لكبار السن، مما يستوجب استعدادات طبية خاصة للوقاية من مخاطر...
ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...
ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...
فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...