وفاء عوض: التهجير من بورسعيـد أوقعنى فى شباك الترحال

حصلت على وسام ماسبيرو عن مسيرتها الصحفية والأدبية أول رحلة لى محفورة فى ذاكرتى.. وحقيبتى لم تعرف معنى الاستقرار

حصلت الكاتبة الزميلة وفاء عوض على وسام ماسبيرو، عن رحلتها الصحفية بمجلة «الإذاعة والتليفزيون»، وكذلك عن رحلتها الأدبية كرائدة فى أدب الرحلات. ابنة بورسعيد المهجرة بعد النكسة، انعكس التهجير على نصها الصحفى والأدبى، فمع ترحالها ظلت تتحرك فى فضاء أدبى متسع، تكتب عن مدن وأماكن غريبة أو مألوفة، وكان من أهم كتبها «فى العراق.. الملائكة تموت» وكتاب «ترحال» و«إيطاليا التى أحببتها»، و«نداهة باريس»... عن الوسام والتكريم ومشوارها الصحفى حاورناها.

كيف كانت بداية رحلتك الصحفية مع مجلة الإذاعة والتليفزيون؟

دخلت المجلة شابة فى أوائل العشرينيات من عمرى، كنت حديثة التخرج، مندفعة بقدر لا يمكن لأحد أن يقف أمامى، طموحة، أمتلك من حماس الشباب ما قد يصل إلى حد الجنون أحياناً، كان كل العمر أمامى، انتكاساتى وخساراتى الشخصية كانت لا شىء أمام عشقى للأبجدية، بين جدران هذه المجلة كانت سنوات اختبار أحلام الشباب فى أن نمتطى الغيوم ونصطاد النجوم، ونكلم الفراشات، ومن ثم نغير الكون بأبجدياتنا، وطالما كانت صفحات المجلة لنا أجنحة نسابق بها الزمن، كى لا يهرب من محبرتنا. فصرت طائراً أسطورياً قادراً على الترحال، يلملم الحكايات من بقاع الدنيا وينثرها على صفحات هذه المجلة كلمات، أحياناً بيضاء، وأحياناً رمادية بلون أيامنا ومآسينا.

 هل اتسعت المجلة لكل هذه الحكايات؟

مجلتى.. أبداً لم تمل يوماً من حكاياتى، كانت وما زالت حبيبى الذى لم أفقد معه الشغف، وأبجديتى التى حملتها ودرت بها الدنيا، كم مرة شاركتنى فنجان القهوة فى المطارات الحزينة وعلى المقاهى، كم مرة رافقتنى فى مدن الدنيا نجوب حوارى وأزقة المدن العتيقة، نتلصص على العشاق، حين كنت أجلس لأكتب لها بالساعات والساعات، عن مآسى بلادنا وحروبنا وثوراتنا، كم مرة بكيت وأنا أسطر لها آلامى على أطفال العراق، وكم مرة انتشيت وأنا أكتب لها عن ولعى بسبر أغوار المجهول من أماكن وأشخاص، وكم مرة عاهدتها أن تكون صفحة ترحالى استراحة فوق بساط سحرى يحلق بعيداً عن حقول ألغامنا العربية.

 وماذا قدمتِ بها تحديداً؟

قلمى كان يستجيب -رغماً عني- لإغواء السياسة وصراع الفصائل، وقتال الطوائف، ومناوشات الحدود العربية، حتى وأنا أطوف بين مدن وعوالم مختلفة، وكانت فى كل مرة تسامحنى، وتفتح صفحاتها لتمردى، ويعلو سقفها ليستوعب عبء الكتابة فى تلك الحقول القابلة للاشتعال، فيما أنا مصرة على كونى أضيف وجهاً آخر حين أحط الترحال فى تلك الحقول، وكنت أمنى نفسى بعد كل انفجار، برحلة جديدة إلى مكان جديد، أحصد فى النهاية باقة سعادة مزهرة أقدمها لقارئ موجوع، مهموم، يتوق إلى حبة ندى تعيده للحياة.

 ما ذكرياتك معها؟

لأول مرة أرانى عاجزة عن الترحال، أشعر وكأننى مربوطة فى آلة الزمن، تسحبنى إلى الوراء، إلى لحظة وصولى محراب صاحبة الجلالة، حين بدأت أرسم فوق جدرانها لوحة لوجودى، وفى رأسى كان يسكن حلم وأغنية، لقد شدتنى الآلة الجهنمية وراءها عمراً بأكمله، وها أنا أتبعها مستسلمة: رأيتنى محررة مبتدئة أعمل بإحدى الجرائد المعارضة، أجلس أمام الأديب والكاتب الصحفى الكبير محمد جلال فى مكتبه، بمقر المجلة القديم على كورنيش النيل، حيث كان رئيساً لتحرير المجلة آنذاك، لأجرى معه حواراً حول روايته التى تحولت إلى عمل تليفزيونى «الوهم والكهف والحب»، وبعد انتهاء الحوار سألنى إذا كنت أود العمل بالمجلة، ولم أكن وقتها أتخيل أننى يمكن أن أكون واحدة من أفراد عائلة هذه المجلة العريقة، فقلت له إننى أحب العمل بجريدتى اليومية فهى تناسب تمردى وجنونى، وشكرته ورحلت، ومرت الأيام وشاء القدر أن أترك عملى بالجريدة، وبينما أنا محبطة وضعيفة وخائفة ووحيدة فى غربتى، وقد اقتلعت من جذورى وفقدت كل دعائمى، وإذا بالصديق العزيز الناقد طارق الشناوى يبلغنى بأن الأستاذ جلال يرحب بعملى معه فى المجلة، وفرحت، فقد فتحت لى طاقة نور جديدة، وركضت إلى مقر المجلة، وكان ذلك فى اليوم الأول من يناير 1988.

 كنتِ دائمة السفر والترحال، فهل كان لتهجيرك بعد النكسة دوراً فى ذلك؟

كنت أود أن لو أستقر كجذر نخلة فى أرضى.. ولكن كيف؟ وقد عبأوا شرايينى بمصل الترحال منذ كنت طفلة صغيرة، حملوها فوق شاحنات التهجير بعد نكسة يونيو 1967، جردوها من أولاد الجيران وسلالم بيتها القديم وعروستها القماش، علموها مبكراً كيف تترك فراشها الدافئ هكذا.. وترحل، قالوا لها: «الحرب هتقوم.. بورسعيد هاتنضرب، ولازم نهاجر».. وكنت أتساءل: «يعنى إيه هجرة، يعنى إيه حرب؟». ومن يومها، يوم زجوا بنا أنا وأخواتى الأربعة وأبى وأمى فوق شاحنات التهجير، لم أدمن فقط لعبة إحصاء عدد أعمدة النور وأسلاك الهاتف، وهى تعدو لاهثة خلف الشاحنات والسيارات، وأحن للنوم على أنات المحركات، ولكننى عشقت الترحال نفسه، الذى بالتأكيد أثر بشكل كبير على تجربتى الشخصية، وإحساسى بالمكان فى كل شىء من حولى.

ربما غياب المكان الأم فى طفولتى، وفى فترة مبكرة جداً من حياتى، لعب دوراً كبيراً فى محاولتى اللاشعورية لاستعادته فى النص، والسماح له بالهيمنة على مساحة كبيرة فى الكثير من كتبى ومقالاتي؛ حتى النقدية منها، إذ أصبح المكان يمثل بنية أساسية فى تجربتى، فهذا المكان الأم، الغائب.. والمتصدع فى ذاكرتى بفعل الحرب والتهجير، التى سرقته وبدلته مرات ومرات.. وغير المستقر فى حاضرى بحكم ارتحالى الإرادى إلى مدن بديلة، ناهيك أيضاً عن أنه صادف أننى أنتمى لجيل ولد على إيقاع النكبة، أو كما يحلو للبعض تسميته بـ«جيل التصدع والشتات الفكرى والمكانى».

 لماذا قلتِ إن طفولتك تقاطعت مع طفولة أبناء العراق، ولذلك جاء كتابك: «فى العراق.. الملائكة تموت»؟

لقد ضبطت نفسى ذات يوم متلبسة بالجرم المشهود، فقد تقاطعت طفولتى مع طفولة أطفال العراق، أثناء الحصار الأمريكى لها، بينما كنت فى مهمة صحفية إنسانية هناك فى منتصف التسعينيات من القرن الماضى، ومن طفولتى المبتورة بفعل الحرب والتهجير، صنعت طفولة أطفال العالم العربى فى ظل الحروب، عبر سطور كتابى الأول فى أدب الرحلة، والذى حمل اسم: «فى العراق.. الملائكة تموت»، والذى ترجم إلى اللغة الإنجليزية. وهكذا، يبدو أننا حين نجبر على الرحيل من أماكننا الأولى، ومن طفولاتنا؛ نعود إليها ربما، ولكن بشكل أكثر عمقاً، وأكثر جراحاً وقدرة على الشتات، ليس المكانى فقط، ولكن الفكرى والروحى أيضاً. فهذه الحالة من التمزق والتصدع للمكان، ومن ثم للإنسان، وهذه العلاقة الغامضة والغريبة بين المكان والإنسان، هى التى تمضى بالفرد إلى الحدود القصوى فى رحلته الحياتية.. إنها مسألة مغرية ومرهقة فى آن، وربما مردودها الإبداعى كتاب، ومخزون من الخبرات وكثير من الثراء الروحى، ولكن هذا كله عبر بحور من الألم لا شطآن لها، حتى يستقر الجسد، وترسو النفس.

 إذن انعكس السفر على نصك الأدبى والصحفى؟

فى جميع الظروف انعكس هذا السفر على النص، ففى كتابى «ترحال»، مجموعة نصوص مرتحلة، ليس فقط فى المكان، ولكن فى استدعائه للأماكن: أماكن التاريخ، وأماكن الجغرافيا، حتى أماكن الذاكرة، حيث يصبح النص بدوره غير مستقر. وحين يرى البعض فى عدم الاستقرار هذا أسلوباً غير ممل، فإن هذا الترحل فى الكتابة من شأنه أن يثرى أيضاً النص.

 هل تكتبين عن الأماكن بشكل توثيقى؟

أكتب عن مدن وأماكن غريبة أو مألوفة لى، لكن لا أكتب عنها بالمعنى الوثائقى أو السياحى أو المعلوماتى، لأنه بات لأى باحث عن معلومة، وبضغطة زر على الإنترنت، أن ينفتح أمامه عالم لا متناهٍ من المعلومات عن أى بلد يريد أن يعرفه. ما كان يهمنى هو التقاط روح هذه الأماكن بحس أدبى، وهذا لا يخلو من إدخال بعض المعلومات الوثائقية فى سياق النص، شريطة ألا يفقد النص تحليقه باتجاه أفق وخيال أوسع.

 هل طبقتِ هذا فى كتابك «إيطاليا التى أحببتها»؟

حاولت أن أطبق هذا فى كتابى «إيطاليا التى أحببتها» فعلاً، فقد تقاطعت رحلتى إليها مع الاحتلال الأمريكى للعراق، مما كان له أكبر الأثر فى نفسى، إذ كلما أحببت مكاناً ما وألفته؛ كان عليّ الرحيل عنه، فاخترت الشتات الإرادى إلى عالم آخر، ومدينة أخرى، وأناس آخرين، لا أعرف لغتهم، وباتت لدى قناعة؛ وأنا أجلس بالساعات أمام شاشة مفتوحة على جحيمنا كعرب، بأن اللغة لم تعد مهمة، بل إنها باتت شريكاً وأداة فى الجريمة البشعة عبر بعض الفضائيات المأجورة، ففضلت الهروب إلى بلد لن أتواصل مع أهله إلا بلغة الإشارة، لغة ما قبل اختراع اللغة والنفاق، حيث لن أصبح مضطرة للتواصل معهم عبر جسر اللغة المشبوه، وفيما أنا بعيدة ووحيدة هناك، بعيدة عن لغتى، وقد اقتلعت من جذورى وجردت من أقنعتى، كانت رؤيتى أشمل وأوسع، بدرجة سمحت لخيالى أن يغوص فى بحر الواقع، عبر كتابى «إيطاليا التى أحببتها» الذى ترجم إلى الإيطالية، وحاولت أن يشكل عيناً حقيقية للقارئ المصرى والعربى، يرى من خلاله صورة إيطاليا وروحها الخاصة الممتدة فى الزمان والمكان، وهى تعانق فى الوقت نفسه صورة مصر تحت عباءة تاريخ، لم يزل قادراً على إثارة الدهشة والأسئلة.

 وماذا عن رحلتك إلى باريس؟

ما لبثت أن أعود إلى وطنى، لأبدأ رحلتى الجديدة إلى «باريس»، حتى قامت ما تسمى بثورات الربيع العربى، لتتقاطع رحلتى هذه المرة فى غربتى التى امتدت لأكثر من ألف يوم، مع نزفنا وجرحنا كعرب -ليس فقط فى بلادنا- ولكن فى بلاد الغرب، لأكتشف أننى ما رحلت إلا لنفسى، فكان كتابى الرابع فى أدب الرحلة: «نداهة باريس»، الذى يقترب كما وصفه الناقد الأدبى د.سمير مندى، من سرد عجيب حول مغامرة امرأة فى مدينة غربية.. ولا فرق هنا بين الرحلة والمغامرة، فكلاهما حال من أحوال ارتياد أماكن وبلدان الغريب.. والمفاجآت أهم أحداثها، فقد كنت منقادة إلى نداهتى، التى كتبت مشاعرى وأفكارى ورؤيتى لمدينة باريس الجميلة، نداهتى.. كشفت عن الوجه الآخر لمدينة الحب والنور عبر سطورى.

 قلتِ إنك لم تقعى فى شرك النوع الرائج من أدب الرحلات.. كيف؟

كتبت ما يقارب هذا الأدب ويفترق عنه، ما يحمل بعض ملامحه ويتمرد عليه، ساعية إلى تأليف نصوص «مفتوحة» لما أحسن أنه يكتب وكما يفرض عليّ مزاجى، وهو مزاج صحفية وكاتبة تعيش فى قلب العالم، وفى صميم مآسيه المعاصرة، والتحولات التى يشهدها. فى هذا السياق، لم تعد النظرة السوسيولوجية تطغى على النص عندى، وهى التى تهدد الأدب غالباً، وتقيد فضاءه التخييلى.

 ماذا كان شعورك بأول رحلة قمتِ بها؟ وما كان الدافع لها؟

أول رحلة لى محفورة فى ذاكرتى، كوشم جنوبى قديم، كنا فى أواخر عام 1968، أى بعد النكسة، وكنت ما أزال طفلة صغيرة لم يتعد عمرى الست سنوات، مع أول أيام الصف الأول الابتدائى، فرحة بـ«مريلتى البيج» والشنطة القماش التى حاكتها لى جدتى، ولكن صوت الناظرة وهى تعلن عبر الميكروفون ضرورة مغادرة المدرسة، لتهجيرنا من مدينتنا بورسعيد، كان إنذاراً بأول رحلة أعرفها على شاحنة التهجير، رحلة قاسية مؤلمة، غيرت التاريخ كما شكلت حياتى الباقية، فلم تعد حقيبتى تعرف معنى الاستقرار.

 

 	أميرة حمدى

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

يسبس

المزيد من اعلام

مسرحيات وأفلام وحفلات فى أيام العيد

تحتفل قنوات الهيئة الوطنية للإعلام بالعيد من خلال خريطة برامجية تضم برامج متنوعة وباقة من الأفلام والمسرحيات والحفلات تلبى كافة...

المسلمانى فى تكريم رموز الإبداع: دور ماسبيـرو التنويرى سيظل حاضراً وفاعلاً

كرمت الهيئة الوطنية للإعلام الشاعر الكبير فاروق جويدة، ومنحته وسام ماسبيرو، تقديراً وتكريماً لمسيرته الأدبية المتميزة، وذلك عندما حل ضيفاً...

الشاعر فاروق جويدة: ماسبيرو صفحـــة مضيئـــة فــى مشــوارى

استوعبت درس هيكل.. وعلاقتى به امتدت حتى رحيله مدين لجدتى التى فتحت أمامى آفاقا من الثقافة والجمال والخيال انتهيت من...

ياسر الزيات: لولا «الإذاعة والتليفزيون» كان زمانى مدرس إنجليزى فى بلدنا

وسام ماسبيرو أسعدنى لأنه تكريم من بيتى الأول المجلة تحولت إلى مدرسة فى الصياغة الصحفية عملت شهراً فى «الديسك» دون...