ياسر الزيات: لولا «الإذاعة والتليفزيون» كان زمانى مدرس إنجليزى فى بلدنا

وسام ماسبيرو أسعدنى لأنه تكريم من بيتى الأول المجلة تحولت إلى مدرسة فى الصياغة الصحفية عملت شهراً فى «الديسك» دون أن أعرف اسم هذه المهنة

كنا جيلا جديدا دخل لتوه "الإذاعة والتليفزيون"، بعد التغييرات الصحفية عام 2005، نصارع من أجل البقاء فى هذا المكان المتميز، فكان الالتحاق بالمجلة ومجرد دخول ماسبيرو حلما. وقتها كان الشاعر والكاتب ياسر الزيات يطل على المجلة كنجم سينما، شكلا وموضوعا، فهو نجم عالم الصحافة الخاصة،  وصاحب التجارب المتعددة فى المدارس الصحفية المختلفة، وهو المتحقق والمتميز فى مجال الشعر.. نجم يطل على المجلة، ننظر له من بعيد فقط، فلم يكن متاحا أن نتحدث له من بعيد عن تجاربه ومغامراته فى المهنة. الزيات حصل مؤخرا على وسام ماسبيرو تكريما لمسيرته المهنية والشعرية، وكذلك تجربته المهمة فى عالم التدريب.

سألت  الكاتب والشاعر ياسر الزيات ماذا يعنى لك وسام ماسبيرو؟

وسام ماسبيرو يعنى لى الكثير، فلأول مرة أشعر بالسعادة بتكريم ماسبيرو، لأنه جاء من بيتى الذى ما زلت أحن له كثيرا، ولدىّ رغبة كبيرة فى أن أعطى له، لأنه أعطى لى الكثير، وصنع صحفيا اسمه ياسر الزيات، فلولا مجلة الإذاعة والتليفزيون كان زمانى شغال مدرس إنجليزى فى بلدنا، لكنها استقبلتنى وتعلمت من الأساتذة الكبار بها، وأخص بالذكر العظيم محمد جلال رحمه الله، الذى كانت كل جلسة معه أتعلم فيها الكثير.

حين دخلت المجلة عام 1988 كانت تضم قامات كبيرة، ويبدو أنها جينات فى المجلة، أن تستقبل كتابا وموهوبين، وكنت محظوظا جدا أن عشت مع سامى السلامونى، خيرى شلبى، جلال العشرى، خلف طايع، مجدى نجيب، سكينة فؤاد،  أحمد هريدى، هؤلاء الكتاب قامات كبيرة بينما كنت صغيرا، لم أتجاوز 19 عاما، ووجدت نفسى مسئولا عن "الديسك" فى المجلة، فقد أحدثت تحولات كبيرة فى حياتى وشخصيتى، وآخرها هذا التكريم الذى يستحقه زملاء كثر فى  المجلة، ربما أكثر منى.

 حين تعرف نفسك ماذا تقول.. هل الصحفى أم الشاعر أم خبير التدريب؟

هذا وضع معقد.. لأننى حين  دخلت عالم الصحافة كنت شاعرا، وكانت تقال جملة "إن الصحافة تقتل الشعر أو تقتل الأدب والموهبة".. وهذه المقولة غير صحيحة على الإطلاق، على الأقل فى حالتى، فقد قررت عمل شخصيتين، شخصية الصحفى منفصلة تماما عن شخصية  الشاعر، لدرجة أنه حينما صدر ديوانى الأول "أحسد الموتى" عام 2008 كان الناس يعتقدون أن هناك شخصين باسم ياسر الزيات، أحدهما صحفى والآخر شاعر، ولا علاقة بينهما.

 إذن.. كيف أثرت الصحافة على كونك شاعرا؟

كشاعر تعلمت الكثير من الصحافة، أهمها الاختزال والتبسيط، فالصحفى محدود بمساحة فى النشر، وأسمى الشعر بأنه "فن الحذف والتكثيف"، ومن الصحافة ومن محدودية المساحة وضرورة الاختصار تعلمت ذلك، وانعكس على  الشعر، تعلمت أن يكون الشعر مكثفا وأن أكتبه  بلغة بسيطة، مباشرة وواضحة، فنقلت لغة الصحافة للشعر، واستخدمت لغة بسيطة وسهلة غير معقدة.

 وكيف انعكس الشعر على عملك  الصحفى؟

مؤكد أننى استفدت من الشعر فى الصحافة، لأننى أملك اللغة، فأملك تطويعها وأستطيع حل مشاكلها فى الصحافة، ومشاكل الصياغة بسهولة، بخلاف زميل آخر صحفى ليس له علاقة بالشعر.. لدىّ حلول لغوية قادمة من  الشعر، فاستفادت الصحافة من الشعر والعكس.

 من أين جاء اسم ياسر الزيات فى الصحافة رغم أن معظم فترات عملك كانت فى "الديسك" الذى لا يذكر فيه اسم الصحفى؟

لدىّ قصة لطيفة خاصة بعملى فى "الديسك الصحفى"، وهى أننى ظللت لشهر أعمل فى هذه المهنة دون أن أعرف اسمها، فقط أشتغلها وأعملها،  وحين يسأل أحد عن موضوع يقولون إنه فى "الديسك"، ولا أعرف أنهم يقصدوننى، فقط أعرف أن الموضوع الصحفى يأتى شىء، وأحوله لموضوع جيد، أو أكتبه كما أحب  أن اقرأه.. وكان الكاتب محمد جلال يقول لى: "أنت أول قارئ وآخر كاتب للموضوع الصحفى"، اشتغل على هذا الأساس.

فى بداية عملى الصحفى، لم أرغب على الإطلاق فى أن يكون لى اسم فى  الصحافة، لأننى كنت متحققا فى الشعر ومعروفا فيه، فحدث لى نوع من الإشباع، ولم أحتج لاسم فى  الصحافة، وكانت بالنسبة لى مهمة مقابل أجر. لكن اسمى فى الصحافة له قصة، وهو أننى عملت مع أستاذى عادل حمودة  لفترة طويلة كـ"ديسك"، أى لا أكتب اسمى على الموضوعات حتى التى أعيد تخليقها، وكان الأستاذ عادل يلح علىّ أن أكتب مقالات فى جريدة "صوت الأمة"، وكل فترة يعطينى ملفا أو كتابا ويقول لى "شوف هيطلع منه إيه".

وفى مرة قال لى: "ليه مش عاوز تكتب اسمك هل انت خايف؟".. فقلت له ِإننى "فعلا خايف"، فقال "انت خايف تكتب موضوع وحش؟.. انت متخيل إنك هتكتب كل موضوع حلو، وبما أنك ستكتب  كل أسبوع مؤكد سيسقط منك موضوع"، ومن هنا جعلنى أكتب اسمى على مقالات أقدمها أسبوعيا".

لكن معظم وأغلب من عمل بشغلانة "الديسك الصحفى" قضوا أعمارهم كجنود مجهولين فيها، مثل الشاعر الكبير محمد مهران السيد الذى كان قبلى مباشرة فى ديسك مجلة الإذاعة والتليفزيون، والروائى الكبير عبدالوهاب الأسوانى كان كذلك ديسك المجلة، حتى الصحف التى تأسست لاحقا من منتصف التسعينيات "كان لازم يكون الديسك فيها من مجلة الإذاعة والتليفزيون"، فقد تحولت المجلة إلى مدرسة فى الصياغة الصحفية.

  متى بدأت كتابة الشعر؟

بدأت صغير جدا، أقلد الشعراء لأكتب جوابات لحبيبتى حتى دخولى  جامعة  سوهاج، حيث التقيت بأعضاء جماعة الشعر التى أسسها زميلنا د.عبدالناصر هلال، وكانت هذه الجماعة مؤثرة، ليس فى سوهاج فقط، لكن فى  الأقاليم المحيطة بها أيضا، حيث كانت لها سمعة كبيرة، فى محافظات الجنوب كلها: قنا، أسوان، وغيرهما، لأن أعضاءها تميزوا بالجرأة والتمرد، وكتبوا شعرا جديدا لم يكتبه أحد من قبل. وكان عمرى 19 عاما حين نشرت فى مجلة "إبداع" لأول مرة، وكان عمر عصام أبو زيد 16 عاما حين نشر فى مجلة "القاهرة" لأول مرة، وزميلنا جرجس شكرى كان صغير السن أيضا حين نشر فى "إبداع" لأول مرة، وكذلك كمال عبدالحميد أستاذ الصحافة  فى أبوظبى منذ 30 عاما. وظهر من هذه الجماعة شعراء كثر، وأثرت على الشعر فى مصر كلها وليس الصعيد فقط.

 ما شكل التغيير والتأثير الذى أحدثه أعضاء جماعة الشعر؟

غيروا شكل القصيدة وعملوا ثورة بها، ومن هذه الجماعة ظهر لأول مرة ما يسمى "قصيدة النثر"، ومن كمال عبدالحميد تحديدا، أول من كتب قصيدة النثر التى لم تكن معروفة فى مصر، رغم أنها كانت معروفة فى الشام. كما كان هناك تغيير فى كل ما يتعلق بالشعر، من لغة جديدة ورغبة فى التمرد على الشعر السائد الراكد، وتقليد شعراء الرواد: صلاح عبدالصبور، وحجازى وأدونيس.. قدمنا لغة جديدة تتواكب مع الحاجة إلى التطوير فى  الشعر المصرى، فكان جيل الثمانينيات فى مصر كلها يرغب فى التمرد والتجديد فى عالم الشعر، وأنهم لن يكتبوا كأسلافهم.

 هل تتذكر أول قصيدة نشرتها؟

نعم.. نشرت أول قصيدة فى مجلة "إبداع" فى عدد يناير 1986، وكان رئيس تحريرها الناقد د.عبدالقادر القط رحمه الله، وكان أحد أهم النقاد المصريين، وكنت طالبا فى قسم اللغة الإنجليزية بآداب سوهاج.. أرسلت القصيدة بالبريد فى نوفمبر 1985، وبعد شهرين تقريبا نشرت القصيدة،  وكان النشر فى إبداع جواز المرور لأى شاعر، حين أرسلت القصيدة للدكتور القط كان أملى أن يقرأها فقط، ففوجئت بها منشورة، فكنا محظوظين بالتعامل مع أناس بهذا الانفتاح.

 عرفت أنك جئت إلى القاهرة لتشكر  د.عبدالقادر القط بعد ذلك؟

نعم.. جئت القاهرة لأشكره، وتعجب حين رآنى أمامه، وقال أنه كان يعتقد أننى عجوز جدا، فتخوفت ألا ينشر لى مرة أخرى لأنى صغير السن، ففوجئت به يقول لى: "هل معك  قصيدة؟"، فقلت له "لا. جئت لأشكرك فقط"، فسألنى إذا كنت أحفظ قصيدة، وطلب من الكاتب عبدالله خيرت رحمه الله سكرتير تحرير المجلة آنذاك أن يعطينى ورقة وقلما لأكتب قصيدة، نشرت بعد 15 يوما، لذا حين جئت إلى وسط البلد وجدت الجميع يعرفوننى كشاعر بفعل  النشر فى "إبداع"، وكان الشعراء ينتظرون من 6 أشهر لسنة حتى تنشر لهم المجلة، لكنى كنت محظوظا، واستمررت فى الكتابة وعرفت طريق النشر، لدرجة أن من يقابلنى يسألنى إذا كانت معى قصيدة لنشرها.

 لماذا تأخر طرح ديوانك الأول "أحسد الموتى" حتى عام 2008 رغم أنه كان متوقعا أن يكون 1987 على الأكثر؟

لأننى لم أحب فكرة النشر، وأعتقد أن العمل الثقافى ينبغى أن يكون عملا أهليا، ولا يمكن أن يكون عملا حكوميا. فاخترت ألا أنشر فى مؤسسة حكومية، لأنها تستوجب أن تتقدم للنشر، وتعتمد على العلاقات، ولا أجيد هذه الأمور، فاخترت ألا أنشر فى مؤسسات حكومية. أما دور النشر الأهلى فكانت قد بدأت تطلب  مقابلا ماديا للنشر فيها، وهذا غير مقبول عندى، فمن ينشر لى يكفى تفضلا منى ألا أتقاضى منه مقابلا ماديا، لكن لا يمكن أن أدفع أنا مقابل أن ينشر لى.

 ومتى جاء احتراف العمل بالصحافة؟

هذه قصة مضحكة، فلم أكن أتخيل العمل بالصحافة، وكنت أنظر لها أنها مهنة لا تليق بشاعر، لكنى عملت بالصحافة لأنى لم أجد عملا، وكنت قد تخرجت فى آداب إنجليزى، وجئت للقاهرة بحثا عن عمل كمترجم أدب، حيث كانت تأتى الكتب آنذاك من الاتحاد السوفييتى لترجمتها ثم توقفت.. أصبحت من دون عمل وعانيت كثيرا لفترة طويلة، بلا بيت أو عمل أو مورد رزق، وكان الأديب خيرى شلبى رحمه الله هو من دعانى للقاهرة حين سمعنى فى ندوة فى سوهاج، فقررت العودة لبلدى والعمل كمدرس إنجليزى، وذهبت لأسلم على الأستاذ خيرى قبل السفر، وفعلا سلمت عليه وقلت له إننى لن آتى للقاهرة مرة أخرى، فطلب منى أن أنتظره فى مقر مجلة الإذاعة والتليفزيون فى 1117 كورنيش النيل ماسبيرو، وبعد خمس دقائق خرج وقال لى هذا مكتبك، ثم دخلت للكاتب محمد جلال وكان رئيس التحرير، وأعطانى موضوعا صحفيا وسألنى عن رأيى فيه، فقلت له "وحش جدا"، فقال لى "اعمله حلو"، وفعلا أعجبه وقال لى "اشتغل كده على طول".

ووقعت فى غرام الصحافة منذ اليوم الأول الذى ذهبت فيه للمطبعة فى دار الهلال، حيث أرسلنى الأستاذ محمد جلال للمطبعة كمسئول عن عملية المونتاج فى طبع المجلة، وكان المونتاج عملية معقدة، كنا نذهب بالماكيتات وفريق مكون من المخرج الفنى واثنان آخران من الفنيين، عم فتحى وعم محسن رشوان، اللذان تعلمت منهما الكثير، ونعمل من السادسة مساء وحتى السادسة صباحا لطبع ملزمة واحدة، أى قسم بالمجلة، ونذهب مرتين فى الأسبوع، لعمل المجلة على مرتين، كل أحد وأربعاء، ملزمة بالأبيض والأسود والأخرى بالألوان.

 لك تجربة مهمة فى عالم التدريب.. هل  عملك بالتدريب جاء صدفة؟

العمل بالديسك مجهد جدا، فعملت حيلة اعتبرها "انتهازية"، فبدلا من أن أعمل كل شىء وأبذل مجهودا كبيرا من الأفضل أن أعلم "الصحفيين"، فبدأت أعلم زملائى الأصغر، وتعودت على تعليم من يعمل معى، ولا أخفى عنه  معلومة، فالذى يعمل بالديسك لا بد أن يتمتع بصفات، مثل أنه لا يغير من زميله، ولا يحزن إذا رأى زميله يتقدم، وليس كل صحفى ينفع يكون ديسك، وليس كل كاتب جيد يصلح أن يكون «ديسكمان»، لابد من تركيبة نفسية متصالحة مع النفس، بحيث لا يغضب إذا رأى زميله يتحول لنجم، بينما يقف هو فى الخلفية، وليس كل صحفى يستطيع أن يدرب غيره، وقد وجدت التدريب مهنة مختلفة تماما عن الصحافة، مهنة لها قواعد وأصول، ومع تراكم الخبرة والعمل مع مؤسسات دولية كثيرة، تعلمت أصولها على يد مدربين من دول  العالم مثل فرنسا وأمريكا والنرويج والدنمارك، وكذلك مدربين عرب ومصريين. كما دربت كل الجنسيات العربية، ما عدا الصومال والإمارات والكويت وقطر وجيبوتى، أما باقى الدول فدربت منهم كثيرين على أمور  كثيرة فى الصحافة، مثل المعايير الدولية وأخلاقيات الصحافة، وإنتاج قصص بوسائط متقاطعة، والسرد والقصص الرقمى، والغالب عن الصحافة الاستقصائية، وإدارة المؤسسات  الصحفية.

 	أميرة حمدى

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

لسبا
يسي
رسيل

المزيد من اعلام

مسرحيات وأفلام وحفلات فى أيام العيد

تحتفل قنوات الهيئة الوطنية للإعلام بالعيد من خلال خريطة برامجية تضم برامج متنوعة وباقة من الأفلام والمسرحيات والحفلات تلبى كافة...

المسلمانى فى تكريم رموز الإبداع: دور ماسبيـرو التنويرى سيظل حاضراً وفاعلاً

كرمت الهيئة الوطنية للإعلام الشاعر الكبير فاروق جويدة، ومنحته وسام ماسبيرو، تقديراً وتكريماً لمسيرته الأدبية المتميزة، وذلك عندما حل ضيفاً...

الشاعر فاروق جويدة: ماسبيرو صفحـــة مضيئـــة فــى مشــوارى

استوعبت درس هيكل.. وعلاقتى به امتدت حتى رحيله مدين لجدتى التى فتحت أمامى آفاقا من الثقافة والجمال والخيال انتهيت من...

ياسر الزيات: لولا «الإذاعة والتليفزيون» كان زمانى مدرس إنجليزى فى بلدنا

وسام ماسبيرو أسعدنى لأنه تكريم من بيتى الأول المجلة تحولت إلى مدرسة فى الصياغة الصحفية عملت شهراً فى «الديسك» دون...