ترحال - نصف درجة..!

(بالله عليك ادعيلي، أحقق حلمي..وأدخل كلية الطب)، عندما قرأت تلك العبارة أو الأمنيه ـ إذا حق القول ـ علي قطعة النقود الورقية فئة العشرين جنيها، التي أعطاني إياها بائع

(بالله عليك ادعيلي، أحقق حلمي..وأدخل كلية الطب)، عندما قرأت تلك العبارة أو الأمنيه ـ إذا حق القول ـ علي قطعة النقود الورقية فئة العشرين جنيها، التي أعطاني إياها بائع الخضار المتجول كباقي حساب، أحسست بما يحس به طالب الثانوية العامة حينما يتمني بشدة أن يتحقق حلمه الوحيد بالالتحاق بالكليه التي يريدها، حتي يعبر منها الي الحياة العملية التي يأملها، ويبدأ مشوار حياته كما يرسم له في عقله الشاب..

 وأيًا كان.. من خط هذه الأمنية سواء فتاة أو شاب، والتي وزعت كعملة نقدية علي كل من وقعت في يده ودعي من قلبه لصاحبها، فإن الوسيلة التي تداولت بها هذه الأمنيه أدهشتني كثيرا، ليس لكونها خطت علي ورقة نقدية تعودنا أن لا نقرأ عليهاـ إذا وجد ـ سوي عبارات الحب أو أسماء المحبين أو أرقام مبالغ نقدية، ولكن لأن هذه الوسيلة شعرت بها أقوي وأعمق في التفاعل من كل مواقع التواصل الاجتماعي، فهي مؤثرة لدرجة لا تملك معها إلا أن تدعو لصاحبها من كل قلبك ولا تكتفي بإشارة "لايك"، ربما ذلك مرده أننا جميعا مررنا بتلك المرحلة، وتمس وترا حساسا في كل منا، فمن منا لم يتمن يومًا أن يصبح طبيبا أو مهندسا أو صحفيا أو، أو، أو؟

 وتفجرت في قلبي الأمنية العتيقة، وذكريات مرحلة الثانوية العامة كلها، وحكايا الصبا، كل يوم مررت به وأنا أنتظر النتيجة، ولحظة نشوة النجاح، وخيبة الأمل في الالتحاق بالكليه التي تمنيت بشدة، ولكنها لم تكن نهايه الحياة.. بل بدايتها..

أمنيتي أنا كما يصرح العاشق، كانت كلية الإعلام قسم صحافة، فقد وقعت عيوني بينما أنا أخطو سنواتي الأولي في الثانوية العامة علي كتاب"مذكرات صحفي في قاع المجتمع المصري" للكاتب عبد العاطي حامد من مدرسة أخبار اليوم، قضيت معه أيام وليالي أهرب من المذاكرة لأعيش مغامرات الصحفي في قاع المدينة، أصادق معه عمال التراحيل والمتسولين والخدم، وأدخل معه زنزانة السجن في لباس السجن، كنت أعيش معه حلم المغامرة وأقول لنفسي: حين أنجح في الثانوية العامة سألتحق بكلية الإعلام لأصبح صحفية مثل عبد العاطي حامد..

 ومرت سنوات الثانوية العامة والحلم يكبر.. ويكبر، وأنا أجتهد أكثر لتحقيق الحلم، وبينما أنا قاب قوسين او أدني من تحقيق حلمي، أصبت بمرض عضال ودخلت المستشفي لأخرج مريضة هزيلة تجرني قدماي الي قاعة الامتحانات، ورغم ذلك ولأنني كنت أملك حلما كبيرا بحجم الكون استطعت أن أتغلب علي المرض، ونجحت في الثانوية العامة، ولكن لسوء حظي( أو لحسن حظي كما أشعر الآن)، كان الفرق بيني وبين تحقيق حلمي للعبور الي كلية الإعلام "نصف درجه"، ولم يهزمني اليأس، فكرت: كيف لي إذن تحقيق حلمي لأصبح صحفية دون النصف درجة اللعينة تلك ودون كلية الإعلام؟

واخترت كلية الآداب، لتبدأ الحرب مع عائلتي، التي رفضت اغترابي في مدينه الاسكندرية، حسب التنسيق الذي سجلته طبقا لرغباتي دون علمهم  في أن ألتحق بكلية تتيح لي العمل كصحفية، وفي نفس الوقت لا أفارق فيها عشقي الكبير"البحر"..وقع أبي في هوة من الغضب، لأبدأ انا مرحلة التوسلات والبكاء والاستعطاف، وأحيانا التهديد بالانتحار: كيف لكم اغتيال حلمي ؟ لن أكون سوي صحفية ولن أرضي عن حلمي بديلا ولو اضطررت إلي شكواكم في قسم الشرطة؟

الشرطه؟ ويصفعني أبي علي وجهي كفاً، لم أنساه ما حييت لأن إصراري بعده علي تحقيق حلمي كان سببا في أن تقف عائلتي عاجزة مستنفذة كل الوسائل، ورأت أمي أن عمتها المسنة التي زارتنا أخيرا في بورسعيد هي الحل، أذهب عندها وأعيش في كنفها بحي جاردن سيتي العريق، وهي ستتولي مسئوليتي، خاصة أن ابنتها "سناء نظمي" كانت صحفية في وكالة أنباء الشرق الأوسط، صحيح هي معارة الآن الي بلد عربي، ولكنها حتما ستعود يوما وتقف بجانب ابنتنا.. هكذا قالت أمي لتقنع أبي، ولكن أبي عاد ليصيح في وجه أمي: تقولين القاهرة؟ المدينة الغول، كيف لي ان أأمن علي ابنتي   في القاهرة، لا لن تغترب ابنتي!..

 وهكذا.. بعد عناء شديد وتدخل الأهل والأصدقاء والعمة في القاهرة، حولت أوراقي من جامعة الاسكندرية الي كلية الآداب قسم اللغه الفرنسية، الي كليه آداب جامعة عين شمس قسم اللغة العبرية، فقد كانت اللغه العبرية هي بوابتي الي عالم صاحبة الجلالة كما نصحني الدكتور "إبراهيم البحراوي" ـ استاذ اللغه العبرية في الكلية ومحرر صفحة إسرائيليات في جريدة الأخبارـ، قائلا: هذه اللغة هي بوابتك الي عالم الصحافة.

وبالفعل بدأت حياتي المهنية أتدرب علي يد أستاذي البحراوي، الذي ساعدني كثيرا، وكان يري في شخصي صحفية مجتهدة علي أثر الأبحاث التي كان يطلبها منا نحن الطلبة، لقد قدمني د. البحراوي الي العديد من الصحف والمجلات للتدريب والعمل اثناء الدراسه، انتقلت من جريدة الي أخري أحمل قلمي وأوراقي وقبلهم حلمي حتي استقررت أخيرا في مجلتي الإذاعه والتليفزيون، لم تكون الرحلة سهلة علي فتاة صغيرة لم تتعد الثامنة عشرة من عمرها جاءت من مدينه صغيره الي المدينه الكبيره، وحيده إلا من حلمها الذي تحطم يوما علي بوابة التنسيق الجامعي، ولم يكن المشوار سهلا، فأهل المدينة لم يحملوني علي بساط علاء الدين ويطيروا بي ليل نهار ليمنحوني الأمان والاستقرار، فقد اكتشفت اليوم أنني خسرت جولات كثيرة وخدعت مرات، وتلقيت مرارا الطعنات في ظهري، لكن هذه الطعنات بالذات كانت تؤكد أنني أسير في طريقي الصحيح لتحقيق الحلم.. 

واليوم وأنا أخط لآلاف القراء تلك السطور من حياتي، أشعر بالراحة، نعم الراحة هي الكلمة، لا ..ليست "الراحة" هي الكلمة بالضبط، ثمة شعور يتخللني الآن وأجهل الاسم الدقيق له، وهو شعور امرأة رضيت بأن تنقل عبر شاشة التليفزيون لحظة ولادتها، نعم لحظة ولادة الحلم ككائن يري ويلمس..  لكنني .. وأمام تلك الأمنيه التي قرأتها صباح اليوم علي قطعة النقود الورقية لشخص لم أعرف اسمه، ولم ألتقيه يوما، أراني أعجز عن الكتابة عن شيء آخر، ربما لأنني لا أريد أن تكون كلماتي مجرد حروف تملأ صفحة ترحالي، فها أنا أنتقل من ترحال التسكع في شوارع الدنيا، الي ترحال الغوص في تلك المغارة الرهيبة "نفسي"، وعلي أرضها أفرش لكم ما يبدو للبعض حصيلة مذكرات طالبة كانت يوما في مرحلة الثانوية العامة، أفرش لكم الآن بطاقتي الصحافية والكاميرا وقلمي وأوراقي..

 هذه كلها أكومها أمامكم، لأقول لكل شاب وفتاه يحمل طموحا وفي قلبه أمنية: بالنسبة إليكم الحياة لابد ان تكون ملحمة انتصار علي اليأس.. حلما مستمرا، وحتي أن لم يتحقق علي ابواب التنسيق، فهناك التنسيق الكبير، وهو "الهدف"، ومن قبله التنسيق الأكبر، تنسيق الله عز وجل لحياتنا نحن البشر المجتهدين.

وإن كان بينكم من يحلم ويريد أن يكتب حلمه وأمنيته علي ورقة نقدية، طالبا الدعوات ممن يتداولوها، عليه أن يؤمن أولا بحلمه وبأنه قادر علي تحقيقه بمشيئة الله..

نبضة مسافرة

صافية وعذبة هي روحي..  وصافٍ وعذب هو كل ما تبقي مني وكل ما ليس بروحي

« الشاعر والت ويتمان »

 


 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،


مقالات

مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م
حديقة الأزبكية
  • الخميس، 12 مارس 2026 09:00 ص