افتتح الخديو عباس حلمى الثانى مقره القديم فى 1904 افتتح الخديو عباس حلمى الثانى المتحف رسميا فى حفل مهيب حضره رجال الدولة والعلماء من مختلف جامعات أوروبا أول أمين للمتحف الجيولوجى البريطانى «تشارلز بيتنل» وظل المتحف منذ ذلك اليوم منارة علمية
في موعدنا الأسبوعى مع "فسحة وحكاية"، لن نأخذكم إلى متنزه أو حديقة ترفيهية، بل سنصطحبكم فى رحلة استثنائية عبر آلة الزمن، لنزور واحدا من أعرق المنابر العلمية في العالم، وأقدم متحف جيولوجى فى الشرق الأوسط وأفريقيا، والرابع ترتيبا بين متاحف الأرض قاطبة.. إنه المتحف الجيولوجى المصرى، ويعد المعرض الحى الذى يروى سيرة الأرض، منذ أن كانت حمما بركانية ثائرة، وحتى استقرت لتصبح مهدا للحضارة الإنسانية.. تعالوا معنا نقتفى أثر الحكاية من بدايتها، ونعرف كيف تحولت الصخرة إلى وثيقة تاريخية.
منذ أكثر من مائة وخمسين عاما، وتحديدا في عصر النهضة المصرية الحديثة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان الخديو إسماعيل (١٨٦٣) - (۱۸۷۹) يريد نقل مصر نقلة نوعية تجعلها تضاهى، بل وتتفوق على العواصم الأوروبية في مجالات الإدارة والعمارة، والثقافة والعلوم. وفي إطار هذا الحلم، أدرك الخديو أن قوة أي دولة حديثة تكمن فى معرفة ما تمتلكه من ثروات طبيعية تحت أرضها.
قبل عام ١٨٩٦ ، كانت عمليات التنقيب عن المعادن والصخور في مصر تتم بشكل عشوائي وفردي، وغالبا كانت تقع تحت وطأة المغامرين الأجانب الذين يبيعون المكتشفات للخارج. ولكن مع اتساع رقعة الدولة، والحاجة الماسة لإنشاء شبكات السكك الحديدية، وحفر القنوات المائية، وتحديد مواقع المياه الجوفية، واستخراج الفحم والمعادن لإدارة المصانع ظهرت الحاجة الملحة لتأسيس كيان علمى رسمي.
وفي عام ١٨٩٦، وتحديدا في أواخر عهد الخديو توفيق وبدايات عهد الخديو عباس حلمي الثاني، تأسست إدارة "المساحة الجيولوجية المصرية" كإدارة تابعة لمصلحة المساحة والمناجم.
وكانت هذه الخطوة بمثابة إعلان رسمى عن ولادة علم الجيولوجيا الجغرافي في مصر، لتصبح مصر من أوائل دول العالم التي تمتلك جهازا حكوميا منظما الدراسة طبقات الأرض.
عبقرية السير هنرى ليونز
بدأت مصلحة المساحة الجيولوجية بإرسال بعثات علمية مكثفة ومجهزة إلى عمق الصحراء الشرقية، وجبال البحر الأحمر، وشبه جزيرة سيناء وأعماق الصحراء الغربية، وتحديدا منخفض الفيوم والواحات عاد هؤلاء العلماء والجيولوجيون الأوائل محملين بصناديق لا حصر لها من العينات صخور نادرة خامات معادن لم تكن معروفة من قبل، وحفريات مذهلة لحيوانات ونباتات بائدة.
هنا ظهر دور العالم البريطاني الفذ السير هنری جیورج ليونز الذي تولى إدارة مصلحة المساحة المصرية. لم يكن "ليونز" مجرد مدير بيروقراطي بل كان جيولوجيا عاشقا للتراب المصرى ومستشرفا للمستقبل. نظر "ليونز" إلى آلاف العينات المكدسة في مخازن المصلحة، وقال جملته الشهيرة التي حفظها التاريخ "إن هذه الكنوز ليست ملكا للغرف المغلقة، بل هي ملك للإنسانية والشعب الذي خرجت من أرضه، ويجب أن تعرض في مكان يليق بعظمتها". تنقل "ليونز" بين المكاتب الحكومية، مستندا إلى التقارير العلمية المبهرة التي تؤكد أن ما عثر عليه في منطقة جبل قطراني" بالفيوم من حفريات فقرية الحيوانات منقرضة يعد كشفا أبهر الأوساط العلمية العالمية وأقنع الإدارة السياسية المصرية، وصدر القرار التاريخي من الخديو عباس حلمى الثاني بالموافقة على بناء أول متحف جيولوجي مستقل في المنطقة العربية والإفريقية.
لم تكن قصة مبنى المتحف الجيولوجي مجرد عملية بناء تقليدية، بل حكاية درامية طويلة تلخص تقلبات الزمن والتوسع العمراني للعاصمة المصرية في رحلة مليئة بالصمود والتحديات ومعارك النقل التي قادها جيولوجيون مصريون الحماية ذاكرة مصر الصخرية.
العصر الملكي الفاخر
في عام ١٩٠١، بدأت أعمال البناء الفعلى للمتحف. واختارت الحكومة المصرية له موقعا استراتيجيا فائق الأهمية والجمال في ذلك الوقت داخل حديقة وزارة الأشغال العمومية بشارع الشيخ ريحان في منطقة "قصر الدوبارة"، وتكليف مهندسين على أعلى مستوى لتصميم المبنى، فخرج تحفة معمارية على الطراز اليوناني - الروماني الكلاسيكي. تميز المبنى بأسقف شاهقة الارتفاع تسمح بتوزيع الحرارة، ونوافذ زجاجية عملاقة صممت خصيصا لتدخل منها أشعة الشمس بزوايا مدروسة لتضيء فاترينات العرض، دون الحاجة الإضاءة صناعية، قد تؤثر على الألوان الطبيعية للصخور. أما فاترينات العرض نفسها، فقد صنعت من أفخم أنواع خشب "الأرو" والزجاج البلورى النقي.
وفى ١ ديسمبر ١٩٠٤، افتتح الخديو عباس حلمى الثانى المتحف رسميا في حفل مهيب، حضره رجال الدولة والعلماء من مختلف جامعات أوروبا. وكان أول أمين للمتحف هو الجيولوجي البريطاني الشهير "تشارلز بيتنل"، وظل المتحف منذ ذلك اليوم منارة علمية.
معركة التمصير والعصر الذهبي
مع بزوغ فجر الاستقلال الوطني ومطالبة المصريين بإدارة شئون بلادهم بدأت معركة تمصير الإدارة الجيولوجية. وفى عام ١٩٣٤، دخل المتحف مرحلة جديدة كليا عندما تولى العالم المصرى الكبير الدكتور حسن صادق رئاسة المساحة الجيولوجية والمتحف، ليكون أول مصرى يتبوأ هذا المقعد الرفيع.
في عهده وعهد من تلوه من العباقرة وعلى رأسهم العالم الجيولوجي الفذ الدكتور رشدى سعيد، شهد المتحف طفرة غير مسبوقة. تحول المكان من مجرد مزار للسائحين إلى مركز أبحاث عالمي يصدر نشرات علمية دورية تترقبها جامعات لندن وباريس وبرلين واكتظت القاعات بعينات جديدة اكتشفها جيل الشباب من الجيولوجيين المصريين.
هدم المبنى التاريخي
دارت عجلة الزمن، وفي أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن العشرين، بدأت مصر تنفيذ مترو أنفاق القاهرة الكبرى، كان مسار الخط الأول للمترو يمر مباشرة أسفل منطقة شارع الشيخ ريحان، ونظرا للتوسعات العمرانية والحاجة لإقامة منشآت حكومية حيوية، صدر القرار الصعب والصادم للأوساط العلمية، بهدم المبنى التاريخي للمتحف الجيولوجي بقصر الدوبارة. كان القرار كارثة محققة فكيف يمكن نقل مئات الآلاف من القطع النادرة، وبعضها هياكل عظمية لحيتان وديناصورات عملاقة شديدة الحساسية والتفتت، وصخور تزن الأطنان وفاترينات أثرية تعود لعام ١٩٠٤ هنا تجلت عبقرية وعزيمة الجيولوجيين المصريين في صيف عام ۱۹۸۲، تحول المتحف إلى خلية نحل بشرية تعمل على مدار ٢٤ ساعة بدون توقف.
جرى ابتكار طرق علمية معقدة لتغليف الحفريات الدقيقة، باستخدام القطن ومواد كيميائية مثبتة، ورقمت أجزاء الهياكل العملاقة قطعة قطعة، ونقلت الفاترينات التاريخية بعناية فائقة عبر سيارات مجهزة ضد الاهتزازات. ونقل كل هذا الإرث العظيم إلى مقر مؤقت ما زال هو المقر الحالي في منطقة أثر النبي بمصر القديمة على شاطئ النيل مباشرة. ورغم أن المبنى الجديد كان إداريا، ويفتقر إلى الفخامة المعمارية للمبنى اليوناني القديم، فإن نجاح عملية النقل دون خسارة قطعة واحدة يعد ملحمة علمية وإدارية تدرس
عمليات التطوير
خلال العقود التالية للنقل، ولمواكبة القرن الحادي والعشرين، خضع المتحف السلسلة من عمليات التطوير الشاملة التي بلغت ذروتها بحلول عام ٢٠٣٦.
لم يعد المتحف يقتصر على العرض التقليدي بل تم إدخال التكنولوجيا الرقمية التفاعلية، وجرى تزويد القاعات بشاشات لمس ذكية، ونظم إضاءة باردة (LED) مخصصة لحماية الحفريات من التحلل الحراري، وتوفير أدلة صوتية بعدة لغات عبر تطبيقات الهواتف الذكية. كما أعيد ترميم الفاترينات الخشبية الأصلية التي يصل عمرها لـ ١٢٢ عاما، لتظل شاهدة على عراقة البدايات ممتزجة بأحدث وسائل العرض الرقمي والترميم الجيولوجي الحديث.
أسرار صالات العرض
عندما تعبر البوابات المؤدية إلى قاعات العرض بالمتحف الجيولوجي المصري، في مقره الحالي بأثر النبي فأنت لا تسير في ممر عادي، بل تعبر نفقا زمنيا يخترق مئات الملايين من السنين القاعات هنا مصممة ومقسمة وفقا لأحدث النظم العلمية والتصنيفات الجيولوجية العالمية، التروي قصة "الجيولوجيا المصرية" و"تاريخ الحياة" فوق كوكب الأرض.
صالة الحفريات الفقرية
تعد هذه الصالة درة التاج في المتحف وتجذب كبار العلماء والباحثين من شتى بقاع الأرض، لما تحتويه من مقتنيات فريدة لا توجد في أي متحف آخر.
ديناصور الواحات البحرية (بقايا العملاق المصرى في وسط القاعة ستجد نفسك واقفا أمام بقايا عظمية مذهلة للديناصور المصري العملاق الذي اكتشفته البعثات الجيولوجية في الواحات البحرية بالصحراء الغربية. هذا الكائن كان يعيش في العصر الطباشيري منذ حوالى ٩٥ مليون سنة)، ويصنف ک ثانی اضخم ديناصور عثر عليه في تاريخ الأرض، رؤية فقرات ظهره وأطرافه الضخمة تعطيك تصورا مرعبا ومبهرا عن شكل الحياة في تلك الحقبة السحيقة على أرض مصر.
سلالة أجداد الفيلة
تضم الصالة مجموعة نادرة وحصرية توثق مراحل تطور الفيل عبر ملايين السنين. تبدأ السلسلة بهيكل كائن صغير الحجم يدعى "الميريتيريوم" (حيوان الفيوم الأولي)، وهو جد الفيل الأصلى الذي كان في حجم الكلب الكبير تقريبا وليس له خرطوم طويل، وعاش في شمال مصر قبل ٤٠ مليون سنة، يليه في فاترينات العرض هيكل حيوان "الأرسينوثيريوم" وحش الفيوم الضخم وهو كائن يشبه وحيد القرن، وله قرنان عظمیان عملاقان على رأسه، وصولا إلى الفيلة ذات الخراطيم البدائية. هذه الهياكل خرجت بالكامل من طبقات جبل قطراني" بالفيوم.
حيتان ما قبل التاريخ
تعرض القاعة بقايا وهياكل عظمية كاملة لحيتان بدائية من العصر الإيوسيني قبل ٤٠ مليون سنة.. المذهل في هذه الهياكل - والتي استخرجت من منطقة وادى الحيتان بالفيوم- أنها تحتوي على بقايا أطراف خلفية عبارة عن أرجل صغيرة مما يعد دليلا علميا قاطعا على أن أجداد الحيتان الحالية كانت كائنات برية تمشى على الأرض قبل أن تتطور وتنتقل للعيش الكامل في البحار والمحيطات.
صالة المعادن والصخور
هي لوحة فنية طبيعية تتلألأ فيها الألوان والأشكال الناتجة عن تباور العناصر الكيميائية في باطن الأرض عبر مليارات السنين.
وفي جناح الذهب والمعادن الاقتصادية تستعرض القاعة عينات صخرية خام من أشهر المناجم المصرية، ستشاهد هنا عينات من عروق المرو (الكوارتز) الحاملة للذهب المستخرجة من منجم "السكري" بالصحراء الشرقية، إلى جانب تاريخ موثق لطرق تعدين الذهب التي ابتكرها الفراعنة. كما تضم الصالة عينات غنية من خامات الحديد من أسوان والواحات البحرية، وخامات الفوسفات، والمنجنيز والنحاس.
الأحجار الكريمة
مجموعة الأحجار الكريمة وصخور الزينة لا تفوت فرصة الوقوف أمام فاترينة الزمرد والزبرجد المصري وهي ذات الأحجار التي كانت تفتن ملكات مصر القديمة مثل كليوباترا، وتستخرج من مناجم جبل وسكيت بالصحراء الشرقية. وإلى جوارها، تعرض صخور الزينة التاريخية الفاخرة مثل الجرانيت الوردي والأسود من أسوان، وحجر الألباستر المرمر المصري الناعم). وصخر البارفيرى الإمبراطوري وهو صخر سماقی قرمزى شديد الندرة كان حكرا على أباطرة الرومان لبناء قصورهم ونحت تماثيلهم، ولا يوجد في العالم كله إلا في جبل "أبو دخان" بمصر.
اصالة الفضاء والنيازك
هي قاعة صغيرة لكنها مشحونة بغموض الكون وأسرار الفضاء الخارجي، وتضم صخورا هبطت إلى الأرض من وراء الغلاف الجوى فنجد نيزك "نخلة" الشهير الزائر من كوكب المريخ، ويعتبر من أشهر النيازك على مستوى العالم علميا، فقد سقط في منطقة "نخلة" بمحافظة الإسكندرية عام ١٩١١، وعند تحليل أجزائه في كبرى المعامل الدولية، تبين أنه نيزك صخري فريد من نوعه، يحمل تركيبا كيميائيا يثبت تماما أنه انفصل من كوكب المريخ إثر اصطدام كوني يحتفظ المتحف بقطعة رئيسية من هذا النيزك التاريخي.
زجاج الصحراء الغربية اللامع، ستجد في هذا القسم قطعا زجاجية ذات لون أصفر مخضر غاية في التقاء والجمال. هذا الزجاج ليس من صنع البشر بل تشكل في الصحراء الغربية قبل حوالي ۲۸ مليون سنة، عندما اصطدم نيزك أو مذنب ضخم بالأرض، فتولدت حرارة مرعبة صهرت رمال السيليكا فورا وحولتها إلى هذا الزجاج النادر، ومن المثير للدهشة أن الفراعنة استخدموا قطعة من هذا الزجاج الفضائي لينحتوا منها الجعران المزين القلادة الملك توت عنخ آمون.
صالة الحفريات اللافقرية
تعتبر أرشيف المناخ والبحار القديمة. ورغم أن كائناتها صغيرة مقارنة بالديناصورات، فإن أهميتها العلمية لا تقدر بثمن وتضم القاعة آلاف العينات من القواقع، والأمونيتات الحلزونية والمساميات، وقنافذ البحر والشعب المرجانية المتحجرة. هذه الحفريات هي "الترمومتر" الذي يقيس به الجيولوجيون أعمار الصخور، فوجود فصائل معينة من هذه اللافقاريات في صخور المقطم أو هضبة الأهرامات يثبت علميا أن هذه المناطق كانت يوما قاعا لبحر عميق هادئ، قبل أن ترتفع بفعل الحركات التكتونية للأرض.
يقع المتحف على كورنيش النيل بمنطقة أثر النبي مصر القديمة، القاهرة بجوار محطة مياه الروضة، ومجمع المحاكم وخلف مبنى المحكمة الدستورية العليا، وتوجد عدة طرق متنوعة للوصول إلى المتحف، منها مترو الأنفاق استقل الخط الأول لمترو الأنفاق خط المرج حلوان، وانزل في محطة "الملك الصالح" أو محطة "دار السلام"، ومن أمام المحطة، يمكنك ركوب سيارة أجرة صغيرة (ميكروباص) متجهة إلى الكورنيش، ولن تستغرق سوى 5 دقائق لتجد نفسك أمام بوابة المتحف. كما تمر خطوط أتوبيسات النقل العام التي تسير على كورنيش النيل مباشرة أمام بوابات المتحف.
يفتح المتحف أبوابه للجمهور والرحلات والباحثين من الأحد إلى الخميس والعطلة الأسبوعية يومي الجمعة والسبت بالإضافة إلى العطلات الرسمية والأعياد، ويستقبل المتحف الزوار من 9 صباحا وحتى ٣ عصرا، وأسعار التذاكر رمزية وفي متناول الجميع.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحركات عاجلة لفتح عيادات متخصصة فى المستشفيات الحكومية
افتتح الخديو عباس حلمى الثانى مقره القديم فى 1904 افتتح الخديو عباس حلمى الثانى المتحف رسميا فى حفل مهيب حضره...
في خطوة تهدف إلى حماية زوار بيت الله الحرام من مافيا السمسرة والنصب، اعتمدت وزارة السياحة والآثار ضوابط جديدة لتنظيم...
حياة مرسى: الاحتفال قبل ظهور النتيجة تعبير عن التخلص من ضغط نفسى طويل