يزعزع ثقة المجتمع فى الاستغاثات الحقيقية
لم تترك الدولة المصرية سبيلا في مواجهة ظاهرة التحرش بالفتيات، إلا وخطت فيه، ولم تترك بابا إلا وطرقته للقضاء على تلك الظاهرة التي تعد شكلا من أشكال العنف والتمييز ضد المرأة، حتى صدر القانون رقم 141 لسنة 2021، الخاص بتعديلات قانون العقوبات، وظاهرت نتائجه الإيجابية في مواجهة التحرش الجنسى.
صدق الرئيس عبد الفتاح السيسى، فى أغسطس 2021، على القانون رقم 141 لسنة 2021، الخاص بتعديل مادتيـن فى قانون العقوبات، تتعلقان بمواجهة التحرش الجنسى للفتيات، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة. وتضمن التعديل استبدال نص المادتين 306 مكرراً أ و306 مكرراً ب من قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937، بالآتى: مادة 306 مكرراً أ: يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد على مائتى ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض للغير فى مكان عام أو خاص أو مطروق، بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية، أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأى وسيلة، بما فى ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الإلكترونية، أو أى وسيلة تقنية أخرى. المادة 306 مكرر ب: يعد تحرشًا جنسيًا إذا ارتكبت الجريمة المنصوص عليها فى المادة (306 مكرر أ) من هذا القانون، بقصد حصول الجانى من المجنى عليه على منفعة ذات طبيعة جنسية، ويعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات.
ورغم أن الدولة تشن حربا شرسة ضد وقائع التحرش، حماية لكرامة المرأة، برزت على السطح وقائع أخرى لا تقل خطورة، وهي "الادعاء الكاذب بالتحرش". وهي وقائع يجرى تداولها أحيانا عبر منصات التواصل الاجتماعي، بهدف كسب التعاطف أو الانتقام الشخصي، وباتت تمثل تهديدا مباشرا للسلم المجتمعي، وتعرقل الجهود الحقيقية لحماية الضحايا الفعليين.
في الفترة الأخيرة شهدنا عددا من النماذج التي أدانتها المحاكم بسبب الادعاء الكاذب، فالبداية كانت من الفتاة المعروفة إعلاميا بـ«فتاة
الأتوبيس»، فقد قضت محكمة جنح المقطم ببراءة العامل المتهم بالتحرش بها، بعد جلستين من المحاكمة، وذلك عقب تداول مقطع فيديو وثقت فيه المجنى عليها واقعة اتهامها له بالتحرش داخل حافلة نقل عام بمنطقة المعادى، كما قضت المحكمة بـرفض الدعوى المدنية. وشهدت أروقة مجمع المحاكم أجواءً مشحونة خلال جلسة النطق بالحكم، حيث استمعت المحكمة لمرافعة نهائية من دفاع الطرفين، وطالب محامى المجنى عليها
بتعويض مدنى مؤقت قدره 300 ألف جنيه، مؤكدا أن الفيديو المصور يعد دليلا قاطعًا على تعمد المتهم إهانة موكلته واستخدام عبارات خادشة للحياء. فى المقابل، دفع محامى المتهم ببراءة موكله، مطالباً بتعويض مدنى قدره مليون جنيه، متهما الفتاة بـ«تلفيق الاتهام» بغرض الشهرة.
ومن فتاة الأتوبيس لفتاة حلوان، عندما أثارت واقعة فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي فى منطقة حلوان جدلا واسعًا، بعد ادعاءات تحرش تقدم بها عدد من الفتيات ضد شاب يُدعى "محمد. ن". فيما نفى الأخير جميع الاتهامات، مؤكدًا أن كاميرات المراقبة لم ترصد أى تصرف مشين منه، وأن الواقعة مرتبطة بخلافات عائلية قديمة، يسعى الطرف الآخر لاستغلالها ضده. أجهزة وزارة الداخلية فرغت كاميرات المراقبة المحيطة بالمنطقة للتحقق من التسلسل الزمنى للأحداث، واستدعت جميع الأطراف والفتيات الظاهرات فى الفيديو، إضافة إلى فحص الهواتف المحمولة للتأكد من وجود أى رسائل أو تهديدات متبادلة.
وأكدت بطلة الفيديو، أن الشاب الذى ظهر فى المقطع ابن عمها، وأن النزاع بينهما يعود إلى خلافات على الميراث، وليس تحرشًا كما أُشيع. وقالت: "صورته فقط لأثبت حضوره أمام أهلى بعد إنكاره المتكرر، لم أتعرض لأى تحرش، وكل ما حدث كان محاولة لتوثيق إساءته ومحاولاته للضغط على
عائلتي". وأضافت أنها لم تحرر أى محضر بالتحرش، وأن هناك قضايا منظورة أمام القضاء بسبب نزاع الميراث. وكشف الشاب عبر "الفيسبوك"، تعرضه لاَتهام مفاجئ بالتحرش من ثلاث فتيات أثناء سيره بأحد الشوارع، موضحا أنه كان عائدًا من عمله متجها لإصلاح هاتفه داخل محل فى منطقة حلوان، عندما اقتربت منه الفتيات بشكل مفاجئ، وصورنه بهواتفهن المحمولة، فيما صرخت إحداهن واتهمته بالتحرش دون أى سبب، على حد قوله، مشيرًا إلى أن كاميرات المراقبة الموجودة فى محيط الواقعة وثقت ما حدث بالكامل، وأثبتت عدم صحة الاتهامات الموجهة إليه.
وذكر الشاب أن الواقعة تأتي فى إطار محاولات للضغط عليه وايبتازه، للتنازل عن قضية سابقة، رفعها ضد والد وشقيق إحدى الفتيات، بعد اتهامهما بالتعدى عليه والتسبب فى إصابته، وأنه حصل على أحكام قضائية ضدهم.
ومن فتاة حلوان إلى واقعة "فتاة الأوبر"، التى أثارت تفاعلا واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي فى مصر، إذ تحولت قصة فتاة زعمت تعرضها للتحرش من سائق بـإحدى شركات النقل الذكي إلى قضية اتهام بتلفيق البلاغ، فيما دخلت نقابة الصحفيين على خط الأزمة، مؤكدة أن المدعية "منتحلة صفة صحفية"، وأعلنت اتخاذ إجراءات قانونية بحقها. أثارت الفتاة حالة قوية من الجدل والغضب معا، بعدما اتهمت سائقاً بالتعدى عليها والتحرش بها جنسيا، إذ تمكن السائق من تصوير مقطع فيديو لها أثناء افتعال الإصابات فى نفسها، ومهاتفة شرطة النجدة للقبض عليه باتهامات مزيفة. ويظهر المقطع الفتاة وهي تسب السائق بألفاظ غير لائقة، بعد أن طالبها بدفع ثمن الرحلة فور وصولها، ثم مزقت جزءاً من فستانها، وإحداث جرح سطحي قرب رقبتها، مهددة السائق بأنها ستسجنه، قبل أن تتصل على شرطة النجدة للإبلاغ عن تعرضها للتعدي والتحرش.
فيديو السائق انتشر بسرعة كبيرة، وأثار حالة من الجدل فى مختلف المنصات. وفور انتشاره تحركت الأجهزة الأمنية للقبض على الفتاة. كما أثارت الواقعة الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي حول أزمات تطبيقات النقل الذكية، من جانب السائقين أو الركاب، والتي تحتاج إلى تدخل فعال من أجهزة الدولة لضبط العلاقة بين الطرفين، فيما تواجه الفتاة اتهامات بالبلاغ الكيدى الكاذب، وتلفيق الواقعة.
وقال مصدر أمنى فى وزارة الداخلية المصرية إن الأجهزة الأمنية تمكنت من إلقاء القبض على "فتاة أوبر"، خلال ساعات قليلة بعد انتشار مقطع الفيديو، فى إطار حرص وزارة الداخلية على تحقيق الأمن ومنع الجريمة من هذا النوع. وأوضح أن المقطع أظهر الفتاة تختلق واقعة التعدى عليها، إذ إن قائد
السيارة كان يستهدف إثبات براءته من تهمة التعدى عليها أو إحداث أى إصابات بها.
وأضاف: "بعد القبض عليها، أصرت الفتاة على أنها تعرضت للاعتداء، لكنها قالت إن السائق تعدى عليها بالضرب داخل السيارة، قبل أن تغادرها، وليس خارج السيارة، وهو ما دفعها إلى اتهامه بضربها، واختلاق الإصابة التى لم تكن قد حدثت لها بالفعل، رغبة فى الانتقام منه". وكشفت التحريات الأمنية أن الفتاة أعدت المحتوى الرقمى وفبركت تفاصيل الأزمة برمتها، فى محاولة لخلق حالة من التعاطف وتحقيق الانتشار على منصات التواصل، قبل أن تصتدم أقوالها بنتائج الفحص الدقيق والبحث الميدانى الذى أجرته الأجهزة الأمنية.
وأكد مصدر أمنى مطلع أن التحريات أثبتت عدم انتماء الفتاة للمجال الصحفى أو الإعلامى على الإطلاق، مبينا أنها تعمل فى أحد محال بيع العطور. وأقرت الفتاة الشاكية -خلال مواجهتها بالتحريات والأدلة- بالعدول عن أقوالها، واعترافها الصريح بفبركة الواقعة واختلاق الاتهام بحق سائق السيارة، دون سند واقعى أو دليل صحى.
المستشار أحمد الخطيب، رئيس محكمة الاستئناف السابق، أوضح أن لجوء بعض الفتيات لافتعال وقائع تحرش وهمية يمثل "خيانة للقضية النسوية"؛ إذ يؤدى تكرار هذه الادعاءات الكاذبة إلى زعزعة ثقة المجتمع فى الاستغاثات الحقيقية، ويخلق حالة من "التشكيك المسبق" التى قد تظلم
ضحايا حقيقيين فى أمس الحاجة للمسانده. فالعدالة لا تكتمل إلا بصدق الرواية، واستخدام قضايا الشرف وسيلة لتصفية الحسابات جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية.
وأضاف: يد العدالة لا تغفل عن كشف هذه الحيل، فبمجرد ورود بلاغ بالتحرش تبدأ الأجهزة الأمنية فحصا تقنيا دقيقا، يشمل تفريغ كاميرات المراقبة فى محيط الواقعة، وسماع أقوال شهود العيان، وفحص التناقضات فى أقوال المدعية. وحين يثبت كذب الادعاء، تنقلب الآية وتتحول "المجنى عليها المزعومة" إلى متهمة بموجب قانون العقوبات المصري، لأن المادة 303 من قانون العقوبات تنص على معاقبة كل من قذف غيره بالحبس والغرامة، كما تنص المادة 135 على عقوبة الحبس والشرط لكل من أبلغ بلاغا كاذبا بوقوع جريمة لم تحدث، وتشتد العقوبة إذا ألحق البلاغ الكاذب ضررا جسيما بالمتهم البريء، خاصة وأن اتهام التحرش يمس السمعة والشرف، وهو ما يجعل القضاء يتعامل بحزم مع هذه الوقائع، لردع كل من تسول له نفسه العبث بمحرر المحاضر الرسمية.
واختتم الخطيب حديثه قائلا: مكافحة التحرش قضية وطن، والصدق هو السلاح الوحيد لضمان معاقبة الجناة الحقيقيين. لذا، يبقى الوعى القانونى والوازع الأخلاقى حائط الصد الأول أمام تلك البلاغات الكاذبة، التى تضلل العدالة وتسيء لسمعة المجتمع، لأن شرف الإنسان أغلى من أن يكون مادة لـ"التريند" أو وسيلة للانتقام.
بينما قالت إنجى الكاشف المحامية إن ما فعلته "فتاة أوبر" جريمة خطيرة تهدد أمن المجتمع، لأنها لولا تصوير واقعة التلفيق، لكانت ألقت بشخص بريء إلى السجن بتهمة التعدى والتحرش. موضحة أن خطورة التلفيق لم تكن لتتوقف عند هذا الحد، ففى حال عدم قدرة السائق على إثبات براءته، ربما كانت المحكمة وجهت له تهمة "احتجاز أنثى"، واتهامات أخرى قد تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد، وغرامة بملايين الجنيهات. مشيرة إلى أن عقوبة تلفيق الاتهامات أو تقديم البلاغ الكاذب تصل وفق المادة 305 من قانون العقوبات إلى الحبس عامين، أو الغرامة المالية، أو بكلتا العقوبتين فى حال قناعة المحكمة بالتهمة.
وأضافت الكاشف: لكي يُدان الشخص بجريمة التلفيق، هناك أركان يجب توافرها، أهمها كذب البلاغ، أو أن تكون التهمة أو الواقعة غير صحيحة ولم تحدث، وأن يكون المبلغ يعلم يقينا بكذب ما ينسبه إلى الشخص البرىء، وكل هذه العناصر قد توافرت لدى جهات التحقيق".
وفيما يتعلق بإمكان مضاعفة الاتهامات لفتاة أوبر بسبب بلاغها الكاذب، قالت الكاشف: يحق لمن تم تلفيق التهمة له -وهو السائق- بعد حصوله على حكم نهائى بالبراءة، أن يلجأ إلى القضاء لرفع دعوى تعويض مدني، للمطالبة بَجبر الضرر المادى والأدبى الذى أصابه نتيجة الاتهام.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رفض كتابة قائمة منقولات لابنته بمليون جنيه زواج الفتاة ليس صفقة ولا تجارة حتى يتمسك أولياء الأمور بالمظاهر المادية.. وإنما...
"فشر الكلب هول". ترفض الذائقة الشعبية التشبيه بالكلب، والراسخ فى المعتقد هو الحط من قدر الشخص وتوجيه أبشع الإهانات له...
خطوة لتحويل القاهرة التاريخية إلى متحف مفتوح تأهيل المسار العلوى للمجرى المائى وتز ويد امتداد السور بأحدث تقنيات الإضاءة