صورة - خبز فاسد فى «معجنة» المسرح القومـى

كتب يوسف إسماعيل، مدير المسرح القومى، فى بطاقة عرض "المعجنة" معبراً عن سعادته بتقديم الشباب فى هذه التجربة، لأنه منذ توليه المنصب والمسرح يقدم أعمال كبار المؤلفين

المعجن أو المعجنة أى ما يُعجن فيه، والجمع معاجن أى آلة للعجن، والفعل عجن أى خلط الدقيق بالماء، وتقول العرب أيضاً: "يعجن أى يعتمد على يديه، والرجل العجينة أى الضعيف، هذا عن اللغة فماذا عن الكلمة إذا صارت عرضا مسرحياً، فما الذى سيتم عجنه فى الفضاء المسرحى للحكاية؟

من خلال حكاية تعتمد فى بنائها العميق على لغة الشوارع الحافلة بالإيحاءات الجنسية واللغة البذئية التى تبرز كل ما هو قبيح فى الإنسان، أبطالها شخصيات يقتاتون على الحقد والكراهية، يقوم النص المسرحى "المعجنة" تأليف سامح مهران، حيث تؤكد أفعال الشخصيات على الانهيار التام لمنظومة الأخلاق فى المجتمع المصرى خاصة فى الطبقة الشعبية موضوع الحدث، وذلك من خلال العائلة المصرية التى انهارت إلى الحضيض نتيجة لفساد وانحطاط الأب كبير العائلة، وسوف ينتهى النص بإسقاطات تاريخية غير مفهومة وغير مبررة درامياً. وأغلب الظن أن هناك فكرة نظرية أو مقولة حاول المؤلف معالجتها دراميا من خلال النص الذى منحه هذا الاسم، ربما حاول التعبير عن حالة الفوضى والتدهور الأخلاقى الذى أصاب جزءا من المجتمع المصرى خاصة فى السنوات الأخيرة ليتحول الفضاء المسرحى للحكاية إلى معجنة، لكن ليس بداخلها الدقيق والماء بل التاريخ المصرى والشعب وبالتحديد الطبقة الشعبية، واختار قالب الكوميديا وطابع السخرية. لكن ظلت الفكرة النظرية هى السائدة والأقوى، فلم تتحول إلى عمل درامى بقدر ما كانت مجموعة من المقولات والإرشادات، خفف من حدتها الطابع الكوميدى فى بعض الأحيان، لم تتحول كما يتحول الدقيق والماء إلى خبز، وظل كل عنصر على حدة داخل المعجنة، الدقيق فى ناحية والماء فى ناحية، فالتعبير الدرامى عن انهيار منطومة القيم لم يكن سوى مجموعة من الألفاظ البذيئة والإيحاءات الجنسية والأفعال الفجة من قبل الأب ناحية الأبناء والعكس، وهجوم غير مبرر على التاريخ! فظلت الدراما فى ناحية والأفكار فى ناحية. فعلى سبيل المثال حاول النص منح الشخصيات أسماء تحمل دلالات كبرى "حكاية، مفتاح، هدية، تحفة، الحلوانى"، لكنها ظلت مجرد أفكار لم تتحقق، فالأسماء لو تغيرت لن يتأثر بناء الشخصيات.

وتقريباً التزم أحمد رجب الذى أخرج العرض على خشبة المسرح القومى بالمشاهد الأربعة التى جاءت فى النص ووضعها فى فصلين، انتهى الأول بموت الأب بسبب فعل يغلب عليه طابع الفانتازيا أو اللامنطق، حيث يموت بعد أن تغضب عليه الطفلة "تحفة" وتدعو عليه بالموت فيصاب بأزمة قلبية، وأثناء لحظات الاحتضار يتشفى الابن فى موت أبيه.. وحتى هذه اللحظة نحن أمام عرض يغلب عليه الطابع الكوميدى ويعتمد على صيغ الفودفيل حيث المواقف المضحكة، والحوادث المعقدة والمفاجئة، وعلى الالتباس، لنتعرف على العائلة/ الشعب فى اللحظات الأولى، والابن "مفتاح" يلهو مع عشيقته هدية فى البيت، بينما أخته "حكاية" فى الغرفة المجاورة أيضاً مع عشيقها الذى خبأته تحت السرير حين فاجأ الأب أبناءه، لتتوالى المواقف المضحكة والمفاجئة التى تثير ضحك الجمهور بكل ما تحتويه من ألفاظ بذيئة وإيحاءات جنسية وكلمات تؤكد على فساد هذه العائلة من خلال مشهد لم يتغير، حيث يحتل البيت فضاء المسرح وتلعب الأسرّة بكل دلالتها دوراً كبيراً، فهى تروى ملامح هذه الشخصيات وعلاقتها بالعالم، فالعرض يجسدها وكأنها لا تفكر سوى فى الجنس والتآمر والحقد والكراهية، وهذه وجهة نظر المؤلف! ليموت الأب فى نهاية الفصل الأول بسبب يبدو ساذجاً حيث تنهره الطفلة "تحفة" ابنة "الحلوانى" التى ربتها انشراح بعد أن طلب منها الأب أن تعتنى بها، والحلوانى طبعا هو الذى بنى مصر وابنته تحفة رمز الحياة التى دعت على عبده رمز الشر فمات فى الحال! وفى سبيل البحث عن الكنز تستعين العائلة التى سقطت ضحية الجهل بمن يقوم بتحضير روح عبده لتدلهم على الكنز ليزدحم العرض بمزيد من الحبكات الثانوية كما يحدث فى عروض "الفارس"، وبالفعل نشاهد عبده فى ملابس الفرعون رمسيس ومعه جنوده، الفرعون الذى يعرف عنهم كل شىء، ويأخذ معه "حكاية"، والاسم لا يخلو من دلالة من وجهة نظر المؤلف، فأى حكاية سيقودها الفرعون إلى المقبرة؟ لكن الشرطة والإسعاف تنقذانها من المقبرة/ الهرم وتعود، فهل التاريخ الفرعونى سبب هذا التدهور؟.. وفى نهاية العرض تم إنقاذ حكاية. وهل عبده هذه الشخصية القبيحة امتداد للفرعون رمسيس؟ وهل هذا المزيج من أسلوب الفارس والفودفيل والذى اعتمد على الغناء والاستعراض، ومجموعة من الأفكار والقضايا الملتبسة، وحوار قوامه لغة الشارع الحافلة بالإيحاءات الجنسية يناسب المسرح القومى.. أم أن هذه التجربة بما لها وما عليها تناسب قاعة تجريبية يعرض فيها المؤلف أفكاره النظرية حول الواقع والتاريخ؟

ما حدث على خشبة المسرح القومى على مدى ساعتين تقريباً أقرب إلى المذهب الطبيعى الذى يصور الشخصيات والأحداث تصويراً فوتوغرافياً لا تعمق فيه ولا حبكة، حيث يركز على حثالة البشر الذين يعرضون علينا عللهم وآفاتهم عرضاً آلياً دون فلسفة أو جدل أو عرض لمشكلات الإنسان وقضايا المجتمع، حيث يبدأ الفصل الأول بالمشاهد الملتبسة التى تثير الضحك من خلال تسلل العشاق تحت جنح الظلام، وتقدم صورة لهؤلاء عديمى الأخلاق فهم حثالة البشر، فالأب لا يكره ابنه فقط أو العكس بل يختطف الأب عشيقة ابنه لإذلاله وهى تذهب معه طمعا فى المال وهكذا، حتى الأم التى غادرت البيت لأسباب تبدو إنسانية وعميقة تفسدها أفعالها حين تلتقى الزوج، والأغانى التى استعان بها العرض وأصبحت جزءاً من البنية الأساسية تأتى فى هذا السياق "صباحية مباركة، دماغى مضروبة، سمع هس".. فلماذا الإصرار على فساد وانحطاط الطبقة الشعبية إلى هذا الحد، حيث اللغة البذيئة والردح والأفعال المشينة فقط دون أى جانب مضىء فى هذه الشخصيات؟! ومع بداية الفصل الثانى ودخول الشيخ الذى سوف يدلهم على كنز عبده المدفون يتبارى الجميع فى البذاءة والانحطاط غير المبرر من خلال الإيحاءات الجنسية، فما إن يتفوه الرجل بكلمة لبوس ويقصد بها ملابس عبده حتى ينفجر الجميع فى حوار حول اللبوس واللباس وكل ما يخص المؤخرة! لإثارة الضحك.. وهؤلاء لم يخرجوا عن النص، وحين يظهر الفرعون بدلا من عبده، أو عبده فى ملابس الفرعون، سوف يحاول المشاهد أن يبحث عن علاقة أعمق فى هذه العائلة وعن رمز البيت والأب والأبناء، لأنه عند هذه النقطة سيكون المشاهد قد وجد نفسه يشاهد عرضاً آخر فى نفس الفضاء المسرحى بكل مفرداته، ربما يفكر فى أن المؤلف يرغب فى محاكمة التاريخ ووضعه على طاولة التشريح، لكن ظهور الفرعون فى هذه الصورة السيئة أيضاً أمر غير مفهموم، حتى لو كان يقصد مهاجمة فكرة الفرعون سياسيا خاصة أن النص نُشر عام 2013 وأغلب الظن أنه كُتب أو انتهى منه المؤلف بعد 2011 لأنه تضمن عبارات كانت تتردد فى الميادين وقت ذلك مثل "ارحل" وغيرها.

فى المعجنة وضع المؤلف الواقع والتاريخ، الأفكار والآراء، المدارس والنظريات، لكن كان ينقصها الخمير الذى يحتاجه الماء والدقيق حتى يكون عجيناً يصلح للخبز، أما الخباز الذى قام بخبز ما بداخل المعجنة فقد أضاف إليه بعض التوابل من أغان وموسيقى واستعراضات لم تكن ضرورية وليس لها أى معنى، وجاء الإناء أو المعجنة الذى احتوى هذا العجين أى البيت فضاء الحكاية الذى صممه صبحى السيد والذى حاول أن يوحى بالطراز القديم والشعبى ليحتوى على سلم كبير لن يستخدم كثيراً إلا فى أن يتحول إلى هرم حين يخطف الفرعون حكاية ويصعد به إلى المقبرة أو غرفة عبده، ودون شك نضع علامة استفهام أمام تصميم البيت الرصين والذى يبدو بهياً وجميلاً ويحتضن أسرة أصابها الفساد من كل ناحية! ولم يكن أمام الذين حملوا هذا العجين سوى تقديمه كما هو، أما الجمهور الذى من المفترض أن يأكل هذا الخبز فقد خرج جائعاً لأن معدته لم تستطع أن تقبل هذا الخبز الفاسد.


 	جرجس شكرى

جرجس شكرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - وعى المصريين

فى وقت تمر به  منطقة الشرق الأوسط وكذلك الدول العربية خاصة الخليج العربى  بأصعب أوقاتها  جاء خطاب  الرئيس عبد الفتاح...

نحو الحرية - ربنا يطمنك يا ريس

في لحظات القلق التي تمر بها المنطقة، ومع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية يبحث المواطن البسيط . عن كلمة تطمئنه،

بروح رياضية - جمهور الدورات الرمضانية

هل تابعت بعض الدورات الرمضانية هذا العام؟!.. إذا كانت الإجابة بنعم فالمؤكد أنك استمتعت بكثير من المواهب والمشاهد والأحداث.. وآهات...

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...