من وابور الفحم إلى القطار الكهربائى.. 175 سنة س ح م

تعاقد الخديو عباس الأول مع المهندس البريطانى روبرت ستيفنسون لإنشاء مبنى السكة الحديد عام 1851 .. واستغرقت عملية البناء عامين المصريون أطلقوا على أول قطار بخارى اسم الوابور لأنه كان ينفث الدخان تحديث الشبكة الحديدية القائمة امتد لصناعة تاريخ جديد بالكامل عبر شبكة القطار الكهربائى السريع الشاعر سمير سعدى قدم ملحمة شعرية لإبراز الدور القومى والبطولى لرجال السكك الحديدية الملك فؤاد الأول افتتح متحف السكة الحديد عام 1933 وسط أجواء احتفالية مهيبة وبحضور وفود دولية

هنا بوابة مصر الأولى ومحط رحال المسافرين، هنا ميدان باب الحديد أو محطة رمسيس كما نعرفها اليوم. قف هنا حيث 175 سنة من عمر التاريخ فى هذا الصرح المعمارى المهيب، المعروف باسم محطة مصر، أو محطة رمسيس، هنا هيبة التاريخ وعظمة المكان؛ فالجدران المبنية على الطراز العربي الإسلامى المملوكي الفريد لا تخفى وراءها مجرد أرصفة لانتظار القطارات، بل تخفى سجل أمة بأكملها، تنفست، وعشقت واغتربت وعادت عبر هذه البوابة الحيوية لثاني أقدم سكك حديدية عالميا والأولى فى أفريقيا والشرق الأوسط. هنا خطت أقدام قادة، وزعماء، ومفكرين، وفنانين صاغوا تاريخ مصر المعاصر.

هنا وقف الرواد الأوائل يستقبلون بعثات العلم العائدة من أوروبا، وهنا ودعت مصر أبطالها الذاهبين إلى جبهات القتال، وهنا أيضا تلاقت عيون العشاق وسكبت دموع الفراق على أرصفة الوداع.

إن التجول فى محطة مصر برمسيس يعد في حد ذاته نزهة سياحية وتاريخية عندما تدخل من بابها الرئيسي يستقبلك ذلك البهو الفسيح بسقفه الشاهق وزخارفه الدقيقة التي تزاوج بين أصالة الفن الإسلامى القديم وهندسة العصر الحديث.. هذا البهو شهد خطوات قادة وزعماء، ومفكرين وفنانين صاغوا تاريخ مصر المعاصر.. هنا وقف الرواد الأوائل يستقبلون بعثات العلم العائدة من أوروبا وهنا ودعت مصر أبطالها الذاهبين إلى جبهات القتال، وهنا أيضا تلاقت عيون العشاق وسكبت دموع الفراق على أرصفة الوداع .. لم تكن المحطة مجرد مكان للعبور بل كانت مسرحا إنسانيا كبيرا استلهم منه عباقرة الفن والأدب روائعهم، ومن منا يمكنه نسيان عبقرية المخرج يوسف شاهين وهو يخلد هذا المكان في فيلمه الأيقونى باب الحديد، محولا الأرصفة وحركة القطارات وصخب الباعة الجائلين إلى سيمفونية بصرية تلخص صراع الحياة والإنسان فوق أرض المحروسة.

إن الرحلة بالقطار فى مصر كانت وما زالت تمثل طقسا اجتماعيا وثقافيا لا مثيل له؛ فمنذ عقود طويلة، وارتبطت القطارات في ذاكرة العائلات المصرية برحلات الصيف المبهجة نحو شواطئ البحر ومحافظات الدلتا، ولم تقتصر الرحلات على الشمال فحسب، بل كانت القطارات هي البساط السحري الذي حمل أبناء محافظات الجنوب العاملين بالقاهره وباقي المحافظات إلى مسقط رأسهم، وكذلك أفواج الرحلات المدرسية والجامعية الاستكشافية نحو جنوب مصر الساحر، ليتعرف الشباب على عظمة أجدادهم الفراعنة في معابد الأقصر وأسوان، أو ينطلقوا في رحلات القطارات الإقليمية نحو واحة الفيوم الهادئة، يستمتعون برؤية السواقي الخالدة وبحيرة قارون ويتعرفون على طبيعة بلادهم الساحرة، هذه الرحلات لم تكن مجرد ترفيه، بل كانت أداة رئيسية في معركة بناء الوعى الوطني وتعميق قيم الانتماء والتعرف على الهوية المصرية الأصيلة، هي شبكة مواصلات تخدم أكثر من مليون راكب يوميا.

شريان الشرق الأول

لم يكن صرير عجلات القطارات على القضبان الحديدية فى مصر مجرد وسيلة جديدة للانتقال، بل كان إعلانا مدويا عن دخول المشرق العربي بأكمله عصر الحداثة الصناعية. ففى قلب قارة إفريقيا ومن رحم وادى النيل، ولدت شبكة سكك حديد مصر كأول خطوط حديدية تمد في القارة السمراء والعالم العربي، والثانية عالميا بعد المملكة المتحدة البريطانية على مدار أكثر من قرن وسبعة عقود، لم تكن السكك الحديدية مجرد وسيلة لنقل الركاب والبضائع، بل كانت شاهدا حيا على تحولات السياسة، وصراعات النفوذ الدولي، وولادة الهوية الوطنية الحديثة، ومحركا أساسيا للاقتصاد المصري.. نحكى قصة الديزل المصرى منذ أن كان فكرة في مخيلة الولاة وحتى تحوله إلى شبكة تكنولوجية عملاقة في القرن الحادي والعشرين.

المخاض الصعب..

الفكرة والامتياز

تبدأ الجذور الأولى للحكاية في عام ۱۸۳۳ عندما كان مؤسس مصر الحديثة، محمد على باشا، يعيد تشكيل جغرافية البلاد الاقتصادية والعسكرية في ذلك الوقت تقدم المهندس البريطاني الشهير تومسون بايج بمشروع طموح للباشا يقضى بإنشاء خط سكة حديد يربط بين القاهرة والسويس، بهدف تسريع حركة التجارة والبريد البريطاني المتجه إلى الهند، والذي كان يعتمد حينها على الرحلات البرية الشاقة عبر الصحراء بواسطة القوافل والجمال.

وعلى الرغم من إدراك محمد على للأهمية الاقتصادية للمشروع، إلا أنه بسبب الظروف السياسية أصبح متخوفا من هذا التغلغل البريطاني، وكان يرى في السكة الحديدية مسمار جحا الذي قد تستغله بريطانيا لفرض نفوذها الاستعماري على مصر، لاسيما وأن فرنسا كانت تدفع في الاتجاه المعاكس نحو حفر قناة مائية تربط البحرين - قناة السويس لاحقا وتوقف المشروع مؤقتا، واكتفى محمد على بشراء كميات من القضبان الحديدية استخدمت لاحقا في مشروعات النقل الداخلى والمحاجر، ليموت الباشا عام ١٨٤٨ ودون أن تشهد مصر أول قطار بخاري.

عباس حلمى يفتح الباب لستيفنسون

تبدلت السياسة السيادية بمجيء الخديو الوالى عباس حلمى الأول إلى سدة الحكم عام ١٨٤٨ كان عباس ميالا إلى التقارب مع البريطانيين لمواجهة الضغوط العثمانية والفرنسية. وفى ١٢ يوليو ۱۸۵۱، وقعت الحكومة المصرية اتفاقية تاريخية مع المهندس البريطاني العالمي روبرت ستيفنسون ابن جورج ستيفنسون مخترع أول قطار بخاري في العالم لإنشاء أول خط سكة حديد قياسي اتساع ١٤٣٥ ملم يربط بين العاصمة القاهرة والمدينة الساحلية الإسكندرية بطول ۲۰۹ كيلومترات، وبلغت القيمة المبدئية للعقد آنذاك حوالي ٥٦,٠٠٠ جنيه إسترليني.

قطار كفر الزيات والافتتاح الكبير

بدأت أعمال الحفر ووضع القضبان الحديدية تحت إشراف ستيفنسون وبسواعد آلاف العمال المصريين.. في عام ١٨٥٢ واجه المشروع تحديات هندسية طبيعية ضخمة، كان أبرزها عبور فروع نهر النيل فى الدلتا.. وفى عام ١٨٥٤، شهدت مصر تشغيل أول قاطرة بخارية بشكل تجريبى على جزء من الخط يربط بين الإسكندرية ومدينة كفر الزيات ولم يدرك الوالى عباس الأول ثمار مشروعه، حيث اغتيل فى نفس العام، ليتولى سعيد باشا الحكم.

وفى عهد سعيد باشا، وتحديدا في عام ١٨٥٦ ، تم اكتمال الخط كاملا والافتتاحالرسمى لأول خط سكك حديدية في إفريقيا والشرق الأوسط يربط القاهرة بالإسكندرية، وبذلك اختصر القطار رحلة المسافرين من أيام وأسابيع عبر النيل والممرات البرية إلى بضع ساعات فقط مما أحدث طفرة تجارية واجتماعية غير مسبوقة .. لم تتوقف الطموحات هنا؛ ففى عام ١٨٥٨ تم افتتاح الخط الثاني الذي يربط القاهرة بمدينة السويس لتسهيل نقل البريد الهندي، يليه بخطين إضافيين يربطان العاصمة بمدينتي بورسعيد والإسماعيلية تزامنا مع التجهيز لافتتاحقناة السويس.

الإسماعيلية والتوسع نحو الجنوب

مع صعود الخديو إسماعيل إلى العرش عام ١٨٦٣، دخلت مصر عصر التحديث الأوروبي الشامل؛ فقد آمن إسماعيل أن السكة الحديد هي الأداة المثلى لدمج أقاليم مصر وتوسيع رقعتها الزراعية خاصة مع الانتعاش الاقتصادي الناتج عن الطفرة القطنية أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. في عهده تضاعفت خطوط السكك الحديدية وتقرعت عبر الدلتا لتصل إلى طنطاء المنصورة، دمياط، والفيوم.

ولكن التحول الاستراتيجي الأبرز كان الالتفات نحو الصعيد "مصر العليا" وبدأ مد الخطوط جنوبا لربط حقول قصب السكر والقطن بالعاصمة والموانئ فوصلت السكة الحديد إلى المنيا عام ۱۸۷۰، ثم امتدت لتصل إلى أسيوط عام ١٨٧٤.. يحاول نهاية عهد الخديو إسماعيل عام ۱۸۷۷، كانت شبكة السكك الحديدية المصرية تضم أكثر من ۱۳۰۰ كيلومتر من الخطوط القوية المنتظمة، وتحولت من مجرد ممر ترانزيت دولي للتجارة البريطانية إلى شبكة وطنية داخلية تخدم الفلاح والتجارة المصرية في المقام الأول.

الاحتلال البريطاني وإعادة الهيكلة

أدت القروض الضخمة التي استدانها الخديو إسماعيل إلى وقوع مصر في فخ الأزمة المالية، والتي انتهت بفرض الرقابة الثنائية البريطانية الفرنسية وتأسيس صندوق الدين عام ١٨٧٦ ونتيجة لذلك. وضعت الحكومة المصرية شبكة السكك الحديدية كضمانة رئيسية لسداد الديون الخارجية.. وفي عام ۱۸۷۷، تم تأسيس إدارة خاصة تحت مسمى مصلحة السكك الحديدية والتليغراف خضعت لإشراف لجنة دولية لضمان تحويل أرباح المرفق مباشرة للمقرضين الأوروبيين.

هذا الوضع المالي المعقد جمد حركة التوسع اسنوات، حيث كانت الأرباحتستنزف للخارج بدلا من إعادة استثمارها في صيانة وتطوير المرفق، مما أدى إلى تراجع نسبي في مستوى الخدمة الفنية وأمان حركة القطارات خلال تلك الفترة الانتقالية الحرجة.

عبقرية الهندسة.

يحاول عام ۱۸۸۸، بدأت المصلحة تسترد عافيتها المالية نسبيا، واستؤنفت عمليات التوسع الكبرى بقوة ... كانت هناك معضلة هندسية وجغرافية تعزل خطوط الوجه البحرى عن خطوط الوجه القبلي، حيث كانت القطارات القادمة من الجنوب تتوقف عند منطقة إمبابة غرب النيل دون القدرة على الوصول إلى محطة العاصمة الرئيسية.

ولحل هذه المعضلة، تم تشييد كوبري إمبابة الأول عام ۱۸٩١ والذي أعيد بناؤه وتطويره بشكل كامل عام ١٩٢٤ بتصميم من شركة المهندس الشهير غوستاف إيفل مصمم برج إيفل.. هذا الجسر الحديدي العبقري سمح للقطارات بعبور النيل الأول مرة وربط شبكة مصر بالكامل من شمالها إلى جنوبها وتزامن ذلك مع إعادة بناء وتوسعة محطة مصر الرئيسية بميدان رمسيس بالقاهرة عام ١٨٩٢ لتتخذ طابعا معماريا إسلاميا مهيبا يليق بعاصمة ملكية. وانطلقت القطارات بعد ذلك نحو أقصى الجنوب بسرعة فائقة فوصلت إلى جرجا وسوهاج عام ۱۸۹۲، تخطت نجع حمادی عبر جسر حدیدی ممیز عام ١٨٩٦، توجت المسيرة بالوصول إلى قنا والأقصر ثم أسوان في عام ۱۸۹۸، ليصبح الوادي بأكمله مرتبطا بخط حديدي موحد يسير بمحاذاة النيل الخالد

الربط مع فلسطين

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤ وإعلان الحماية البريطانية على مصر، تحولت السكك الحديدية المصرية إلى أداة استراتيجية وعسكرية لجيوش الحلفاء.. في عام ١٩١٦، شرعت القوات البريطانية عبر ما عرف ببعثة الاستكشاف المصرية في تمديد خط سكة حديد عسكري يبدأ من القنطرة شرق على الضفة الشرقية لقناة السويس ويمتد عبر صحراء شمال سيناء ليصل إلى رفحومنها إلى غزة والقدس بفلسطين لدعم العمليات الحربية ضد الدولة العثمانية... هذا الخط على الرغم من غايته العسكرية الأولى، فتح آفاقا جديدة للتجارة والربط البرى الإقليمي؛ حيث ربط مصر بشبكة قطارات الشام وتركيا وصولا إلى أوروبا في أربعينيات القرن العشرين، وظل يعمل بانتظام كجسر بری رابط حتى وقوع النكبة عام ١٩٤٨.

العصر الذهبي للملكية

شهدت فترة ما بين الحربين العالميتين صعودا كبيرا لمفهوم الوطنية المصرية وازدها را اقتصاديا.. في العهد الملكي تحولت السكك الحديدية إلى مرفق سيادي يعبر عن هيبة الدولة.. وفى عام ۱۹۳۳، واحتفالا بانعقاد المؤتمر الدولي للسكك الحديدية في القاهرة افتتح الملك فؤاد الأول متحف السكك الحديدية في القاهرة، ليكون أول متحف من نوعه في الشرق الأوسط وإفريقيا يضم مئات النماذج المصغرة والوثائق النادرة التي تؤرخ لتطور القاطرات والمحركات البخارية، ومن أبرز مقتنياته قطار الخديو إسماعيل الفاخر المصنوع عام ١٨٦٢، تميزت هذه الحقبة بإدخال قطارات الديزل الحديثة لتقليل الاعتماد على الفحم، وشهدت القطارات درجات من الرفاهية العالية؛ مثل عربات النوم الفاخرة وعربات الطعام والصالونات الملكية التي كانت تنقل الملوك والأمراء وكبار أثرياء العالم إلى مشاتي الأقصر وأسوان في رحلات وصفت بأنها الأكثر سحرا في تاريخ النقل العالمي. قبيل ثورة ١٩٥٢ ، كانت شبكة سكك حديد مصر قد بلغت قمة نضجها الجغرافي الهيكلي في عهد القطارات البخارية والديزل الأولى ممهدة الطريق لتحول سیاسی و اقتصادی واجتماعي ضخم سيعيد صياغة هوية المرفق بالكامل تزامنا مع انتهاء العهد الملكي وبداية العهد الجمهوري

تمصير المرفق والتحول نحو الديزل

مع قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وتحول مصر من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري طالت رياح التغيير كافة المرافق الاستراتيجية في البلاد ولم يعد ينظر إلى السكك الحديدية باعتبارها مجرد وسيلة نقل أو أداة لخدمة النخبة والبعثات الأجنبية، بل تحولت إلى ركيزة أساسية لخطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة التي تبنتها الدولة الجديدة لخدمة ملايين العمال والفلاحين، وفي عام ١٩٥٦ وتزامنا مع حركات التأميم الكبرى التي شهدتها البلاد وعلى رأسها قناة السويس تم تعديل المسمى الرسمى للمرفق ليصبح الهيئة القومية لسكك حديد مصر وأصبحت هيئة عامة تابعة لوزارة النقل بهدف إدارة الشبكة بعقول وأياد مصرية خالصة بنسبة ١٠٠، وتم وضع خطط الخفض أسعار التذاكر لتناسب الطبقات المتوسطة والكادحة، مما جعل القطار وسيلة الانتقال الشعبية الأولى في البلاد.

وداعا لعصر البخار

كانت إحدى أكبر العقبات الفنية التي واجهت الهيئة في الخمسينيات هي الاعتماد شبه الكامل على الفحم المستورد لتشغيل القاطرات البخارية، وهو ما كان يمثل عبئا ماليا وضغطا على ميزان المدفوعات، وبناء على ذلك، اتخذت الدولة قرارا استراتيجيا بالاستغناء التدريجي عن القاطرات البخارية القديمة، وبحلول عام ١٩٦٢، نجحت مصر في إتمام عملية التحول إلى الديزل الشاملة لخطوطها الرئيسية، حيث تم استيراد قاطرات دیزل حديثة وقوية من شركات عالمية مثل جنرال إلكتريك الأمريكية وهنشل الألمانية. وفي ذات السياق، دخلت مصر عصر التصنيع المحلى العربات الركاب والبضائع من خلال تأسيس الشركة العامة لإنشاء معدات سكك الحديد في عام ١٩٥٥ والتي بدأت إنتاجها الفعلي في مطلع الستينيات لتقليل الاعتماد على الخارج وتوفير بدائل محلية الصنع.

سنوات الحروب والتعافي الاقتصادي

تعرضت شبكة السكك الحديدية المصرية الضربة قاسية أثناء حرب يونيو ١٩٦٧، حيث احتلت القوات الإسرائيلية شبه جزيرة سيناء، وتم تدمير وتعطيل خط سكة حديد القنطرة - رفح، وتفكيك أجزاء كبيرة من قضبانه لاستخدامها في تحصينات خط بارليف الدفاعي، كما توقفت حركة القطارات في مدن القناة الثلاث السويس الإسماعيلية، وبورسعيد بسبب أعمال القصف والتهجير، واقتصرت حركة الشبكة على الدلتا والوادي، مع تسخير جزء كبير من إمكانياتها لخدمة المجهود العسكرى ونقل الجنود والمعدات إلى الجبهة.

نصر أكتوبر 1973 وإعادة الإعمار

بعد انتصار أكتوبر ۱۹۷۳، وضعت الدولة المصرية خطة عاجلة لإعادة إعمار مدن القناة وإعادة الحياة للخطوط المعطلة وفى عام ١٩٧٤، نجحت الهيئة في إعادة تشغيل خطوط قطارات السويس وبورسعيد والإسماعيلية وسط احتفالات شعبية عارمة، ومع انفتاح مصر الاقتصادي في عهد الرئيس محمد أنور السادات تم إبرام عقود دولية لتحديث أسطول القاطرات وتجديد القضبان المتهالكة جراء سنوات الحرب، وشهدت هذه الحقبة إدخال خطوط جديدة مخصصة لنقل الخام من المناجم والمصانع الكبرى مثل خط الواحات البحرية لنقل الحديد إلى مصانع حلوان

التحديات الهيكلية

نظرا للنمو السكاني الرهيب وضغط التشغيل مع مطلع ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين واجهت الهيئة القومية لسكك حديد مصر تحديا من نوع آخر لم تشهده من قبل، وهو الانفجار السكاني وتحول المرفق إلى ملاذ يومى الملايين الموظفين والطلاب والعمال، ليرتفع عدد الركاب اليومى إلى مستويات قياسية تجاوزت المليون راكب يوميا في بعض الفترات هذا الضغط الهائل على التشغيل والاعتماد على نظام دعم التذاكر الصارم أدى إلى فجوة مالية ضخمة بين إيرادات الهيئة ومصروفات التشغيل والصيانة ونتيجة لذلك، عانى المرفق من نقص حاد في قطع الغيار، واستمرار العمل بالأنظمة الميكانيكية التقليدية لإشارات التحويل البلوك اليدوى وتراكم المديونيات، مما أثر سلبا على انتظام مواعيد القطارات ومستوى النظافة والخدمة داخل العربات وإهمال الصيانة وحوادث القطارات المفجعة.. أدى تقادم البنية التحتية، وتأخر إدخال النظم الإلكترونية لمراقبة حركة القطارات، ووقوع سلسلة من الحوادث المأساوية، وكان من أبرزها حادثة قطار الصعيد في العياط عام ۲۰۰۲، والتي تعد الأسوأ في تاريخ السكك الحديدية المصرية، وحادثة قليوب عام ٢٠٠٦. هذه الأزمات المتتالية أظهرت بوضوح أن الحلول الترقيعية لم تعد تجدى نفعا، وأن المرفق العريق بحاجة إلى جراحة وطفرة جذرية شاملة تعيد بناءه من نقطة الصفر.

الثورة التكنولوجية الكبرى

ومع تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة البلاد، وضعت الحكومة المصرية ملف النقل والسكك الحديدية على رأس أولويات الأمن القومي والتنمية المستدامة ضمن رؤية مصر ۲۰۳۰ التي رصدت للمرفق ميزانيات ضخمة غير مسبوقة في تاريخ مصر تجاوزت مئات المليارات من الجنيهات لتنفيذ خطة تحديث رباعية الأبعاد تشمل البنية التحتية، الإشارات الوحدات المتحركة، والعنصر البشري ومن أبرز ملامح هذه الطفرة: تحديث أسطول القاطرات وإبرام أكبر صفقة في تاريخ الهيئة مع شركة ترانسميش الروسية والمجرية لتوريد ۱۳۰۰ عربة ركاب جديدة ومتنوعة، إلى جانب التعاقد مع شركة جنرال إلكتريك الأمريكية لتوريد وتأهيل أكثر من ٢٦٠ جرارا حديثا من طرازات متطورة التحول الرقمي للإشارات و إلغاء الأنظمة اليدوية القديمة وتحويلها إلى نظام إشارات إلكتروني حديث بالتعاون مع شركات عالمية مثل سيمنس الألمانية وتاليس الفرنسية، مما رفع معدلات الأمان وضاعف من الطاقة الاستيعابية للخطوط تشييد محطة قطارات صعيد مصر وهي محطة ذكية عملاقة في منطقة بشتيل بالجيزة لتخفيف الضغط عن محطة رمسيس التاريخية، وصممت على الطراز الفرعوني ومزودة بأحدث وسائل التكنولوجيا والمنظومات الرقمية لخدمة أبناء الوجه القبلي.

شبكة القطار الكهربائي السريع

لم تكتف مصر بتطوير الشبكة القديمة. بل دخلت رسميا وبقوة عصر الجيل الرابع من وسائل النقل الصديقة للبيئة وبدأت وزارة النقل المصرية بالتعاون مع تحالف شركات عالمية ومحلية بقيادة شركة سيمنس الألمانية في تنفيذ شبكة القطار الكهربائي السريع بطول يتجاوز ۲۰۰۰ کیلومتر ليربط أركان الجمهورية ببعضها وتتكون هذه الشبكة الحديثة من ثلاثة خطوط استراتيجية رئيسية: الخط الأخضر قناة سويس جديدة على قضبان يربط بين العين السخنة على البحر الأحمر بمدينتي الإسكندرية والعلمين ومطروحعلى البحر المتوسط بطول ٦٦٠ كم، وهو بمثابة ممر لوجيستي بري عالمي الخط الأزرق ويمتد من القاهرة (أكتوبر) بمحاذاة نهر النيل غربا ليصل إلى أسوان وأبو سمبل في أقصى الجنوب بطول حوالي ۱۱۰۰ كم. ليربط الصعيد بالشبكة السريعة.

الخط الأحمر ويربط المناطق السياحية والأثرية حيث يمتد من قنا وصولا إلى الغردقة وسفاجا على ساحل البحر الأحمر. وتتميز هذه القطارات بسرعات تصل إلى ٢٣٠ كم / ساعة لقطارات الركاب السريعة مما يختصر زمن الرحلات إلى أكثر من النصف، ويسهم في خلق مجتمعات عمرانية وصناعية جديدة بالكامل.

الشريان الذي لا يتوقف عن النبض

منذ الصفارة الأولى التي أطلقها قطار كفر الزيات عام ١٨٥٤ تحت حكم الولاة البخاريين، وحتى القطارات الكهربائية السريعة والمستدامة التي تجوب الصحاري والمدن الذكية اليوم، تثبت السكة الحديد المصرية أنها لم تكن يوما مجرد قضبان من الصلب الصامت إنها الشريان الحيوي الذي شكل وجدان الأمة المصرية، ورسم جغرافيتها البشرية والاقتصادية، ومع اكتمال منظومة التحديث الشاملة والتحول الرقمي الكامل، تستشرف هيئة سكك حديد مصر حقبة جديدة تؤكد فيها ريادتها التاريخية، وتظل شاهدة على قدرة الإنسان المصري على تطويع التكنولوجيا الصناعة المستقبل، تماما كما طوع الحديد قبل أكثر من ١٧٠ عاما.

سمير سعدي يكتب سيرة القضبان

ولا يمكننا أن نمضى في فسحتنا التاريخية والثقافية الممتدة دون أن تتوقف أمام تلك المحطة الإبداعية الاستثنائية التي تجسد كيف تحولت هذه القضبان الصماء إلى الهام شعري حي صاغ وعى الأمة ووثق تاريخها الإنساني وهنا يبرز اسم الشاعر والكاتب الكبير الراحل سمير سعدي، الذي لم يكن مجرد مراقب عابر الحركة القطارات بل هو ابن هذا المرفق العريق بدمه، وتاريخه وسيرة عائلته الممتدة عبر الأجيال. لقد قدم سعدى للمكتبة العربية والوجدان المصري مشروعا شعريا وتوثيقيا ملحميا حمل عنوان "دروب الشمس، وجاء الجزء الأول منه تحت اسم "حكايات في دروب الشمس" ليغوص في السيرة الذاتية والشعرية لعمال سكك حديد مصر معيدا قراءة الجغرافيا والتاريخ بعيون هؤلاء البسطاء الذين عاشوا على الهامش، لكنهم كانوا القوة الحقيقية التي صاغت متر الوطن وصنعت معجزاته التنموية الباهرة.

في مشروعه الفكري، طرح سمير سعدی رؤية فلسفية بالغة العمق والجرأة، حين يؤكد أن السكة الحديد في مصر قد ربطت مدن البلاد وقراها وأسهمت في صهر نسيجها المجتمعي والثقافي بشكل فاق ما فعله نهر النيل الخالد نفسه، فبينما يمتد النيل شريانا راسيا يتدفق من الجنوب إلى الشمال، جاءت شبكة السكك الحديدية التخترق الجغرافيا أفقيا وعرضيا، وتخلق مجتمعات زراعية وصناعية جديدة بالكامل ناقلة السكر والفوسفات، والغلال والوعي، لتربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب في سيمفونية تواصل يومى غير مسبوقة، ولم تكن هذه القضبان في نظره مجرد وسيلة لوجيستية أنشأها الاستعمار البريطاني لخدمة مصالحه الاستراتيجية والعسكرية وربط الشرق بالغرب وصولا الخط الحجاز القديم، بل تحولت بفعل الإرادة المصرية وعرق العمال إلى مرفق وطني بامتياز صاغ مفهوم الدولة المؤسسية الحديثة وأذابت الفوارق بين

أقاليم مصر المترامية.

ويتجسد البعد الإنساني الأعمق في مشروع سعدي الشعرى من خلال شخصية سعد الدين، البطل الرمزي والمحوري الديوانه، وهو في الحقيقة والده الذي أمضى أكثر من أربعين عاما من عمره في خدمة السكك الحديدية، متوارثا المهنة عن الجد الذي قضى بدوره اثنين وستين عاما بين القطارات والأرصفة، هذا الإرث العائلي الذي يتجاوز القرن من الزمان جعل الشاعر يتشرب حكايات القضيان مع أنفاسه الأولى ليصبح ديوانه بمثابة رد جميل ودعم معنوی و توثیق تاریخی لهؤلاء الرجال الذين يواصلون الليل بالنهار وسط الورش والمحطات.. إنه يكتب بمداد من نور عن العمال، والفنيين، وعمال التحويلة، وملاحظى الأبراج، الذين يمثلون خط الدفاع الأول عن أمن وسلامة ملايين المسافرين، مبرزا كيف تحولت تفاصيل حياتهم اليومية، وتضحياتهم، واغترابهم عن بيوتهم في مدن القنال والصعيد والوجه البحري إلى فصول مجيدة في كتاب الصمود المصري البديع.

ولم يتوقف طموح الشاعر عند حدود رصد الماضي البخاري العتيق، بل امتد مشروعه ليوثق مرحلة مفصلية كبرى من تاريخ مصر الحديث، وتحديدا الفترة ما بين عامي ١٩٥٢ و ١٩٥٦؛ حيث عكف سعدى على إبراز الدور القومي والبطولي ارجال السكك الحديدية في معارك الوعي والسيادة الوطنية.

وخاصة خلال حرب العدوان الثلاثي ومعركة الجلاء بمدن القناة، حيث تحولت القطارات إلى شرايين عسكرية ولوجيستية قادتها سواعد العمال والفنيين الحماية الوطن والدفاع عن مقدراته، ويعكس هذا المشروع الشعري المتميز تلاحم الفكر والثقافة مع حركة البناء والتطوير، ويؤكد أن معركة الوعي التي نخوضها اليوم بحاجة ماسة لاستدعاء هذه السير الملهمة.

ليعرف الجيل الجديد أن خلف كل تحديث تكنولوجي تشهده قطاراتنا اليوم تاريخا من الدم، والعرق، والقوافي، صاغه رجال لم يعرفوا المستحيل.

تستمر رحلتنا وتتعمق حكايتنا لتنتقل من جدران المحطات التاريخية العتيقة وإيقاع القوافي الشعرية إلى باحات العمل الشاق حيث تصنع المعجزة اليومية بأيدي رجال تذروا أنفسهم لخدمة هذا الوطن خلف كل قطار يتحرك بانتظام على القضبان، وخلف كل صافرة تعلن وصول مسافر إلى وجهته بأمان، تكمن حكايات إنسانية مؤثرة لجنود مجهولين يطلق عليهم زملاؤهم حراس الفجر إنهم عمال الورش الفنية العملاقة في الفرن وكوم أبو راضي، وأبو زعيل والتبين رجال الفحت وجوههم سمرة الشمس الطيبة، وامتلات أيديهم بخشونة الحديد الصلب، لكن قلوبهم تنبض برقة بالغة وحرص شديد على أرواح ملايين الركاب الذين يضعون تقتهم كاملة في كفاءة هذا المرفق العريق يوميا في تلك الورش، وتحت أضواء المصابيح القوية وسط أصوات المحركات ورائحة الزيوت والشحوم، يعزف العامل والفني والمهندس المصري سمفونية وطنية صامتة من العطاء الذي لا ينتظر شكرا، مدفوعین بوعی فطری راسخ بأن عرقهم هو الوقود الحقيقي الذي يحرك قاطرة التنمية في مصر.

متحف السكك الحديدية

بداخل محطة مصر للسكك الحديدية وتحديدا في منتصف رصيف رقم 1 يوجد مقر متحف السكك الحديدية، وتبدأ حكاية هذا المتحف العريق من فكرة عبقرية ولدت في ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديدا في عام ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين.. في ذلك الوقت كانت مصر تستعد لاستضافة حدث دولي رفيع المستوى، وهو المؤتمر الدولي للسكك الحديدية في دورته الثانية عشرة، والذي كان مقررا انعقاده بالقاهرة.. في مطلع عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين رأت الدولة المصرية حينها أن استضافة قادة خبراء النقل والقطارات من مختلف دول العالم تمثل فرصة ذهبية الإظهار وجه مصر الحضاري وتوثيق ريادتها كصاحبة ثاني أقدم شبكة حديدية في العالم بعد بريطانيا.. ومن هنا، طرحت إدارة السكك الحديدية فكرة إنشاء متحف متخصص يجمع شتات التاريخ السككي ويوثق مراحل تطور القاطرات والمركبات في مصر منذ عام ألف وثمانمائة وواحد وخمسين.. لم تكن الفكرة مجرد رغبة في العرض، بل كانت رؤية استراتيجية لبناء صرح علمي وثقافي يحفظ ذاكرة الأمة الهندسية والبشرية، ويكون شاهدا حيا على معركة الوعى والتنوير التي قادتها مصر في المنطقة.

تضافرت الجهود الرسمية، وتحول بهو محطة مصر إلى ورشة عمل كبرى لا تهدأ. حيث تسابق المهندسون والعمال والفنانون لجمع القطع النادرة وتصميم النماذج والمجسمات الدقيقة التي تشرح تاريخ النقل.. وفي السادس والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين، افتتحالملك فؤاد الأول المتحف رسميا وسط أجواء احتفالية مهيبة وبحضور وفود دولية رفيعة المستوى... انبهر ضيوف مصر بما شاهدوه من دقة في التنظيم وثراء في المقتنيات، حيث كان المتحف عند تأسيسه يضم خمس قاعات رئيسية تحتوي على مئات المعروضات والوثائق النادرة .. لقد أدرك العالم يومها أن مصر لا تملك فقط شبكة قطارات متطورة، بل تملك وعيا حضاريا عميقا يدفعها لتوثيق تاريخها المعرفي والهندسي، ليصبح متحف السكك الحديدية بالقاهرة الأول من نوعه في القارتين الأفريقية والاسيوية، وأيقونة متاحف النقل في العالم بأسره.

مع مرور الزمن وعقود القرن العشرين، كان المتحف يتطور خطوة بخطوة مع تطور السكك الحديدية نفسها، فكلما أدخلت البلاد قاطرة جديدة أو نظام إشارات حديثا، كان المتحف يستقبل النماذج القديمة لتنضم إلى مقتنياته النادرة.. لم يكن المتحف مكانا ساكنا، بل كان يتطور مع تطور الوطن وخاصة في فترات التحول الكبرى، مثل مرحلة ما بعد ثورة يوليو ألف وتسعمائة واثنين وخمسين نال المتحف اهتماما خاصا باعتباره مرأة تعكس تطور العامل والفني المصري وتطوره التكنولوجي من العصر البخاري إلى عصر الديزل... وبمرور السنين، زادت مقتنيات المتحف وتنوعت لتشمل ليس فقط قطارات السكك الحديدية، بل وأيضا تاريخ الطيران ووسائل النقل البري والنهري، مما جعله موسوعة علمية شاملة يقصدها الباحثون وطلاب الهندسة من مختلف بقاع الأرض. إلى جانب العائلات والرحلات المدرسية التي تجد فيه نزهة تثقيفية تربط الجيل الجديد بجذور وطنه العريق.

وفي العصر الحالي، وفي إطار الرؤية القومية الشاملة التي ترفع شعار عراقة تكتمل بالتطوير حظى متحف السكك الحديدية بأكبر وأشمل عملية تطوير وتحديث في تاريخه الحديث لم يكن الهدف مجرد ترميم الجدران، بل كان إعادة صياغة كاملة لسيناريو العرض المتحفى ليتواكب مع أحدث النظم التكنولوجية العالمية.. شملت أعمال التطوير تحديث أنظمة الإضاءة المتطورة التي تبرز جمال المقتنيات ونقاء تفاصيلها، وتوفير أنظمة تكييف مركزي متكاملة تحافظ على سلامة القطع الخشبية والمعادن النادرة والوثائق التاريخية من عوامل الرطوبة والحرارة، كما تم إدخال الشاشات التفاعلية الرقمية ووسائل العرض المتعددة التي تتيح للزائرين وخاصة الشباب والأطفال، التعرف على حكاية كل قطار ومجسم بلمسة زر واحدة وبطرق مشوقة تجمع بين المتعة البصرية. والمعلومة الموثقة، مما يحول الزيارة إلى تجربة تعليمية ممتعة تعمق معركة الوعى بالهوية المصرية.

ان مراحل تطور هذا المتحف توضحفلسفة الإدارة المصرية في الحفاظ على الأصول التاريخية بالتوازي مع اقتحام المستقبل فالمتحف اليوم لا يقف عند حدود الماضي، بل يعرض أيضا نماذج المشروعات العملاقة الحالية والمستقبلية السكك الحديدية، ليرى الزائر بوضوحكيف تتصل حلقات التاريخ، وكيف يسلم الماضي العريق راية التقدم للمستقبل الواعد هذا الدمج العبقري يجعل من المتحف حلقة وصل فريدة في جغرافيا الوعى المصري، حيث يخرج الزائر منه يشعر بالفخر بماضيه، ومستبشرا ومطمئنا امستقبل وطنه الذي يبنيه أبناؤه بعرقهم وعزيمتهم كل يوم على القضبان.

وراء هذا المشهد البديع للمتحف عبر العصور تقف القيمة الإنسانية والدعم المعنوى للرجال الذين حافظوا على هذه المقتنيات جيلا بعد جيل إنهم أمناء المتحف، والمهندسون، والفنيون، وعمال النظافة والصيانة، الذين يعاملون هذه القطع الأثرية والنماذج النادرة وكأنها قطع من أرواحهم خلف كل مجسم نظيف وخلف كل وثيقة محفوظة قصة سهر وعناية فائقة من رجال يدركون تماما أنهم يحرسون ذاكرة مصر الهندسية، هؤلاء الأبطال المجهولون، الذين يواصلون العمل بالليل بالنهار خلف الكواليس، يستحقون في هذا اليوبيل المجيد كل التحية والتقدير فهم لا يحافظون على مجرد قطع من الحديد والخشب، بل يحافظون على شواهد حية على تاريخ الدولة المصرية على مر العصور.

البهو العظيم

بمجرد الدخول من اليهو الرئيسي للمتحف. يستقبلك جلال المكان وتنظيم العرض الذي يمتد عبر طابقين صمما بعناية فائقة ليروى قصة النقل خطوة بخطوة، تتوزع المقتنيات النادرة التي تتجاوز السبعمائة قطعة ومجسم بين أقسام رئيسية متكاملة، تأخذ الزائر في رحلة بصرية ومعرفية تبدأ من وسائل النقل البدائية وقبل التاريخية، صعودا إلى عصر البخار والديزل، ووصولا إلى أحدث قطارات العصر الرقمي الحديث.. إن أول ما يجذب عينيك في الطابق الأرضي هو ذلك القسم الفريد المخصص لوسائل النقل في مصر القديمة والعهود الإسلامية حيث يعرض المتحف نماذج دقيقة للمراكب الفرعونية المقدسة والعربات الحربية التي كان يجرها الخيل، وصورا توثيقية لقوافل الجمال والدواب التي كانت الوسيلة الأساسية لقطع المسافات قبل ولادة عصر الحديد، مما يمنح الزائر خلفية تاريخية ممتازة يستشعر من خلالها حجم الطفرة الحضارية التي أحدثتها السكك الحديدية

عند دخولها البلاد.

ومع الانتقال إلى القسم الأهم والأكثر إثارة في الطابق الأرضي، نجد أنفسنا وجها لوجه أمام قاعة القاطرات والقطارات الملكية. وهى جوهرة التاج في هذا المتحف العريق هنا، تقف النماذج والمجسمات الأصلية شاهدة على ترف وفخامة العصر الملكي في مصر.. ومن أبرز المعروضات الموثقة في هذه القاعة، ذلك النموذج البديع لـ القطار الملكي الخاص بالخديو إسماعيل والذي صنع في خمسينيات القرن التاسع عشر ويتميز هذا القطار بزخارفه الداخلية المصنوعة من الذهب الخالص والحرير الطبيعي الفاخر، ويحتوى على صالونات استقبال وغرف نوم ملكية تضاهي في فخامتها أفخم القصور كما تضم القاعة نموذجا القطار الملك فاروق الأول، الذي صممته شركة فيات الإيطالية عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين، وهو قطار يعمل بالديزل وبعد تحفة تكنولوجية في زمانه، إذ كان يحتوى على صالون ملکی مجهز بأحدث وسائل الراحة والتحكم التلقائي ومطلي باللون الأخضر الملكي المميز، مما يجعل الوقوف أمام هذه القطع بمثابة نزهة بصرية تعيد إحياء ملامح مصر التاريخية بأبهى صورها الفنية والجمالية.

وعندما تتجول في قسم قاطرات البخار والديزل، تلمس بوضوح عبقرية الهندسة الميكانيكية وتطورها عبر العقود.. يضم هذا القسم نماذج مجسمة دقيقة ومصنوعة بمقاييس رسم عالمية الأولى القاطرات البخارية التي مشت على القضبان المصرية في منتصف القرن التاسع عشر ومنها القاطرة الشهيرة رقم واحد التي صنعتها شركة روبرت ستيفنسون البريطانية.. المدهش في هذا القسم هو وجود نماذج تشريحية متحركة تقف وراء زجاج العرض، حيث تتيح الزائر من خلال الضغط على أزرار التحكم الرقمية الحديثة رؤية كيفية حركة المكبس البخاري ودوران العجلات، وكيف كان الفحم الحجري يتحول إلى طاقة جبارة تشق الجبال والوديان.. هذا الجزء التثقيفي يجذب طلاب الهندسة والشباب والأطفال الذين يجدون في هذه النماذج التفاعلية فرصة ذهبية لفهم أسرار الثورة الصناعية الأولى وكيف طوع الإنسان الآلة البخارية لخدمة حركة المجتمع وبناء الوعي الصناعي والتكنولوجي البلاد.

أما إذا صعدنا درجات السلم الرخامي الفخم إلى الطابق الثاني للمتحف، فإننا تنتقل من عالم الآلات الضخمة إلى عالم الإدارة، والتنظيم، والتحكم حيث يستقبلنا قسم المحطات والخطوط والجسور يعرض هذا القسم مجسمات هندسية فائقة الدقة لأشهر محطات مصر التاريخية، وعلى رأسها محطة رمسيس القديمة، ومحطة الإسكندرية، ومحطة طنطا، حيث تظهر التفاصيل المعمارية الدقيقة للأرصفة والمباني والأسقف المعدنية، كما يحتوى القسم على مجسمات نادرة لأشهر الجسور والكباري الحديدية التي شيدتها السكك الحديدية المصرية فوق نهر النيل وفروعه التربط الشرق

بالغرب مثل كوبري إمبابة الشهير وكوبرى الفردان، وهي تحف هندسية تعكس مدى براعة المهندس والمقاول والعامل المصري في ترويض الطبيعة الجغرافية لبناء شبكة اتصلت أطرافها بكل قوة وإتقان.

وفي الجناح المجاور بالطابق الثاني يستوقفنا قسم الإشارات والاتصالات، وهو القسم الذي يوثق معركة الأمان والحفاظ على الأرواح عبر التاريخ.. يعرض القسم تطور نظم الإشارات من النمط اليدوى البدائي الذي كان يعتمد على الفوانيس النقطية الملونة والأعلام القماشية في القرن التاسع عشر مرورا بنظام العملات الحديدية الميكانيكية وأبراج الملاحظة الخشبية التي استمرت طوال القرن العشرين، ووصولا إلى محاكاة الكترونية رقمية حديثة تبين للزائر كيف تدار الإشارات والتحويلات اليوم عبر غرف التحكم المركزية المتقدمة.

ولا يكتمل الحديث عن الطابق الثاني دون التوقف أمام الجناح الخاص بـ الوثائق والخرائط النادرة وهو كنز وثائقي يحتوي على المراسيم الرسمية والاتفاقيات الأصلية الموقعة بين الدولة المصرية والمهندسين البريطانيين لتأسيس أول خط سكة حديد عام ١٨٥١، بالإضافة إلى دفاتر أحوال قديمة، وسجلات رواتب العمال، وتذاكر سفر تاريخية تعود لعهود الخديويات والسلاطين، وحتى لوحات المواعيد المكتوبة بخط اليد من مطلع القرن الماضي.. قراءة هذه الوثائق تمثل تجربة إنسانية فريدة، تجعل رواد المتحف يستشعرون كيف كانت السكة الحديد هي الدفتر الحقيقي الذي سجلت فيه تحولات المجتمع المصري الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكيف كان القطار هو شريان الوعى التنويري الذي نقل الصحافة والفكر والأدب إلى أقاصي القرى والنجوع.

أن الزائر للمتحف اليوم، وبعد الانتهاء من جولته بين قاعات الماضي، يجد نفسه أمام قسم حديث ومبهر وهو قسم الجمهورية الجديدة ونقل المستقبل، يعرض هذا القسم من خلال الشاشات التفاعلية الرقمية والنماذج المجسمة الحديثة المشروعات العملاقة الحالية والمستقبلية لسكك حديد مصر مثل شبكة القطار الكهربائي السريع والموتوريل وقطارات تالجو الفاخرة بالإضافة إلى مجسم ضخم يوضح تفاصيل محطة قطارات صعيد مصر العملاقة بيشتيل.. إن هذا القسم يجسد بوضوح شعار عراقة تكتمل بالتطوير، حيث يرى الزائر كيف تسلم الأجيال الحالية راية البناء من الأجداد. وكيف تتحول الأحلام الهندسية الكبرى إلى واقع ملموس يحسن جودة حياة المواطن ويوفر له بيئة نقل خضراء ومستدامة وصديقة للبيئة تليق بمصر المستقبل.

في ختام هذه الفسحة الاستثنائية والعميقة داخل متحف السكك الحديدية المصري، ندرك أننا لم نكن في مجرد جولة بين قطع من الحديد الصلب والخشب العتيق، بل كنا في رحلة مقدسة داخل الذاكرة الحية الوطن.. إن هذا المتحف العريق، الذي يفتح أبوابه في ميدان رمسيس ليروي قصة ١٧٥ عاما من الريادة والسيادة، هو شهادة فخر موثقة لكل مصري ومصرية، ودليل دامغ على أن قاطرة التقدم المصرية، التي انطلقت منذ منتصف القرن التاسع عشر لم ولن تتوقف أبدا عن المسير.. تحية حب وإجلال للقائمين على هذا الصرح الشامخ الذين يحرسون ذاكرتنا الهندسية بكل أمانة وإخلاص، ودعوة صادقة لكل قارئ ومثقف وشاب لزيارة هذا الكنز المخبوء ليتزود من عبق التاريخ بعزيمة صلبة وقوية تشحذ الهمم لمواصلة بناء وتطوير وطننا الحبيب، لتظل مصر دائما كما كانت منارة للحضارة، والبناء الشامل الممتد عبر العصور.. هذا الكنز التاريخي مفتوحلاستقبال الجمهور على مدار أيام الأسبوع ماعدا أيام العطلات الرسمية، ويفتحالمتحف أبوابه يوميا من التاسعة صباحا وحتى الساعة الثالثة بعد الظهر... أما أسعار تذاكر الدخول تبلغ 10 جنيهات للجمهور وه جنيهات للطلبة، كما تتيح إدارة المتحف التصوير بالموبايل مجانا والكاميرا المحترفة ٢٠ جنيها، وكانت الهيئة القومية اسكك حديد مصر أعلنت عن فتح أبواب المتحف مجانا أمام الجمهور في الفترة من يوم 11 يوليو وحتى ١٦ من يوليو احتفالا بمرور ١٧٦ عاما على تأسيسها.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

التعليم الفنى التكنولوجى.. قاطرة الجمهورية الجديدة لتوطين الصناعة

خارطة طريق يرسمها الخبراء والمتخصصون.. د.مجدى حمزة: الدولة تنفذ خطة واضحة لتحويل جميع المدارس الفنية التقليدية لتكنولوجية حديثة د.عصام حجازى:...

روشتة نواب البرلمان لضمان نجاح الدعم النقدى

أجابوا على مخاوف المواطنين من المنظومة الجديدة.. محمد العكارى: المنظومة الجديدة تستهدف تقليل الهدر ومحاصرة فساد الدعم العينى أمير الجزار:...

من وابور الفحم إلى القطار الكهربائى.. 175 سنة س ح م

تعاقد الخديو عباس الأول مع المهندس البريطانى روبرت ستيفنسون لإنشاء مبنى السكة الحديد عام 1851 .. واستغرقت عملية البناء عامين...

منى عبد الحليم «أم الأطباء»: الرزق الحلال سبب نجاح ولادى

شعرت أننى حصدت ثمار تعب سنوات طويلة تحت الشمس الحارقة عندما كرمتنى وزيرة التضامن الاجتماعى لى باعتبارى الأم المثالية