عودة ماسبيرو تؤسس لصناعة ثقيلة ذات أبعاد معنوية واقتصادية أساتذتى فى الصحافة والأدب لهم فضل فى نجاح مسيرتى نصيحة محفوظ عبدالرحمن أنقذت كتبى من الضياع فى متاهة العمل الصحفى سامى السلامونى أخرج 40 جنيهاً من جوربه وأعطاها لى على سبيل السلف مصطفى أمين اكتشف تحايلى عليه وكافأنى بمقابلته وحوار صحفى معه أمضيت أكثر من 5 سنوات دون تعيين.. وكانت أقصى مكافأة مائة جنيه
الكاتب الصحفى الكبير والباحث الأدبى إبراهيم عبدالعزيز أحد أعمدة مجلة الإذاعة والتليفزيون وأبنائها النجباء، امتدت علاقته بالمجلة لعقود، يقول إنه رغم انتهاء خدمته المهنية بمجلة الإذاعة والتليفزيون، فإن علاقته بها لم تنتهِ حتى اليوم، وستظل قائمة إلى نهاية العمر، فهى جزء أصيل من حياته. عبدالعزيز حصل على وسام ماسبيرو تكريماً لدوره الصحفى والأدبى، تسلمه من الكاتب أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، مع كوكبة من الرواد وعدد من كتاب المجلة المتميزين.
عن التكريم ومشواره الصحفى الكبير وعطائه الممتد داخل مجلة «الإذاعة والتليفزيون»، كان لنا معه هذا الحوار:
بداية.. ماذا يعنى لك وسام ماسبيرو؟
التكريم الذى نلته من الهيئة الوطنية للإعلام على يد قيادتها الطموحة النشطة، ممثلة فى شخص الكاتب أحمد المسلمانى، رئيس الهيئة، بترشيح من الزميل العزيز خالد حنفى، رئيس تحرير «الإذاعة والتليفزيون»، يعتبر اعترافاً بقيمتى ككاتب، فضلاً عن عِظم المسئولية التى يلقيها على كأهلى هذا التكريم بالاستمرار فى العطاء بتفاعل أكثر، تمدنى به الطاقة المعنوية التى أستمدها من هذا التكريم الذى يحمل أكثر من دلالة، فهو بعث جديد لتقليد قديم كان يحظى به الإعلاميون من قيادتهم فى عيد الإعلاميين، وأدعو رئيس الهيئة الوطنية لإعادته مرة أخرى فى 31 مايو من كل عام، وهو اليوم الذى انطلقت فيه أجمل عبارة «هنا القاهرة» من أول إذاعة عربية عام 1934، ومن ثم تكون مناسبة لجمع شمل الإعلاميين المصريين، القدامى والجدد، كأسرة واحدة تحمل معنى تواصل الأجيال.
أما المعنى الآخر الذى يحمله هذا التكريم فهو إيذان بعودة أنوار ماسبيرو، بعد أن غابت أو كادت تغيب، ومن ثم يصبح الأمل قائماً فى عودته إلى دوره الريادى كقوة ناعمة فى العالم العربى، ويكفى أن الفن المصرى بأغصانه المتعددة من غناء ومسلسلات وأفلام صنع لغة تفاهم متميزة بين المواطنين العرب من المحيط إلى الخليج، اسمها «اللهجة المصرية»، موازية للغة العربية الفصحى، ولا أنسى أننى حينما كنت فى زيارة المملكة المغربية فى تسعينيات القرن الماضى لمناسبة ثقافية، أن أهلنا الكرام هناك عندما علموا أننى مصرى اهتموا بى واستقبلونى مبتهجين، وقالوا لى: «أنت من بلد طه حسين وأم كلثوم وإسماعيل ياسين».
قلت إن عودة ماسبيرو لدوره الريادى يحقق الوحدة الثقافية لعالمنا العربى.. كيف؟
عودة ماسبيرو لدوره الريادى لا يحقق فقط الوحدة الثقافية لعالمنا العربى، بل إنه يؤسس لصناعة ثقيلة ذات أبعاد معنوية واقتصادية، ويكفى أن تعلموا ما تحققه المسلسلات التركية والأفلام الهندية لصانعيها من وجود أدبى وعائد بالعملة الصعبة، ومصر قادرة على أن تجدد دورها وتنافس بمبدعيها وتعود لإحياء دورها، وهذا ما دار بخاطرى وأنا أتلقى التكريم من قلعة ماسبيرو الشامخة، راجياً أن تعود فتصدح، مغردة بأغانيها ومسلسلاتها وأفلامها وبرامجها المتميزة، ومهرجان الإذاعة والتليفزيون الذى يجمع المبدعين العرب فى عاصمة العرب وهوليوود الشرق: القاهرة العامرة دائماً، نعم نحن نستطيع، والألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى، والقيادة الجديدة لماسبيرو تجدد فينا هذا الأمل الذى لم يعد حلماً وخيالاً، فوجود شخصية إعلامية مثقفة كالكاتب أحمد المسلمانى يجعل كل شىء ممكناً.
تقدّمتُ باقتراح للكاتب أحمد المسلمانى لإقامة صالون ماسبيرو الفنى على غرار صالون ماسبيرو الثقافى. فما تفاصيل المقترح؟
صحيح... أتمنى على رئيس «الوطنية للإعلام» إطلاق «صالون ماسبيرو الفنى»، فيستضيف مطربينا، لا ليتحدثوا، بل ليغنّوا، ويدخلوا البهجة على قلوب المصريين، ولو مرة كل شهر تحت مسمى «أضواء ماسبيرو» أو «ليالى ماسبيرو». وأعتقد أن على الحجار ومدحت صالح ومحمد الحلو ومصطفى قمر وتامر حسنى وغيرهم من نجوم الغناء سيرحبون، ويمكن أن يشارك فى السهرة مع مطرب كبير مطربون جدد، ممن فازوا بمسابقات الأغنية التى أقامتها القنوات الفضائية، أو تقام لهم ليالٍ خاصة بهم، فمجرد عودة نجوم الطرب سيكون بداية لتنشيط دور ماسبيرو، لامتاع جمهوره وعودته إليه.
كيف تغلبت على مصاعب صاحبة الجلالة لتصل إلى هذه المكانة؟
أساتذتى فى عالم الصحافة وفى مجال الأدب كان لهم فضل فى نجاح مسيرتى. أنا الريفى المقبل من مدينة دمنهور التى كانت بالمناسبة فى العصر القديم عاصمة الإقليم الشمالى لمصر قبل توحيد مينا للقطرين فقد جئت من بلدتى محمّلاً بالطموحات لأكون صحفياً، وأنا لا أدرى حجم المصاعب، رغم أننى كنت أحمل خطاب توصية من والد أستاذنا رجب البنا بلدياتى وكان فى مطالع ثمانينيات القرن الماضى صحفياً كبيراً فى «الأهرام»، وكان الرجل مندهشاً لجرأتى، وكيف أننى لا أعرف شيئاً عن عالم الصحافة ويجب أن أقرأ عنه قبل دخولها، و... إلخ. لا أريد الخوض فى التفاصيل، وإن كنت أحسن الظن بالرجل، فقد أراد أن يبصرنى بأن الطريق ليس سهلاً، ولكننى كنت مصمماً مهما كانت المصاعب التى سيأتى ذكرها فى حينها ولكنى أريد أن أقفز بالزمن لأقول لك إن الأستاذ رجب البنا نفسه كان ينشر لى كتبى فى «دار المعارف» حينما تولّى رئاسة مجلس إدارتها فيما بعد، وهكذا تعبث الحياة فى وجهك أحياناً، ولكن الأقدار تبتسم لك أحياناً أخرى.
الإرادة والتصميم وحب العمل أمور تصنع النجاح، أو كما يلخصها أستاذنا نجيب محفوظ حينما سألته عن كيفية تغلبه على الصعوبات التى لاقاها فقال: «بالصبر والإيمان». أما أساتذتى فى الصحافة فهما الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد والروائى القدير محمد جلال؛ أولهما منحنى فرصة التدريب بدار الهلال بمجلة «المصور»، والثانى منحنى فرصة الاستقرار بمجلة «الإذاعة والتليفزيون». أما فرصة التدريب فقد تمت بعد حكاية غريبة، لم أمكث إلا فترة قليلة، حتى كان مكرم قد أصدر قراراً باستبعاد كل دفعتى وأنا منهم طبعاً لأنه كان قد عيّن الدفعة السابقة لنا، ولا يستطيع أن يعطينا أملاً، فلنبحث عن مكان آخر. فى ذلك التوقيت بالذات وذلك توفيق من الله كنت قد أجريت حواراً مع شيخ الكتاب توفيق الحكيم، بعد أن اطمأن لى وعرف أننى بلدياته، وكان هذا الحوار بمثابة طوق النجاة لى، ولولاه لانتهى مشوارى فى الصحافة قبل أن يبدأ.
ومع ذلك لم أستمر كثيراً بدار الهلال، لعدم وجود فرصة فى التعيين، فضلاً عن قلة المكافأة التى لم تتجاوز ثلاثين جنيهاً، مما اضطرنى لمزاولة أعمال بعيدة عن الصحافة لموازنة معيشتى، فاشتغلت عامل أسانسير بفندق فى الموسكى، وعملت بمصنع لألبومات الصور، ولم يكن من الممكن التوفيق بين العمل الصحفى وأى عمل آخر، لأن الصحافة إذا أردت أن تنجح فيها فهى مثل «الفريك لا تقبل شريك» حسب المثل الشعبى، ومن ثم جاء الاستقرار بمجلة «الإذاعة»، ومنحنى فيها أستاذى محمد جلال فرصة حقيقية أصبحت من خلالها صديقاً لكل أدباء مصر ورموزها.
وتزينت مجلة الإذاعة بحواراتى مع توفيق الحكيم ونجيب محفوظ والشيخ الشعراوى وأحمد رجب ومصطفى أمين والأبنودى ومصطفى محمود ومحمود السعدنى وأحمد بهاء الدين وصلاح أبوسيف... إلى أن بلغوا 38 شخصية، وفوجئت بالمؤرخ الكبير د.عبدالعظيم رمضان يطلب منى جمع هذه الحوارات لنشرها فى كتاب فى سلسلة «تاريخ المصريين» التى كان يشرف عليها بهيئة الكتاب، وهى سلسلة لم يكن ينشر فيها إلا رسائل الدكتوراه والماجستير، فكان هذا تكريماً أدبياً ومعنوياً مبكراً، وأن ما أكتبه بمجلة الإذاعة كان مستحقاً لإصداره فى كتاب، وتوالت الكتب بعد ذلك.
كيف حدث التوازن بين العمل الصحفى والبحث الأدبى؟
شكوتُ للكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن أن عملى الصحفى يستغرقنى فلا أستطيع إنجاز كتبى، فكانت نصيحته الذهبية: «اكتب ولو صفحة كل يوم». وقد كان، ونجحت التجربة. وأتذكر واقعة طريفة مع هذا الكاتب الرائع الذى أمتعنا بمسلسلاته: «بوابة الحلوانى»، «أم كلثوم»، «ناصر 56»... إلخ. فقد أعطانى موعداً لإجراء حوار معه، ولما كنت حريصاً على الحضور مبكراً فى الموعد الذى حدده لى، فقد وجدت أن أمامى نصف ساعة، فجلست على دكة البواب حتى أبصرت الفنانة القديرة سميرة عبدالعزيز آتية، وقد عقدت الدهشة لسانها: «إيه اللى مقعدك هنا؟»، ونقلت الحكاية إلى محفوظ عبدالرحمن الذى سألنى دون أن أنتبه: «هو انت من مصر؟»، وكان يقصد ندرة الالتزام بالمواعيد.
أما أن العمل الصحفى قد خدمنى فى عملى الأدبى فلا شك فى ذلك، فقد ساعدتنى الصحافة على التعرف على كل من كنت أقرأ لهم ولا أحلم بلقائهم، فضلاً عن أن أستاذى توفيق الحكيم ساعدنى على لقاء شخصيات كان من الصعب لقاؤها؛ فكلما أصدر كتاباً جديداً كان يهديه لقمم الأدب والفكر والصحافة، وكان يحملنى هذه المهمة، فتنفتح لى الأبواب المغلقة، فأنا مقبل من عند شيخ الكتاب.
قلت إن هناك حوادث طريفة فى مسيرتك بمجلة «الإذاعة والتليفزيون».. فما أطرفها؟
خلال عملى بالمجلة وقعت لى حوادث طريفة... أذكر أننى أمضيت أكثر من 5 سنوات دون تعيين، وكانت أقصى مكافأة مائة جنيه، وكنت أكتب فى العدد الواحد ما بين ثلاثة وأربعة موضوعات، وكان رئيس التحرير محمد جلال يقسم لى أنه كلما زادت مكافأتى أعادها رئيس مجلس الإدارة إلى المائة جنيه، وكان صادقاً. وحدث أن قابلت رئيس مجلس الإدارة فى إحدى المناسبات وحدثته فى تعيينى وزملائى فى مثل حالتى، فصدمنى بقوله: «وجودكم غير شرعى»، وكأننا قوات احتلال أجنبية. ولم تكن بالطبع تكفينى المائة جنيه لاستكمال الشهر، فكان رئيس التحرير يسلفنى أربعين جنيهاً، أسددها له بعد قبض المائة جنيه، حتى جاء ذات شهر واعتذر، وكان موجوداً بمكتبه بالمصادفة الناقد السينمائى الكبير سامى السلامونى، فوجدته يحنى ظهره ويرفع بنطاله ويخرج من جورب قدمه أربعين جنيهاً ويعطيها لى على سبيل السلف، وكانت دهشتى هى نظرة الكاتب الكبير للمال ومكانه فى «فردة» جوربه، وكأنه قرأ ما قاله توفيق الحكيم فى أحد مسرحياته: «كن للمال راكباً لا مركوباً»، وهو ما أكد عندى معنى دعاء رسولنا صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل المال بين يدى وخلف ظهرى ولا تجعله فى قلبى».
وهذا ما حرصت عليه طوال حياتى رغم حاجتى للمال، حتى إن ناقدنا الفنى الكبير طارق الشناوى طلبنى ذات يوم وكنت سكرتيراً منتدباً لمجلة الإذاعة والتليفزيون لأكون مندوباً ثقافياً لصحيفة لبنانية بالمكافأة التى أطلبها، واعتذرت له يومها لعدم قدرتى على التوفيق بين عملين فى وقت واحد، ورغم دهشته التى لم ينسها طوال عشرات السنين وذكرنى بها أثناء إحدى انتخابات النقابة حاول أن ينصحنى بعدم إضاعة الفرصة، ولكننى كنت أؤمن بالمثل القائل «صاحب بالين كداب»، فضلاً عن ثقافتى الدينية بضرورة الأمانة مع النفس والإخلاص فى العمل، أملاً فى أن أكون ممن اختصهم سبحانه وتعالى فى حديثه القدسى: «الإخلاص سر من أسرارى لا أودعه إلا قلب من أحب».
ورغم أننى لم أكن معيناً بعد، كنت أحضر لقاءات رئيس الجمهورية فى معرض الكتاب، والسيدة حرمه فى معرض كتاب الطفل، ووزير الإعلام، ومع ذلك لم أحاول مفاتحته فى مشكلة تعيينى، فقد أدركت أن مثل هذا التصرف سيكون كارثة على دماغى ورئيس التحرير، إذ كيف يسمح لصحفى تحت التمرين بحضور قمة اللقاءات الرسمية؟ واكتفيت بهذه المكانة الأدبية والمعنوية، «الصيت ولا الغنى» كما يقولون.
ما ذكرياتك عن حضور الافتتاح الرئاسى لمعرض الكتاب؟
أحد لقاءات الرئيس الأسبق مبارك فى معرض الكتاب لم أكن أعرف أين ينتظر الصحفيون حتى يفرغ الرئيس من جولته بالمعرض، فرحت أتجول مع الرئيس، هو يتقدم وخلفه الوزراء ومنهم المشير طنطاوى وزير الدفاع، والدكتور الجنزورى وزير التخطيط وقتها وآخرون، حتى استلفت وجودى الغريب والمريب أحد ضباط الحرس الجمهورى الذى اكتشف هذا الشاب الصغير الذى يتحرك بحرية بين الرئيس وكبار رجال الدولة، فتصرف بذكاء حتى لا يثير مشكلة، فأشار لى بيده، فتحركت نحوه، وقال لى بكل أدب: «مكانك ليس هنا، وإنما هناك فى قاعة الانتظار». ودلنى عليها، لأجد هناك مفاجأة فى انتظارى، فقد كان أدباء مصر ينتظرون لقاء الرئيس، يتقدمهم نجيب محفوظ، وكان قد حصل على جائزة نوبل منذ فترة قصيرة، وبعد قليل دخل علينا الدكتور يوسف إدريس مندفعاً إلى حيث يجلس محفوظ، واحتضنه وسط تصفيق الحاضرين، وقال له: «لا تصدق ما يقال لك عنى»، فقد كان إدريس قد أثار ضجة وقتها، أعلن فيها غضبه لأنه كان هو المرشح لنوبل حسب قوله، وأن لجنة الجائزة أخبرته بفوزه بها قبل إعلانها، وأراد انتهاز الفرصة لمصالحة محفوظ لإثارة أى أثر سلبى من نفسه، وكانت لقطة لم تسجلها الكاميرات لانشغالها بتغطية جولة الرئيس فى المعرض.
اكتشفت يا لسعادتى أن رئيس التحرير يرسل موضوعاتى للمطبعة دون مراجعة، فقد حدث أن نشر لى حواراً مع د.حسين فوزى الشهير بالسندباد، ووصف الرئيس السادات بوصف اعتبره رئيس التحرير مسيئاً، بينما كان تقديرى أن الوصف مدح للرئيس وحكمته وطول باعه فى الخبرة السياسية. أما الاكتشاف الآخر فهو غضب زملائنا الكبار منى دون أن أدرى لذلك سبباً، فقد كان كلما «اتقمص» مع رئيس التحرير واحد منهم أو غضب لسبب أو لآخر، كان يكلفنى بعمله، فوجدت نفسى أحرر الباب الثقافى والدينى وبريد القراء... إلخ، وكأنه يراهن بى على قيامى بكل أنواع العمل الصحفى، حتى فوجئت به ذات يوم يقول لى: «انزل فوراً لإجراء حديث مع مصطفى أمين!».
وهل أجريت الحوار مع الكاتب مصطفى أمين فعلاً؟
مضيتُ إلى مكتب كاتبنا الكبير، ودخل إليه سكرتيره الأستاذ كرم، وعاد ليحبطنى بعدم الموافقة، فكتبت له ورقة وطلبت منه أن يوصلها للأستاذ، وكان مضمونها: يا أستاذ مصطفى إذا لم توافق على إجراء حديث فسيرفدنى رئيس التحرير! وعاد ليبلغنى بتحديد موعد فى اليوم التالى. المفاجأة أنه بعد إجرائى الحوار مع مصطفى أمين، وتقدمت لمصافحته مودّعاً شاكراً، قال لى مبتسماً ومشجعاً: هذه الحركات كنا نعملها ونحن صحفيين شبان مثلك. ولم أنطق... فقد اكتشف الكاتب الكبير حيلتى وكافأنى عليها بمقابلتى وإجراء الحوار، وكأننى أُعيده إلى ذكريات شبابه، حينما حاول إجراء حوار صحفى مع أم كلثوم، وكان لا يزال صحفياً ناشئاً، ولكنها امتنعت، فقال لها إن له إخوة أيتاماً ينفق عليهم، ولو لم توافق على الحديث معه لرفدته رئيس التحرير وتشرد إخوته، وهنا رقت أم كلثوم لحاله وتعاطفت معه بالحوار.
كما أذكر لكاتبنا الكبير موقفاً آخر حينما رشح لى شاعرنا الكبير أحمد سويلم كتاباً لنشره فى سلسلة «كتاب اليوم»، التى لا ينشر فيها إلا كبار الكتاب، وبدأت جريدة «الأخبار» تنوه عن كتابى فى إعلاناتها دون ذكر المؤلف، فشكوت حالى لمصطفى أمين الذى شاط فيهم، فامتثلوا وبدأوا ينشرون اسمى، وعاتبونى، وكانت حجتهم أن اسمى لا يزال جديداً على القراء، ومن ثم كانوا يمهدون بعدم ذكر اسمى منطق يغيب عنه المنطق، ولكن مؤسس «أخبار اليوم» أنصفنى، وكان كرماً وتكريماً لى من عملاق الصحافة المصرية، الذى كتب عنى مرتين فى عموده الشهير «فكرة»، وكان تكريماً آخر من أستاذ الأساتذة.
كيف بدأ شغفك بالصحافة؟
كنت محباً للصحافة، وقد مارستها فى صحيفة الحائط التى كنت أعدها، سواء بمواكبة الأحداث والتعليق عليها فى الخطبة اليومية بالإذاعة المدرسية، كما كنت أعد صحفاً مع نفسى لنفسى فى الإجازة الصيفية، وأسميها بأسماء الأحداث: النصر، الوحدة، التحرير... إلخ. فقد كنت أعد أرشيفاً من الصحيفة التى كان يأتى بها والدى يومياً، وهو ما حببنى فى الصحافة، وجعلنى أحمل حقيبتى بما كتبته وأعرض نفسى على الصحف، حتى استقر بى المطاف بمجلة «الإذاعة والتليفزيون» التى تعرفت من خلالها على كل رموز مصر، حتى أصبحت صديقاً شخصياً لكبارهم.
من أشهر هؤلاء الكتاب الكبار الذين صادقتهم؟ وكيف وظفت هذه الصداقة صحفياً؟
توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويحيى حقى وأنيس منصور إلى نهاية القائمة الذهبية، وقد تشرفت المجلة بنشر مذكرات مؤسس الإعلام المصرى د.عبدالقادر حاتم، ومذكرات أنيس منصور، ومذكرات عبدالرحمن الأبنودى، ووثائق ورسائل لم تُنشر لعميد الأدب العربى د.طه حسين، واختار توفيق الحكيم مجلتنا ليدير من خلالها معركتين هامتين، إحداهما خاصة بالتعليم والأخرى بالشعر. فقد دعا الحكيم إلى ثورة فى التعليم باعتباره قاطرة التقدم، وأدرت نقاشاً مع رجال التعليم حول هذه الدعوة، التى خُتمت بحديث مع وزير التعليم الذى اختلف مع الحكيم مستبدلاً دعوة «الثورة» بدعوة «التطوير»، ورد عليه الحكيم مصمماً على دعوته إلى «ثورة فى التعليم»، وقد كان لهذه الدعوة صداها عند الدولة المصرية وقتها، فتم عقد «المؤتمر القومى للتعليم».
أما دعوة الحكيم إلى تأصيل الشعر العربى باستلهام القرآن الكريم أسلوباً وبلاغة وروحاً، فقد استقبلها الشعراء باستنكار، معتبرين أن القرآن كتاب مقدس لا يجوز استلهامه. ولا أنسى حينما طلبت من توفيق الحكيم شهادته على مجلة الإذاعة أن كتبها بالفعل، فقد كان قارئاً لها معجباً بالخلطة الأدبية والفنية فى عهد رئيس تحريرها محمد جلال.
أما نجيب محفوظ فقد انفردت بنشر ما يدور فى لقاءاته بتلاميذه، وكان متابعاً ومتفاعلاً، ولما طلبت منه تهنئة المجلة بعيدها الماسى أملى كلمة، وحينما أراد أحد وزراء الإعلام تغيير اسم المجلة إلى «ماسبيرو»، أعلنته باعتراض الزملاء، فتضامن معنا وقال إن اسم المجلة كالماركة المسجلة لا يجوز تغييره، وكم كان ابتهاجه حينما استجاب الوزير لطلبنا بالإبقاء على اسم المجلة.
وكان أول تصريح لنجيب محفوظ على صفحات مجلتنا بالسماح بنشر روايته الممنوعة «أولاد حارتنا» إذا كتب مقدمة لها خالد محمد خالد أو الشيخ محمد الغزالى أو د.أحمد كمال أبوالمجد وهو ما تم بعد رحيله بمقدمة من أبوالمجد ولكننى أتذكر حينما عثرت على نسخة من الرواية فى طبعة لبنانية أن ذهبت إلى نجيب محفوظ أطلب منه أن يكتب لى إهداءً، يومها ردنى بحدة غير معهودة حينما قال لى: ولماذا هذه الرواية بالذات؟ فقد كانت هذه الرواية منذ نشرها بالأهرام نكبة على الرجل، فقد طُعن بسببها بعد حصوله على نوبل، كما هوجم بسببها منذ بدأ نشرها، ولما اشتد الهجوم اضطر هيكل أن ينشرها يومياً لكى ينتهى منها، بل إنه كان ينشرها بصفحة الوفيات حتى لا تستلفت النظر!
كل ذلك وطّد علاقتك بمجلة الإذاعة والتليفزيون والصحافة؟
انتهت خدمتى المهنية بمجلة الإذاعة والتليفزيون، ولم تنتهِ علاقتى بها إلى اليوم، وإلى نهاية العمر إن شاء الله، فهى جزء أصيل من حياتى، أعطيت لها ما استبقيت شيئاً على رأى أم كلثوم، ولكننى أعترف للحقيقة والتاريخ بسرّين أكشف عنهما لأول مرة براءة لذمتى وضميرى، فلم أكن أغيب عن المجلة أبداً إلا فى الإجازات الرسمية وإجازة المصيف السنوية، إلا مرة واحدة فقط «زوغت» فيها متألماً وساخطاً ومضطراً، فقد أعطانى فكرى مكرم حفيد الزعيم الوطنى مكرم عبيد موعداً ليحدثنى عن علاقة والده بالزعيم النحاس باشا حين كنت أعد لكتاب عنه لم يكتمل، وكان الموعد يتعارض مع مواعيد المجلة.
الغريب والمدهش أن زوجتى حينما كانت تصاب بوعكة صحية وتطلب أن أظل بجوارها، كنت أقسو عليها آسفاً حتى اليوم ولا آخذ بخاطرها، وأهون عليها الأمر: خذى قرص أسبرين وكوباً من الشاى وستشفين بإذن الله، وأتركها إلى عملى الذى شغل وقتى وحياتى، ولا يزال حتى أشرفت على ثلاثين كتاباً، ولا تزال فى الجعبة بقية طالما بقى فى العمر بقية، والحمد لله على ما كان وسيكون، «وكان فضل الله عليك عظيماً».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحتفل قنوات الهيئة الوطنية للإعلام بالعيد من خلال خريطة برامجية تضم برامج متنوعة وباقة من الأفلام والمسرحيات والحفلات تلبى كافة...
كرمت الهيئة الوطنية للإعلام الشاعر الكبير فاروق جويدة، ومنحته وسام ماسبيرو، تقديراً وتكريماً لمسيرته الأدبية المتميزة، وذلك عندما حل ضيفاً...
استوعبت درس هيكل.. وعلاقتى به امتدت حتى رحيله مدين لجدتى التى فتحت أمامى آفاقا من الثقافة والجمال والخيال انتهيت من...
وسام ماسبيرو أسعدنى لأنه تكريم من بيتى الأول المجلة تحولت إلى مدرسة فى الصياغة الصحفية عملت شهراً فى «الديسك» دون...